حكاية طفل القمر.. أحلام

حكاية طفل القمر.. أحلام "خلود" في كسر القيود

خلود وخيري شقيقان من "أطفال القمر" (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

أطفال القمر، من هم هؤلاء الملائكة الذين يعيشون بعيدًا عن أشعّة الشمس؟ رغبة مني في أن ألتقيهم وأتحدث إليهم وأنقل عنهم تفاصيل حياتهم كان لي لقاء بخالد، والد طفلين من هذه الفئة، كان هذا الأب حنونًا وشغوفًا بأن يكشف لي عشقًا غير محدود لابنيه وراغبًا في أن يفصح عما تعرّض له من معاناة في ضمان عيش كريم لأطفال القمر في تونس.

اصطحبني إلى البيت الذي يعيشون فيه، كان بيتًا خاليًا من النوافذ. وكانت الستائر تكسو أبوابه الخارجية، دخلت البيت فكانت الإضاءة منبعثة من مصباح لا تنبعث منه الأشعة فوق البنفسجية ويضيء بلون مائل إلى الزرقة. أطلّ عليّ الطفلان وقد علما مسبقًا بقدومي، تقدّمت إليّ خلود (20 سنة) بالتحية وتبعها شقيقها خيري ( 12 سنة)، كانا يمتلآن نشاطًا وحيوية فرحّبا بزيارتي فزادت رغبتي في اكتشاف نمط حياتهما وتواصلهما العائلي والاجتماعي والعلمي.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "بنت القمرة".. عن نساء تحدين المرض وواجهن مجتمعًا لا يرحم

خلود: "منذ أن ولدت إلى أن بلغت سن الخامسة وأنا أتعامل مع هذا المرض كأنه غير موجود" (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

لم يكن لقائي بخلود من محض الصدفة وإنما رغبة مني في أن أكتشف عالم طفلة أخذها الحلم بالنجاح وكسر قيد المرض الذي لازمها منذ الصغر، خلود إحدى أطفال القمر التي رسمت الحياة بحبر قلمها لتعيش بين ثنايا الكلمات حينًا وبين أحضان الفن أحيانًا، هبّت خلود عند لقائي بها إلى مدّي بقصائدها وخواطرها ومساهماتها الأدبية في التصدي لأعراض مرضى أطفال القمر، كما امتهنت اليوم تزويق وزخرفة الفخار من الصناعات التقليدية، فهي اليوم تتداوى بالفن والإبداع.

خلود (من أطفال القمر) لـ"ألترا تونس":  أتمنى أن تتغير نظرة الطفل بذاته إلى هذا المرض

كم كانت خلود سعيدة بين والديها وإخوتها وخاصة شقيقها الصغير خيري الذي يشاركها نفس المرض فهو بدوره من أطفال القمر، وهما يعيشان حلم الحياة معًا ويتحديان عقباتها يدًا بيد.

خطّت خلود الكلمات بقلمها منذ سن الخامسة عشرة فكتبت "منذ أن ولدت إلى أن بلغت سن الخامسة وأنا أتعامل مع هذا المرض كأنه غير موجود. أتجوّل في الشوارع تحت أشعّة الشمس غير مدركة لخطورة هذا الوضع، لكن ما إن كبرت قليلًا ولاحظت مدى غرابة وقسوة نظرات الناس لي أدركت بأني طفلة غير طبيعية وصرت أبكي وأحزن لحالي. أتذكّر أول يوم لي في الروضة وأول ما وطأت قدميّ بابها استقبلني الصغار بنظرة خوف واستغراب فأخذت في البكاء وخرجت مسرعة هاربة أركض دون وعي مني جاهلة لما يخبئه لي القدر".

كانت خلود لا تتردد في أن تسمح لكلماتها بأن تعاتب هذا المجتمع الذي لا يقدّم أي مساعدة لطفل القمر بل يزدري لباسهم الخصوصي ويبعث برسائل الريبة من حاملي هذا المرض فيكون سببًا في انزوائهم وبعدهم عن المشاركة الاجتماعية والاندماج.

استنجدت خلود بعجز البيت الشعري "لا بد للقيد أن ينكسر" لتعبّر عما يختلج في نفسها وأضافت "قيدنا نحن أطفال القمر هو أشعة الشمس فهي تمنعنا من مواصلة الحياة العادية ولكننا نستطيع كسره والتخلص منه، نحن أطفال ولدنا أحرارًا كالعصافير المغرّدة دون قيد ذلك القفص.. لن تمنعنا أشعة الشمس من الوصول إلى دربنا المنتظر ولن نخشى الألم".

