آخر الطبّ.. موسيقى!

آخر الطبّ.. موسيقى!

العلاج بالموسيقى هو نوع من أنواع العلاج النفسي (Getty)

التواصل مع الآخرين، تقليد شخص ما وحتى اللّعب هي تفاعلات اجتماعية صعبة بالنسبة للأطفال الذين يعانون من اضطرابات طيف التوحد. ولكن، باعتماد الموسيقى، يستخدم المعالجون طريقة ملتوية لتشجيعهم على التواصل والتبادل، وإن يبدو غريبًا أن الموسيقى تعالج مرض التوحّد.

في سنة 2017، شارك مجموعة من الأطفال المصابين بالتوحد في دراسة أشرفت عليها المختصة في العلاج بالموسيقى ورئيسة الجمعية التونسية للعلاج بالموسيقى رحاب الجبالي، وقد خصّت "الترا تونس" بهذه التفسيرات.


ماهو العلاج بالموسيقى؟

العلاج بالموسيقى كما تقول الدكتورة رحاب الجبالي هو نوع من أنواع العلاج النفسي الذي يعتمد على الموسيقى بكل أنواعها ومكوّناتها كاللحن أو التقسيم الموسيقي والآلة، وذلك لأهداف علاجيّة يقوم بها مختصّ في هذا الغرض.

العلاج بالموسيقى هو نوع من أنواع العلاج النفسي الذي يعتمد على الموسيقى بكل أنواعها ومكوّناتها كاللحن أو التقسيم الموسيقي والآلة

هذا النوع من العلاج متعارف عليه في عديد الدول ولكلّ منطقة مقاربتها الخاصّة، ويمكن أن يفيد في أغلبيّة الأمراض سواء كانت نفسيّة أو عضويّة. وعلى سبيل الذكر لا الحصر يمكن اعتماد الموسيقى لمرضى الانفصام، الباركينسون، والزهايمر، والتوحّد، وتقويم الأعضاء، ومشاكل السمع أو البصر وتقويم النطق إلخ.

منذ متى بدأ هذا العلاج في تونس؟

وقع منذ سنوات اعتماد طرق تقليدية للعلاج بالموسيقى في العالم العربي كالرقصات الصوفيّة، و"التخميرة"، و"السطمبالي" أو الديوان، وتمنح هذه الطرق للمريض نوعًا من الراحة النفسيّة التي تساعد في علاجه.

من ثمّ وقع تقنين هذه المسألة وأصبحت تدخل في العلاجات الطبيّة. ويُعتبر الدكتور صدّيق الجدّي هو أوّل من أدخل هذا النمط في إطار طبّي سنة 1977 بمستشفى الرازي، وهو طبيب مختص في الفيزيولوجيا وطب الأعصاب والتحليل النفسي ومن الأوائل الذين ثمّنوا دور الموسيقى والفنون في تخفيف آلام المرضى ومقاومة الضغط النفسي.

اقرأ/ي أيضًا: بحثًا عن لعب لابنه: تونسي يخترع ألعابًا تساعد أطفال التوحد

كيف تساعد الموسيقى مرضى التوحّد؟

الموسيقى وسيط علاجي مهم أثبتته عديد التجارب الإكلينيكية وأهمّها تلك التي قام بها الطبيب النفسي الأمريكي ليو كانر (Leo kanner) منذ سنة 1943 مع أطفال متوحدين والتي أثبتت تفاعلهم الإيجابي مع الموسيقى وانفتاحهم أكثر مع الآخر.

وقد قامت الجمعيّة التونسيّة للعلاج بالموسيقى بنفس التجربة على مجموعة من الأطفال في علاقة بالتواصل اللفظي وغير اللفظي.

