الرياضة في تونس.. مسار من التوظيف السياسي والغضب الجماهيري

الرياضة في تونس.. مسار من التوظيف السياسي والغضب الجماهيري

صار البرلمان في تونس يحاكي الفيراج فيستدعي أسلوبه في الصراع والخطاب والاستفزاز (Allsport)

 

الأخبار الرياضيّة في تونس ظاهرها فنّي وإحصائي وتوثيقي ومادي وجهوي، أمّا ملابساتها وخفاياها ومقاصدها فهي في الغالب وثيقة الصلة بالشأن السياسي. هذه المعادلة تنطبق على جلّ الدول والأمم، غير أنّها تختلف حدّة ودرجة حسب الأنظمة فالدول المستبدّة والفاشيّة تبدو وفق بعض القراءات أكثر ميلاً إلى تسييج الحقل الرياضي و"تعليبه" واحتكاره هيكلةً وتنظيمًا وتأطيرًا وتوجيهًا واستثمارًا، فهل تساهم الثورة والحريّة في تخليص الرياضة من وصاية الحكّام والرؤساء وأبنائهم وأصهارهم و"عيونهم"وأعوانهم؟ 

إذا نجت الرياضة من سلطة النظام القائم هل يمكن لها أن تنجو من الدعاية الحزبية والتوظيفات السياسيّة والإيديولوجية في زمن الديمقراطيّة؟

وإذا نجت الرياضة من سلطة النظام القائم هل يمكن لها أن تنجو من الدعاية الحزبية والتوظيفات السياسيّة والإيديولوجية في زمن الديمقراطيّة؟ ألم تكن الرياضة التونسية بعد 2011 في أكثر من مناسبة سلّمًا انتخابيًّا؟ متى تعود الرياضة إلى صفائها القيمي وطهارتها التنافسيّة فتستعيد بعدها الجمالي الإمتاعي الخالص؟

لا يمكن أن ننكر أن رياضة الهواة قد ظلّت مشدودة إلى جوهر هذا النشاط البدني وآدابه ومقاصده الأصلية من حركة ولياقة ومتعة وصبر وصحة نفسية وجسدية، في المقابل يحقّ لنا أن ننظر إلى الرياضة باعتبارها مدخلاً لدراسة الهويّات والحضارات والصراعات والسياسات كيف لا وقد باتت الموضوع الأكثر سريانًا على الألسن والمشهد الأوسع انتشارًا وتأثيرًا و"السلعة" الأغلى بيعًا وشراء وتبادلاً وإشهارًا وتوظيفًا.

خطورة العلاقة بين السياسة والرياضة وجديّة المسألة وعمقها دفعت العديد من الباحثين إلى معالجتها معالجة علمية أكاديمية، في هذا السياق، تندرج ندوة نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، يوم 29 جانفي/كانون الثاني  2021 عنوانها السياسة والرياضة في تونس: الاستعمالات المتبادلة. 

اقرأ/ي أيضًا: كرة القدم في تونس.. غرام "بالروح والدم" وعنف وجهويات

دولة الاستقلال والهويّة المتوسّطية

مثّلت الرياضة بالنسبة إلى الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة واحدة من المجالات التي حرص على توظيفها توظيفًا متغيّرًا متطوّراً، إذ دعا قبل الاستقلال إلى تأسيس نواد رياضيّة تساهم في تنوير الجماهير وتوعيتها بالقضيّة الوطنية، وهو ما عدّه صلاح الدين بن فرج، أستاذ علم الاجتماع، توظيفًا محمودًا ولونًا من ألوان "التبعية المحبذة" للرياضي في علاقته بالسياسي، وفق تقديره. 

حوّل بورقيبة بعض التظاهرات الرياضيّة إلى مناسبة لتأكيد زعامته كأن أحدث تغييرًا طريفًا في سير مباريات نهائي كأس كرة القدم

وقد جمع بورقيبة في هذا المسلك بين الدعوة والممارسة فقد انتمى سنة 1928 إلى الهيئة المديرة للنادي الإفريقي، ثم تولى منصب نائب رئيس بالترجي الرياضي التونسي

واصل بورقيبة بعد الاستقلال ممارسة نفوذه على الشأن الرياضي من خلال التدخّل المباشر في تعيين رؤساء الجمعيات منهم المنذر الزنايدي وحسان بلخوجة وغيرهما.