هكذا كان يدمع قلم خلود فيسيل الحبر على ورقها لعله يشفي بعضًا من آلامها التي تعانيها منذ الطفولة، تدرك خلود جيدًا مرضها فتواجهه ولا تهرب منه، وأرادت من كتاباتها أن تعرف بمرض "زيروديرما بيغمنتوزم" وأن تغيّر من "النظرات المنبثقة من أعين الناس من نظرة يملؤها الخوف والشفقة والقسوة إلى نظرة يملؤها الحب والعطف والود"، كما جاء في إحدى كتاباتها.

كان يدمع قلم خلود فيسيل الحبر على ورقها لعله يشفي بعضًا من آلامها (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا: بحثًا عن لعب لابنه: تونسي يخترع ألعابًا تساعد أطفال التوحد

وأضافت خلود في حديثها لـ"ألترا تونس"، "أتمنى أن تتغير نظرة الطفل بذاته إلى هذا المرض، فهناك من يعتبر حياته منتهيّة بمجرد انتمائه إلى أطفال القمر، لكن ابتلانا الله بهذا المرض ليختبر مدى صبرنا ومدى إيماننا بالله وعلينا أن نكون في المستوى الذي أراده لنا الله".

كانت خلود تعي جيدًا بأنها "طفل قمر" وكانت تنبعث منها إرادة التوعية بهذا المرض فتحاول أن تسدي بالنصيحة لعائلات أطفال من نفس فئتها فاعتبرت أن "العائلة لما تكون جاهلة بمرض يصيب أولادها فهي لن تعرف سبيلًا لحمايته لتتفادى بذلك الأخطار السلبية فمنهم من يترك النوافذ مفتوحة على أشعّة الشمس غير عابئة بمدى الخطورة التي تنجر عنها وهذا ما يتسبب في نتائج مؤلمة بعد مرور الوقت".

وتبيّن خلود قائلة "قبل معرفة المرض تكون نفسية الطفل حساسة ومرهفة للغاية مما يسبب له الانزواء، الهروب، الوحدة، الإحساس بالغربة وسط عائلته، وهذا ما يتسبب في عدم استعداده لتقبل مرضه والتعايش معه والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى الجهل وعدم توفر المعلومات الكافية التي تبين طبيعة هذا المرض".

رغم تواصل أولياء أطفال القمر مع مجلس نواب الشعب ورئاسة الحكومة والوزارات المعنية فإنه لم يتمّ تعديل القانون المتعلق بالأمراض المزمنة

أما بعد اكتشاف المرض فتنصح خلود بأن يلتزم الأبوان "بالاهتمام الفائق بطفل القمر وأن يحرصا على الوقاية بارتداء الألبسة الخاصة عند الخروج والتدليك بالمراهم وارتداء النظارات، كما لا يجب أن تغفل عن تثبيت الغلاف الواقي من الأشعة على بؤر الضوء والشبابيك".

مرض "زيروديرما بيغمنتوزم " مرض سرطاني بالنسبة للمرضى غير المحميين ويتكاثر في الوجه ويشوّهه ويعيش المريض بين 10 و15 سنة ولكن بإمكان من يقي نفسه أن يعيش إلى 70 أو 80 سنة، وعلاماته جفاف البشرة وعدم تحمّل الإضاءة وانتشار البقع البيضاء والبنية، حسب ما أكده الطبيب محمّد الزغل في تصريح سابق لوكالة الأناضول.

رغم تواصل أولياء أطفال القمر مع مجلس نواب الشعب ورئاسة الحكومة والوزارات المعنية فإنه لم يتمّ تعديل القانون المتعلق بالأمراض المزمنة (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

من جهته، قال خالد القربي، والد خلود، لـ"ألترا تونس"، إنه سعى منذ اكتشاف مرض طفليه إلى الحصول على التأمين الصحي اللازم من خلال توفير الثياب الواقية المصنوعة من قماش عازل للأشعة ما فوق البنفسجية، مبينًا أن هذا الثياب تُغسل بالماء البارد وتبقى صالحة ما لم تنظف أكثر من عشرين مرّة.  