وتوضح رئيسة الجمعيّة رحاب الجبالي، متحدثة عن التجربة لـ"ألترا تونس"، بأن الطفل المتوحّد يعاني من نسبة توتّر عالية مما يجعل هرمون "الكورتيزول" مرتفعًا لديه ويعبّر عن ضغطه بالحركات النمطيّة أو الرفرفة وتدخل الموسيقى لتسهيل قنوات التواصل مع هؤلاء الأطفال. كما تخفّض من حدّة هذا التوتّر من خلال إفراز هرمون "السيتوسين" بصفة تلقائية، وهذا الهرمون يعنى بالحماية الاجتماعية التي تجعل المريض يحسّ بالأمان والراحة، وفق تأكيدها.

وعن آليات هذا العلاج، تقول محدثتنا إنّ عمليّة إدراك المتوحّد للصوت والضوء تختلف عن غيره لذلك يتجنّبون التواجد في أماكن فيها اكتظاظ أو ضجيج، وهم حسّاسون تجاه الموسيقى التي تجلب انتباههم وتخلق إطارًا ملائمًا للتواصل معهم لفظيًا وتحسسهم بالراحة الاجتماعية كما تساعدهم على التذكّر والحفظ. وتضيف أن الموسيقى تساعد الطفل المتوحد على القيام بحركات خاصة أثناء تفاعل جسده مع الموسيقى.

تطور ملحوظ في حالة طفل الثماني سنوات

"سعيدة جدّا بالتطّور الذي حصل مع أحمد (اسم مستعار) وأتطلّع لنتائج أفضل في غضون الأشهر القادمة"، هكذا عبّرت الطالبة في اختصاص علم النفس الحركي آمنة السنوني في حديثها لـ"ألترا تونس" عن تجربتها مع أحمد، طفل الثماني سنوات، الذي يعاني اضطراب طيف التوحّد منذ سنّ الثانية.

 أثبتت بعض التجارب نجاعة العلاج بالموسيقى وتأثيره الإيجابي على سلوك الأطفال المتوحدّين من خلال تطوير مهاراتهم التواصليّة

أحمد ولد في ظروف طبيعيّة وعاديّة، إلّا أن انشغال والدته الدائم جعلته سجين التلفاز منذ سنته الأولى ممّا أثّر على نموّه النفسي الحركي. ولم يقتنع والداه باختلافه إلا في سنّ الثالثة حيث بدأ في تلقّي علاجات مختلفة لم تكن كافية لتحسين حالته.

التقت آمنة أحمد في إطار تربّصها بمدرسة خاصّة بالأطفال المختلفين. ورغم اضطرابه الشديد إلّا أنه كان يتفاعل بالإيجاب مع الأصوات الموسيقيّة التي أصبحت جسر تواصل بينهما. وبدأت المرحلة الأولى من العلاج حيث تواصلت مع والديه وأعدّت تقريرها النفسي الحركي الذي قيّمت من خلاله مكتسباته والصعوبات التي يتعرّض لها.

عديدة هي الآلات والأنماط الموسيقيّة المستخدمة في هذا العلاج، إلا أن آمنة السنوسي أصرّت على اعتماد الموسيقى التونسيّة في أبحاثها وتجاربها ولاحظت تطوّرًا في النموّ الحركي لتلميذها وتأمل أن تتحسّن حالته مع انتهاء فترة تربّصها.

بعد أن أثبتت بعض التجارب نجاعة العلاج بالموسيقى وتأثيره الإيجابي على سلوك الأطفال المتوحدّين من خلال تطوير مهاراتهم التواصليّة وتفاعلهم مع ذواتهم ومع الآخرين، وجبت الإشادة بضرورة اعتماده رسميًا في برامج تأهيل المتوحّدين في تونس سواء في المراكز العموميّة أو الخاصّة، علاوة عن ضرورة التعاطي الإيجابي مع هذه الفئة المجتمعيّة من خلال تهيئة الأرضيّة الملائمة لتطبيق آليات هذا العلاج داخل المؤسسات المعنيّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حينما ننتصر إرادة التحدي.. قصة شاب يعاني "الديسلكسيا" يجتاز الباكالوريا بنجاح

ياسمين القرمازي.. عندما تكون التجربة الشخصية حافزًا للاختراع