وقد حوّل رئيس الجمهورية بعض التظاهرات الرياضيّة إلى مناسبة لتأكيد زعامته فقد أحدث تغييرًا طريفًا في سير مباريات نهائي كأس كرة القدم، إذ يحضر إثر نهاية الشوط الأول في سيارة مكشوفة تجوب محيط المستطيل الأخضر أمام تصفيق الجماهير وأهازيجهم، ثمّ يقضي وقتًا طويلاً في مصافحة اللاعبين والحكّام والتحدّث إليهم قبل الصعود إلى المنصة الشرفية، وتمتدّ هذه الجولة ما يعادل الساعة حتّى أصبحت المباريات في هذه المناسبة تمتدّ على ثلاثة أشواط، اثنين للاعبين وشوط للزعيم، على حدّ تعبير صلاح الدين بن فرج. 

ولئن بدا هذا المشهد طريفًا يتناسب مع ما يتّصف به بورقيبة من نرجسية فإنّ الحدث الأخطر هو إصراره على تنظيم ألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 1967 في دورتها الخامسة وأنفق في سبيل ذلك 3.5 مليون دينار لبناء المركب الرياضي بالمنزه، ولم يكن مقصد الزعيم آنذاك رياضيًا بقدر ما كاد "إيديولوجياً" فقد بدا متطلعًا إلى نحت ما كان يسميه الأمّة التونسية التي يراها على حدّ تعبير علي الهمامي، أستاذ علم الاجتماع، أقرب إلى الفضاء الأوروبي منها إلى المجالين العربي والإفريقي، وقد تشكّل ذلك حسب الهمامي من خلال الرموز والشعارات المعتمدة في حفل الافتتاح.

التدخّل السياسي في الشأن الرياضي بدا مقبولاً بنّاء في بداية دولة الاستقلال لكنّه أصبح لاحقًا يشكّل مصدر توتّر وتوظيف عنيف

التدخّل السياسي في الشأن الرياضي بدا مقبولاً بنّاء في بداية دولة الاستقلال لكنّه أصبح لاحقًا يشكّل مصدر توتّر وتوظيف عنيف، بلغ ذروته في مباراة الترجي والنادي الصفاقسي، في جوان/ يونيو 1971 وبصرف النظر عن وجاهة القرارات التي تمّ اتخاذها آنذاك فقد ثبت وفق تأكيد علي الهمامي أنّ الجماهير كانت ضحيّة صراع أجنحة داخل الحزب الاشتراكي الدستوري قبيل انعقاد مؤتمره الانتخابي، فكانت هذه الحادثة واحدة من العينات التي تحولت فيها السياسة إلى ضيف غير مرحّب به ومصدر فتنة في الحقل الرياضي. 

اقرأ/ي أيضًا: هيئة 18 أكتوبر.. ذكرى حنين لتوحّد المعارضة التاريخية ضد نظام بن علي

مع بن علي الرياضة "ورقة حمراء" في وجه الدستور والمعارضة

تمكّن بن علي الرئيس الأسبق من تحويل التظاهرات الرياضيّة إلى مناسبات دعائيّة، وكانت غايته ضمان الاستمرار في الحكم، ولا سبيل إلى بلوغ مأربه بعد استكمال ثلاث فترات (1989، 1994، 1999) إلا  بتحوير الدستور وضمان التمديد فكان له ذلك، وقد اقترن الأمر وفق تقدير الباحث علي الهمامي بتنظيم ألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 2001، التي كسب من خلالها بن علي لونًا من الشرعية تجسدت من خلال "إدخال الفرحة في نفوس التونسيين" بفضل النتائج الباهرة التي تمّ تحقيقها في العديد من الأنشطة خاصّة في كرة القدم إذ تحصلت تونس على الميدالية الذهبية في هذه الرياضة التي تحظى بشغف جماهيريّ كبير.

