ultracheck
رأي

الإضراب العام يهدد الوحدة الوطنية أم يكرسها؟!

17 يناير 2019
GettyImages-1079571246.jpg
مثلما تتقاسم التضحيات تتقاسم الثمرات أيضًا (صورة أرشيفية/ ياسين القايدي/ الأناضول)
الأمين البوعزيزي
الأمين البوعزيزيكاتب وباحث من تونس

 

مقال رأي

 

جدل واسع في صفوف التونسيين سياسيين ونقابيين، تبرّم عام في صفوف التونسيين تختلف أسبابه بين مُحمّل المسؤولية للحكومة ومُحمّل إياها لاتحاد نقابات العمال في تونس. حيوية سياسية في مناخات غير معهودة من الليبرالية السياسية غير المتنكرة لطوفان حق التنظم والتعبير والتظاهر والإضراب الذي فرضته ملحمة "سبعطاش ديسمبر/ كانون الأول"، التي أطاحت بالاستبداد ونزعت عنه هالة التقديس. وحريات مرفوقة بليبرالية اقتصادية تستفيد بدورها من مناخ الحريات حد تحويل حياة التونسيين إلى جحيم.

قرابة 700 ألف عامل يضربون دفاعًا عن حقهم في استقرار شروط عيش عصفت بها الليبرالية الاقتصادية المتوحشة التي جرّدت الدولة من كل سلطان اقتصادي

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ الإضرابات العامة في تونس.. من الخميس الأسود إلى إضراب الوظيفة العمومية

كيف لا وقد أصبحت أساسيات عيشهم اليومي تحت رحمة أصحاب المال، و"نقابيين" جدد شرسين جدًا في الدفاع عن مصالح منظوريهم بعدما كانوا شرسين جدًا من مواقع معاداة النقابيين زمن دفع الثمن! في هكذا مناخات تشهد تونس اليوم 17 جانفي/ كانون الثاني إضرابًا عامًا في صفوف عمال القطاع العام والوظيفة العمومية.

قرابة السبع مئة ألف عامل يضربون دفاعًا عن حقهم في استقرار شروط عيش عصفت بها الليبرالية الاقتصادية المتوحشة التي جرّدت الدولة من كل سلطان اقتصادي، يمكّنها من الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية تجاه ضحايا السوق المتعاظمة أعدادهم بعد انهيار الطبقة الوسطى (المضربون اليوم) ومغادرتها مربعات الأمان الاجتماعي، الذي كان يوفره خيار رأسمالية الدولة، والذي تم تفكيكه تدريجيًا بداية من تسعينيات القرن الماضي لصالح رأسمالية العائلات المتصاهرة مع منظومة 7 نوفمبر/ تشرين الثاني التي أطاحت الثورة بقبضتها السياسية المرعبة، لكنها عجزت عن تفكيك سطوتها الاقتصادية التي ازدادت توحشًا مستفيدة بدورها من ارتخاء قبضة التعليمات.

في هكذا مناخات تضطر نقابات الطبقة الوسطى المنهارة إلى اللجوء مرة أخرى إلى الإضراب العام دفاعًا عن مكاسب يرونها تنهار أمام أعينهم بلا رحمة.

إضراب عام بقدر ما كان الذهاب إليه يسيرًا بفضل مناخ الحريات السياسية المفروضة واقعًا والمدسترة تشريعًا، بقدر ما قُوبل بحملة شيطنة وتشويه في مشهد إعلامي يكاد يكون بالكامل في قبضة أصحاب المال الذين استفادوا من مناخ الحريات السياسية ووضعوا أيديهم مطلقًا على منابر الإعلام دفاعًا عن مصالحهم وشيطنة لضحايا خياراتهم الاقتصادية، وحولوا البرلمان إلى منصة تشريعات تفرض توحش السوق واقعًا.

لم يكفّ خبراء الحكومة عن وصم الإضراب العام بـ"تهديد الوحدة الوطنية".. عبارة مستلّة من نفس القاموس البورقيبي والنوفمبري

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة الخبز.. هل حرّكها صراع سياسي داخل أجنحة السلطة؟!

