16-سبتمبر-2023
أطفال التوحد في تونس

يعاني أطفال التوحد في تونس من مشكلة في الإدماج في المدارس (صورة تعبيرية/Getty)

 

"أريد نقل ابنتي إلى قسم آخر.. لا أحبّذ أن يدرس معها تلميذ "مهبول" في القسم" كلمات قصمت ظهر أم مالك (39 عامًا، مهندسة) عندما سمعتها من أحد الأولياء، كيف لا وهي التي عانت الأمرّين من أجل أن يدخل طفلها المتوحد إلى المدرسة بعد رحلة طويلة ما بين مختصين وأطباء في محاولة منها للتخلص من طيف رافقه منذ الولادة. 

"لم أتوقع يومًا أن أعيش مثل هذا الموقف بسبب اختلاف مالك. إنّهم يعتبرونه خطرًا على أبنائهم وسببًا في تعطيل الدروس" هكذا تحدثت أم مالك لـ"الترا تونس" عن رفض المحيط المدرسي لابنها ذي السبع سنوات. 

اكتشفت محدثتنا حالة ابنها في سن مبكرة، وهذا ما ساعد على التخفيف من سلوكياته الإشكالية، وناضلت من أجل أن يتمتع بحقوقه ككل الأطفال في سنه. 

وليّة لطفل مصاب بالتوحّد لـ"الترا تونس": لم أتوقّع يومًا أن يتم اعتبار طفلي على أنه يمثّل خطرًا على تلاميذ آخرين ويتسبب في تعطيل الدروس.. ورغم مروره للسنة الثانية بنجاح إلا أنّ مشكلة إدماجه تزداد صعوبة 

ورغم مروره من السنة الأولى إلى السنة الثانية بنجاح إلّا أن مشكلة إدماجه تزداد صعوبة سنة بعد سنة، حيث تؤكد محدثتنا أن النظام التربوي التونسي غير قادر على استيعاب هذه الفئة من الأطفال وناشدت السلطات التونسية من أجل إيجاد حلول عملية ليتمكن هؤلاء التلاميذ من استكمال مسارهم الدراسي. 

وفي حين انطلقت السنة الدراسية، الجمعة 15 سبتمبر/أيلول 2023، بطريقة عادية لعديد الأسر التونسية، لا تزال أسر أخرى تجاهد من أجل إيجاد مقعد لتلميذ أعياه اضطرابه وحوّله إلى حالة مجتمعية يصعب استيعابها. 

 

  • مؤسسات "موازية" تحتضن أطفال التوحد 

في تعريف للتوحد، تقول المختصة في العلاج الوظيفي آمنة قمر إنه اضطراب وليس مرضًا، ويتميز بعجز في التواصل الاجتماعي وبنموذج سلوك مقيد مرتبط بالصور النمطية، مضيفة أنّ مصطلح "طيف" يعني أنّ درجات التوحد تختلف حسب شدة الأعراض من طفيف إلى متوسط أو شديد. 

وتؤكد قمر لـ"الترا تونس" أنّ للمتوحدين صعوبة في استيعاب المعلومة الحسية وفهمها، وتتمثل مشاكلهم في صعوبة التأقلم مع المحيط لذلك فإنّ أغلب الأنشطة التي يقوم  بها المختصون هي من أجل تسهيل إدماجهم سواءً في المنزل أو المدرسة".

مختصة في العلاج الوظيفي لـ"الترا تونس": يواجه التلاميذ المصابون بالتوحد صعوبات في استيعاب المعلومة الحسية وفي التأقلم مع المحيط لذلك فإن أغلب الأنشطة التي يقوم  بها المختصون ترتكز على تسهيل إدماجهم سواءً في المنزل أو المدرسة

وتشير المختصة في العلاج الوظيفي إلى أنّ "التحدي الحقيقي ينطلق عند وصول الطفل لمرحلة الروضة حيث يتعب الولي في إيجاد مؤسسة تحتضن ابنه، خاصة وأنّ المختصين ينصحون باحتكاك المتوحّد بأطفال عاديين على اعتبار أنّه رغم الإحاطة الجيدة للمراكز المختصة، فإنها قد تعطي مفعولًا عكسيًا يجعل المتوحد سجينًا لمربع العزلة أو تعزز فيه سلوكًا متكررًا آخر.