إثر هذا الإنجاز الرياضي ناشدت الجماهير بن علي للترشح لانتخابات 2004، كما قيل حينها، بعد تعديل الدستور سنة 2002 وإمعانًا في توظيف التظاهرات الرياضية لضمان التمديد والاستمرار في الحكم، راهن بن علي على حسن تنظيم كأس إفريقيا والظفر به، فكان له ذلك قبل حوالي ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية أكتوبر/ تشرين الأول 2004.

كانت غاية بن علي الاستمرار في الحكم، ولا سبيل لذلك إلا  بتحوير الدستور، وقد اقترن الأمر بتنظيم ألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 2001 التي حاول من خلالها "إدخال الفرحة في نفوس التونسيين" 

ولم يكن بن علي مجرد جنرال يتقن فنون المحافظة على الحكم فقد استعان بمستشارين أوحوا له بضرورة استغلال التظاهرات الرياضية لإظهار العمق الإفريقي والفينيقي للبلاد التونسية فضلاً عن الانتماء المتوسطي وذلك قصد تجاوز "الرمزية المتوسطية الخالصة التي سعى بورقيبة إلى غرسها"، على حدّ تعبير الهمامي. 

الفيراج فاعل سياسي

قبل الثورة أظهرت جماهير "الفيراج" ألواناً من التمرّد، ولم تقتصر انتفاضتها على إحراج أعوان الأمن إنما تعدّت إلى التفنن في النيل من نظام بن علي وعائلته وأصهاره من خلال الأهازيج والاحتجاجات وقد حصل ذلك في حضور رئيس الجمهورية نفسه في إحدى المباريات بالمنزه.

تواصلت "سلطة الفيراج" بعد الثورة واتسعت، فأصبحت تستميل رؤساء الأحزاب، في هذا السياق، يؤكّد محمد الإمام، الباحث في العلوم السياسية، أنّ السياسيّ لم يعد ينهض بوظيفة التأطير والتوجيه بقدر ما أصبح يستجدي الجماهير الرياضية لينال حمايتها وصوتها، ينطبق هذا حسب رأيه على سليم الرياحي الذي ترأس النادي الإفريقي وعلى حافظ قائد السبسي حينما حلم بالإشراف على الترجي الرياضي وقس على ذلك مهدي بن غربية مع النادي البنزرتي.. هؤلاء حوّلوا الرياضة على حدّ تعبير محمد الإمام إلى مصعد سياسي.

محمد الإمام، الباحث في العلوم السياسية: السياسي لم يعد ينهض بوظيفة التأطير والتوجيه بعد الثورة بقدر ما أصبح يستجدي الجماهير الرياضية لينال حمايتها وصوتها

وقد تجلى استنجاد السياسي بالرياضي خاصّة من خلال محاولة يوسف الشاهد الاستفادة في حملته الانتخابية من نفوذ رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم وديع الجريء على رؤساء الجمعيات في مختلف الجهات. 

قبل انتخابات 2019 وبعدها تقلّصت العلاقة بين السياسي والرياضي وتراجعت نسبيًا محاولات التوظيف، لكن اللافت حسب رأي محمد الإمام أنّ البرلمان الفضاء التشريعي قد أصبح يحاكي الفيراج، فيستدعي أسلوبه في الصراع والخطاب والاستفزاز، وقد بلغ المشهد ذروة الجدّة والطرافة من خلال استئناس النائب ياسين العياري بأغنية جماهير الإفريقي "يا حياتنا" في إبلاغ رسالته السياسيّة داخل البرلمان.

نخلص من خلال ما تقدّم أنّ مناخ الحرية لا يساهم في إقلاع السياسيين عن توظيف الرياضة إنما يساهم في جعل المشهد واضحًا شفافًا مفضوحًا، حينئذ تقرأ السلطة والنواب والأحزاب ألف حساب قبل الإقدام على مغامرة "الركوب" على الجمعيات الرياضية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

أغنية "يا حياتنا"... ثورة جمهور الإفريقي على الفساد والظلم

الرياضة التونسية في 2020.. حرج وهرج وتألق أنس جابر