لم يكفهم ذلك كله، فعمدوا إلى تنشيط ذاكرة التونسيين بالتخويف من الإضراب العام الذي نفذه اتحاد نقابات العمال في جانفي/ كانون الثاني 1978 الذي تم وصمه بالخميس الأسود. ولم يكفّ خبراء الحكومة عن وصمه بـ"تهديد الوحدة الوطنية"، عبارة مستلّة من نفس القاموس البورقيبي والنوفمبري الذي تفنّن في التخوين والطعن في ذمة المعارضين لسياسات الاستبداد بالسلطة والثروة.

ائتلاف حاكم لا يملك إلا مطالبة معارضيه الاجتماعيين بـ"الصبر وتقاسم التضحيات في ظرف صعب تمرّ به البلاد منذ ثمان سنوات للخروج من قبضة الاستبداد إلى رحاب الديمقراطية. ورئيس حكومة لم يكفّ عن رفع شعار "مقاومة الفساد" دشنه بغارة على بعض رموزه الوافدين الجدد زمن النوفمبرية دونًا عن أباطرته الذين يمسكون بمفاصل اقتصاد البلاد منذ ما يعرف بقانون عام 1972، الذي تم بموجبه إيكال التنمية إلى القطاع الخاص وربط البلاد بالسوق الرأسمالية الغربية.

يحاجج المضربون اليوم حكومة يوسف الشاهد الليبرالية كون تقاسم التضحيات يتطلب سياسات جبائية عادلة تلجم المتهربين من دفع الضرائب وعدم الاقتصار على اعتصار من لا يملكون إلا معاشاتهم بلا رحمة.

يحاجج المضربون اليوم حكومة الشاهد الليبرالية كون الوحدة الوطنية بوابتها الرئيسة الضرب بيد من حديد على أيدي المهربين الذين دمروا قدرة المنتوج المحلي على الصمود وبالتالي تشغيل جيوش المعطلين عن العمل الذين دفعت بهم الجامعات إلى سوق شغل أغتيلت فيه كل شروط البقاء واستيعاب من يطرقون أبوابه.

يحاجج المضربون اليوم نواب الائتلاف الحاكم كونهم حولوا البرلمان من مهمة تشريع قوانين تلبي انتظارات ناخبيهم المكتوين بنار السوق المتوحش، إلى التخصص في تشريع قوانين تخدم ممولي حملاتهم الانتخابية السابقة والقادمة.

يحاجج المضربون اليوم حكومة الشاهد الليبرالية كونه يطرق الباب الخاطئ في صون الوحدة الوطنية. فالوحدة الوطنية بوابتها ردع المتهربين عن دفع الضرائب وليست بوابتها تهرئة جيوب من أرهقتهم الضرائب.

رئيس حكومة لم يكفّ عن رفع شعار "مقاومة الفساد" دشنه بغارة على بعض رموزه الوافدين الجدد دونًا عن أباطرته الذين يمسكون بمفاصل اقتصاد البلاد

يحاجج المضربون اليوم حكومة الشاهد الليبرالية أن صون الوحدة الوطنية بوابتها الرئيسة مراجعة اتفاقيات الإذلال الوطني في نهب الثروات الوطنية التي لم تتغير بنودها وشروطها منذ الحقبة الاستعمارية حيث عائدات حقول النفط والملح ومناجم الفسفاط تضخ في ميزانية فرنسا عوضًا عن ميزانية الدولة التونسية، عوضًا عن مراجعة مكاسب الشغيلة في تونس.

يحاجج المضربون اليوم ائتلاف حكومة الشاهد الليبرالية كون الوحدة الوطنية بوابتها الرئيسة استرجاع الدولة التونسية لعقاراتها المنهوبة التي وزعت على الأنسباء والحبايب على مدار الزمن النوفمبري، وليس بمفاوضات اجتماعية تقوم على الغش والخديعة. إذ ما معنى "زيادات" وهمية هي عبارة عن خصم ضريبي سيدفعه العمال عند أول زيارة لمقار القباضات المالية حيث يجدونها ديونًا تثقل كاهلهم وتعطلهم عن قضاء شؤونهم.