وأضاف أنه كان يقتني باستمرار المرهم الواقي الذي يطلى به كامل الوجه والكفّين ويعمل على إحكام وضعه بصفة وافرة على الأنف والجبين والخدين واستعمال الواقي الخاص بالشفتين، كما كان يقتني لأبنائه النظارات ويحرص على استعمال القطرات الموصوفة من طبيب العيون.

لم تقلّ معاناة والدي خلود وخيري عن معاناة ابنيهما ولكن كلهم شوق إلى أن يتخطيا عقبة هذا المرض فكانت رحلتهما نحو توفير كافة الضمانات لتوفير عيش كريم. كان خالد القربي، والد الطفلين، لا ينفك يصف كافة أطفال القمر بأنهم أبناؤه فحدّث "ألترا تونس" عند لقائنا به عن جمعية مساعدة أطفال القمر التي تأسست في 29 أفريل/ نيسان 2008، وهي تعنى بتوفير حاجيات وخصوصيات الحماية لطفل القمر من أدوية ولباس خاص وتسعى إلى إدماج الطفل ضمن محيطه.

كما تحدث خالد القربي بحرقة حول التشريعات التونسية في نظام التغطية الاجتماعية لأطفال القمر والامتيازات التي لا يتمتعون بها رغم جسامة المرض المصابين به. فقد رفضت الصناديق الاجتماعية تغطية المصاريف باعتبار "أن الأمراض الثقيلة أو المزمنة المتكفل بها كليًا من قبل الصندوق الوطني للتأمين على المرض تكون بموجب قرار مشترك بين وزير الشؤون الاجتماعية والتضامن والتونسيين بالخارج ووزير الصحة العمومية المؤرخ في 25 جوان/ حزيران 2007 ". (مراسلة من الصندوق بتاريخ 25 - 01 - 2016).

يطالب والد خلود بتمكين ابنته من اجتياز امتحان الباكالوريا 2019 من المنزل تحت مراقبة نظرًا للضرر الذي قد يلحق ابنته تحت أشعة الشمس

ورغم تواصل أولياء أطفال القمر مع مجلس نواب الشعب ورئاسة الحكومة والوزارات المعنية فإنه لم يتمّ تعديل القانون بتكفل الصناديق ورفع المظلمة التي تتعرض إليه هذه الفئة الهشّة، وقد يمنع بقاء الأمر على حاله من فرص إنقاذ هؤلاء الأطفال عند نفاذ الإمكانيات لاقتناء الأدوية والألبسة والمراهم التي تبلغ كلفة باهظة.

في المقابل، ضمنت ميزانية 2016 أحكامًا خصوصية لهذا المرض تعفي كل المستلزمات الخاصة به من المعاليم والأداءات المستوجبة عند التوريد أو السوق المحلية من قبل جمعيات مساعدة الأطفال المصابين بهذا المرض بما يمكن من اقتناء الألبسة الواقية الضرورية لهؤلاء" ( رد حكومي).

كما أسرّ لنا خالد القربي بأن مطلبه باقتناء سيارة من الخارج معفاة من الأداءات ذات بلور أمامي وجانبي خاص وبالتالي رفع العزلة عنهم بالتنقل من مكان إلى آخر قد قوبل بالرفض عدة مرات رغم تعدد المطالب وهو ما يحول دون إمكانية التنقل بأبنائه من مكان إلى آخر خشية تعرضهم لأشعة الشمس. من جهة أخرى، طالب خالد القربي بتمكين ابنته من اجتياز امتحان الباكالوريا 2019 من المنزل وتحت إشراف وزارة التربية نظرًا للضرر الذي قد يلحق ابنته عند الالتحاق بالمدرسة تحت أشعة الشمس غير أن وزارة التربية قد رفضت المطلب.

يبقى أطفال القمر فئة تحتاج إلى الكثير من الحب والاهتمام ومرضًا يستحق التعريف به وتوضيحه لكافة أبناء المجتمع التونسي كي تزول نظرة الخوف والشفقة التي يجابه بها المصابون به. كما يتعين على الدولة أن تتخذ إجراءات فعلية من شأنها أن تساهم في مساعدة عائلات أطفال القمر لحماية أبنائهم من التعرض لأشعة الشمس وتوفير كلّ ما يستحقونه من أدوية وملابس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حينما ننتصر إرادة التحدي.. قصة شاب يعاني "الديسلكسيا" يجتاز الباكالوريا بنجاح

بائع الورد الصغير.. طفل يبيع الحب ويشتري "الموت"