ونبهت محدثتنا الأولياء من المؤسسات الموازية التي توظف أشخاصًا غير مؤهلين للتعامل مع هذه الفئة من الأطفال وتقتصر أهدافهم على غايات مادية بحتة مستغلين الهشاشة النفسية للأولياء. 

 

صورة
يعاني أطفال التوحد في تونس من مشكلة في الإدماج في المدارس (صورة تعبيرية/ Getty)

 

وعن المرحلة الابتدائية، تقول محدثتنا: "في هذه المرحلة أيضًا ننصح بالمدارس العمومية مع اعتماد "AVS" المرافق المدرسي. ويتم ذلك بعد تقديم ملف يضم تقريرًا مفصلًا لحالة الطفل"، مستدركة القول: "لكنّ عديد الأولياء يتجنبون المدارس العمومية، وفي المقابل عديد المدارس الخاصة ترفضهم خوفًا على صورة المدرسة". 

مختصة في العلاج الوظيفي لـ"الترا تونس": ما قد يزيد من صعوبة إدماج الطفل المصاب بالتوحد هو عدم تقبل الأولياء للمسألة وتسرّعهم في إدخاله للمدرسة وهو غير مهيّأ لذلك فتبدأ مراحل الفشل الدراسي الذي يزيد من الضغط عليه

وتشير آمنة قمر إلى أنّ "السبب الآخر الذي يصنع صعوبة في إدماج الطفل المصاب بالتوحد هو عدم تقبل الأولياء للمسألة وتسرّعهم في إدخاله للمدرسة وهو غير مهيّأ لذلك، وتبدأ مراحل الفشل الدراسي الذي يزيد من الضغط سواء على الطفل أو الولي".

وتختم آمنة قمر حديثها قائلة بأنّ "العالم متوجه في إدماج الأطفال في المدارس العادية ويجب أن تتكاتف جهود الجميع من أجل نجاحهم سواء من الإطار التربوي أو المختصين والأولياء". 

 

 

  • "وضع برنامج دمج دون توفير الظروف اللازمة"

ومن جهة أخرى، تؤكد عضو الجمعية التونسية لصعوبات التعلم رانية غويل لـ"الترا تونس" أنّ الإشكاليات التي يعيشها الطفل المصاب بالتوحد مرتبطة بغياب إحصائيات واضحة من قبل الوزارات أو المعهد الوطني للإحصاء، بالإضافة إلى أنّ جلّ التشريعات القانونية موجهة فقط للأطفال ذوي الإعاقة مستثنين بذلك هذه الفئة، وفق قولها. 

وتشير محدثتنا إلى أنّ الإحاطة بهؤلاء الأطفال تستوجب مصاريف مشطة لا يعترف بها الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وهذه العقبة الأولى نحو رعاية ناجعة للطفل، فلا الدولة قادرة على التكفل بهم ولا الولي حمل لكل هذه الأعباء المادية، وفق تعبيرها. 

عضو بجمعية صعوبات التعلم لـ"الترا تونس":  "الدولة أحدثت برنامجًا لدمج أطفال التوحد، لكن دون توفير الظروف اللازمة لذلك"

وتشدد الدكتورة في علم الاجتماع على أنّ "أهم الإشكاليات في العودة المدرسية مرتبطة بالوصم الاجتماعي بمعنى الصورة السلبية عن الطفل المتوحد، مضيفة أنّ الذين يدرسون بالمدارس العمومية عادة ما يعانون من الإقصاء الاجتماعي خاصة أن عديد أولياء الأطفال يرفضون تواجد طفل مصاب بالتوحد في أقسام أبنائهم. 