يحاجج المضربون اليوم ائتلاف حكومة الشاهد الليبرالية أن الإضراب العام الذي دُفعوا إليهم مكرهين دفاعًا عن تكريس الوحدة الوطنية واقعًا على الأرض فمثلما تتقاسم التضحيات، تتقاسم الثمرات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا تعرف عن أحداث الخميس الأسود في تونس؟

هوامش.. على دفتر جدل الثورة

الكلمات المفتاحية

ملعب رادس حسن مراد Getty DeFodi

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ

"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."


احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."


وحدة المدني والأهلي في انتفاضة مدينة قابس البيئية

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!

"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!


لماذا يبحث قيس سعيّد عن "تفويض شعبي"؟

لماذا يبحث قيس سعيّد عن "تفويض شعبي"؟

للمفارقة أنه عندما كان الأنصار يهتفون ويرقصون ويطلقون شعارات المساندة للسلطة، كان تونسيون آخرون يعبّرون عن غضبهم في قابس في خضم أزمة بيئية لازالت تلقي بنتائجها الثقيلة على حياة الناس وصحّتهم

شذى الحاج مبارك تونس أنستالينغو نقابة الصحفيين
سیاسة

منظمات وجمعيات تدعو إلى الإفراج عن شذى الحاج مبارك وأحمد صواب والعياشي الهمامي

أعربت عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية عن بالغ قلقها، يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026، إزاء الوضع الصحي المتدهور للسجينة والصحفية شذى الحاج مبارك، الموقوفة منذ 20 جويلية 2023 على خلفية قضية مرتبطة بالاستعانة بمعلومات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

جدل واسع حول بلاغ وزارة المالية حول تطبيق "المرونة" في الفوترة الإلكترونية
اقتصاد

"اعتماد المرونة في الفوترة الإلكترونية".. تثير جدلًا واسعًا في تونس

أثار بلاغ وزارة المالية الصادر يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026 بشأن تطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 جدلًا واسعًا في الأوساط المهنية والإعلامية وبين المواطنين، بعد أن أعلن فيه أن العمليات الاقتصادية ستخضع للفوترة الإلكترونية ابتداءً من غرة جانفي 2026، مع التعامل بـ"مرونة" في التطبيق لتفادي الاضطراب والإرباك.


موسم الحج معبد الغريبة بلعيد.jpg
سیاسة

إرجاء محاكمة المتهمين في هجوم كنيس الغريبة بجربة إلى أجلٍ غير مسمى

أرجأت السلطات القضائية في تونس، الثلاثاء 13 جانفي 2026، محاكمة المتهمين في الهجوم الذي استهدف كنيس الغريبة في جزيرة جربة خلال موسم الحج اليهودي السنوي في ماي 2023، وذلك إلى أجلٍ غير مسمى، وفق وكالة الأنباء الفرنسية "فرانس براس". وكان الهجوم قد أسفر عن سقوط خمسة قتلى

يوم غضب وإضراب مفتوح في قطاع التربية المختصة مع حمل الشارة الحمراء
مجتمع

يوم غضب وإضراب مفتوح في قطاع التربية المختصة مع حمل الشارة الحمراء

قرر المربّون المختصّون، ارتداء الشارة الحمراء ابتداء من تاريخ الاثنين 12 جانفي 2026 "والانخراط الفعلي في جميع الأشكال النضالية القانونية والمشروعة دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة" وفق نص بيانهم

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تعرّض تلميذة إلى صعقة كهربائية في مدرسة بالقيروان ومطالب بفتح تحقيق


2
سیاسة

الطاهري: تأجيل الإضراب العام لاتحاد الشغل إلى موعد ستُحدّده الهيئة الإدارية


3
سیاسة

ما حقيقة تعرض إطار أمني إلى طلق ناري ليلة رأس السنة؟


4
مجتمع

نقابة الصيدليات لـ"الترا تونس": ديون الكنام تجاه الصيدليات الخاصة تجاوزت 200 مليون دينار


5
سیاسة

قيس سعيّد: من الضروري وضع تصور جديد لكل الصناديق الاجتماعية