 

صورة
لم توفر الدولة الظروف اللازمة لإدماج أطفال التوحد رغم وضع برنامج دمج (صورة تعبيرية/ Getty)

 

وتقول رانية غويل: "بداية الرفض تبدأ من زملاء القسم الذين عادة ما يتجنبون التعامل معه بالإضافة إلى أنّ المعلم لم يحظ بالتكوين اللازم للتدخل في مجال التوحد"، مضيفة أنّ هؤلاء الأطفال عرضة للعنف في المدرسة سواء كان ماديًا أو معنويًا أو حتى رمزيًا. 

عضو بجمعية صعوبات التعلم لـ"الترا تونس": بداية الرفض تبدأ من زملاء القسم الذين عادة ما يتجنبون التعامل معه بالإضافة إلى أنّ المعلم لم يحظ بالتكوين اللازم للتدخل في مجال التوحد

وتؤكد المختصة في علم الاجتماع أن الدولة هي المسؤولة عن توفير كل الظروف الملائمة لهؤلاء الأطفال بما في ذلك المُرَافق المدرسي، مشيرة إلى أنّ كلفته تتراوح بين 500 و600 دينار وهو ما لا تستطيع جميع العائلات توفيره، منبهة إلى أنّ العديد من المرافقين غير مكوَّنين فيما يخصّ الإعاقة أو التوحد، وفقها. 

 وتختم غويل حديثها قائلة إنّ "الدولة أحدثت برنامجًا لدمج أطفال التوحد، لكن دون توفير الظروف اللازمة لذلك". 

 

  • "ضرورة مراجعة التشريعات المتعلقة بالأطفال المختلفين" 

وعن الحلول المقترحة، تقول الباحثة في قانون وسياسات الاتحاد الإفريقي نوال بريشي لـ"الترا تونس" إنّه من المهم إنشاء أقسام خاصّة في المدارس العمومية لإدماج الأطفال ذوي طيف التوحد ببرنامج بيداغوجي مبسّط. بالاضافة إلى تجسيم أحكام القانون الأساسي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ في 15 أوت/أغسطس 2005 المتعلق بالنهوض بالأشخاص المعوقين وحمايتهم، مع ضرورة تعديله ليستوعب المصابين بطيف التوحد، داعية إلى الاستئناس بالقانون الفرنسي المؤرخ في 11 فيفري/شباط 2005 كمثال مناسب يمكن للمشرع التونسي أن يحتذي به في تنقيح القانون، وفقها. 

باحثة في قانون وسياسات الاتحاد الإفريقي: لا بدّ من مراجعة التشريعات المتعلقة بالأطفال المختلفين في تونس وإعادة النظر في الميزانية المخصصة لذلك ضمن قانون المالية لأخذ هذه الفئة بعين الاعتبار

وتشدد البريشي على ضرورة إعادة النظر في الميزانية المخصصة لذلك ضمن قانون المالية وأن تأخذ بعين الاعتبار هذه الفئة من الأطفال وتوفر الوسائل اللازمة لتعليمهم.

وتقترح الباحثة في قانون وسياسات الاتحاد الإفريقي إحداث مؤسسات طبية-تعليمية عمومية في كلّ ولاية نظرًا لأنّ جميع الأطفال المصابين بالتوحد لا يعالجون بنفس الطريقة بسبب خصوصية حالاتهم، متحدثة عن إمكانية ربط هذه المؤسسات مباشرة بميزانية البلدية لتتم إدارتها على قدر أحسن من الشفافية. 

كما توجه البريشي توصيات بمراجعة القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ في 15 أوت/أغسطس 2005، المتعلق بالنهوض بالأشخاص المعوقين وحمايتهم و بإلغاء القانون عدد 72 لسنة 1999 المؤرخ في 26 جويلية/يوليو 1999 المتعلق بالمراكز المندمجة للشباب والطفولة وتعويضه بقانون أكثر انسجامًا مع الاتفاقية التي صادقت عليها الجمهورية التونسية.

كما دعت محدثة "الترا تونس" إلى إطلاق مناظرة وطنية لتوظيف ملحقين مختصّين في الحياة المدرسية داخل المؤسسات المتخصصة، حيث سيكون لهذا الأمر تأثير اجتماعي كذلك في التقليل من نسب البطالة لدى المتخرّجين في هذا الاختصاص، حسب تصورها.