الأدب الرعوي وأغاني الرعاة.. سيرة

الأدب الرعوي وأغاني الرعاة.. سيرة "أنبياء" رسالتهم حب الحياة

عزف إيقاعات من الموسيقى الجبلية في معرض تونس الدولي للكتاب

 

تنبعث إيقاعات من التيبت والهيمالايا تخلقها أنامل العازفة الهولاندية "أرينايت فان دان پـول" إذ تداعب أناملها آلة موسيقية تسافر بك بين آهات الرعاة في أعالي الفلاة، وتعاضدها الأنغام التي تنبعث من كمان "غابريال فور" فتخالها أنفاس راع يناجي خرفانه. تحملك الألحان على أجنحة الخيال إلى الجبال حيثما رست، هناك حيث يعانق الرعاة السماء ويفترشون الثرى ليخلقوا من العدم حيوات، أولئك الباقون على سجيتهم رغم عواصف التغيير.

هي موسيقى الرعاة ببساطتها وعمقها، تفتتح جلسة "الأدب الرعوي وأغاني الرعاة ودور الكتاب في إعمار الحياة"، بإدارة الرّاعي عدنان الهلالي، الذي شقّ أخاديد الحلم والأمل بين ثنايا جبل سمّامة، ونحت في أعلى حجارة المكان بحروف صامدة "نحن باقون ما بقيت أهازيج الرعاة". غير بعيد عن مكمن القلب علّق الهلالي شعار عيد الرعاة الذي انتظم في المركز الثقافي للفنون والحرف بجبل سمّامة قبل أيام، وبخطوات عفوية رقص الرّاعي على إيقاع موسيقى الرعاة الذين ارتسمت ملامحهم الآسرة على "القشّابية" التي يرتديها.

وفي قاعة الطاهر الحدّاد حيث انعقدت الجلسة المبرمجة في إطار البرنامج الثقافي للدورة الخامسة والثلاثين لمعرض تونس الدولي للكتاب بالشراكة مع المركز الثقافي للفنون والحرف بجبل سمّامة، سكنت الإيقاعات ولم يخب صوت الرعاة المنبعث من بين حروف المتدخلين الذين احتفوا بالفلاة والرعاة في تونس والجزائر وفلسطين وسويسرا. وحفر الحاضرون في ذاكرة الأدب الجبلي في البلدان السابق ذكرها متحسّسين أثر الكتابة في الجبال البعيدة كعرش الله، تلك الجبال التي حفظت حجارتها أسرار الرعاة وحكاياتهم وضحكاتهم ودموعهم وعرقهم، تلك الجبال العذراء التي لا ترتسم فيها ملامح المدينة ولا الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: فن الأدبة أو الشعر الملحون التونسي.. ذاكرة شعب للاضمحلال

لا حدود للحلم..

انطلقت الجلسة الحوارية من تجربة المركز الثقافي للفنون والحرف بسمّامة، وهي التجربة الأولى من نوعها في تونس، تجربة ليست إلا حلمًا لعرّاب المركز الجبلي عدنان الهلالي الذي كان يودّ أن يكون الفضاء في قلب الجبل ولكن جرت رياح الأوضاع بما لا تشتهيه نفسه. وصار الفضاء الجبلي، وإن لم يكن في عمق الجبل، حقيقة ينشدها فنّانون من مختلف أصقاع العالم، فضاء يحضن أهازيج الرعاة وشكواهم، وبعد أن غنّت جبال العالم في سمّامة، امتدت موسيقى الرعاة إلى معرض تونس الدولي للكتاب، هكذا تحدّث الراعي عدنان الهلالي.

لم يخف الهلالي أنّ تعميم الثقافة في الجبال أمر صعب في تونس، ولكنّه أكد على عدم تخلّيه عن سلاح المحاولة والسعي لأن تصبح الجبال مزارًا عامرة بالمعزوفات والأغاني والكتب

ولم يخف الهلالي أنّ تعميم الثقافة في الجبال أمر صعب في تونس، ولكنّه أكد، في المقابل، على عدم تخلّيه عن سلاح المحاولة والسعي لأن تصبح الجبال مزارًا عامرة بالمعزوفات والأغاني والكتب، مشيرًا إلى الكاتب الفرنسي جزائري الأصول بيار الرابحي الذي كتب عن الأدب في الفلاة.

ويقول الهلالي إنّه من المهم أن يخصّص معرض تونس الدولي للكتاب مدخلًا للحديث عن العمق التونسي والعمق العربي والدولي والجبال والهضاب وأدب الرعاة لإعمار الفلاة. ويضيف "هذه الجلسة نافذة تطل على جبال الشعانبي وسمامة ومغيلة وورغة وخمير هذه الحدائق الغناء التي لن تكون مناطق حمراء ومناطق ممنوعة كما أرادها الإرهابيون وستبقى فضاءات للاحتفال بالحياة والغناء والإنشاد، وهي رسالة مفادها أنّ الرعاة متشبثون بأرضهم وبهضابهم رغم الداء والأعداء".

الراعي عدنان الهلالي متحدثًا عن الأدب الرعوي في تونس

اقرأ/ي أيضًا: "التهيليم".. سجع رعاة الإبل في الصحراء التونسية

ولأن الحلم لا حدود له، لن يعانق جبل سمامة المعزوفات والأغاني فقط وإنّما سيحضن الأوراق، إذ ينكب الهلالي على تأسيس دار نشر في جبل سمّامة للتشجيع على الكتابة خاصة وأن التراث الشفوي على غزارته غير مدوّن.

وفي هذا الخصوص، يقول الهلالي إن هذا المشروع هو المرحلة الثانية من المشروع الثقافي بجبل سمامة، مضيفًا "ستكون منشورات سمامة حاضرة في معرض تونس الدولي في دورته القادمة وهذا ما نشتغل عليه الآن ذلك أنّ المواهب موجودة في هذه الربوع والأصوات هدارة وما يُنشر قليل ونادر جدّا وهذه النصوص الشفوية تستحق مكانا ضمن ما ينشر في بلادنا".

الجبل كمجال إبداعي

ومن جبل سمّامة حيث تعبق رائحة الإكليل، تأخذ الكاتبة الفلسطينية ثورة حوامدة الحضور إلى قريتها الصغيرة في فلسطين حيث تأخذ العلاقة بين الراعي والخرفان بعدًا عميقًا.

وفي مداخلة بعنوان "المجال الجبلي والعلاقة بين الرّاعي والحيوان"، تعود حوامدة بذاكرتها إلى سنوات الطفولة حينما كانت تردّد رفقة أترابها أهازيج الرعاة قبل أن تفهم اليوم معناها، وتتحدّث عن انعكاس ما عايشته في قريتها الصغيرة من عمق العلاقة الثلاثية بين المجال الجبلي والراعي والحيوان، وتعني بالحيوان الخرفان من ناحية والكلب الذي يؤنس الراعي من ناحية أخرى.

تأخذ الكاتبة الفلسطينية ثورة حوامدة الحضور إلى قريتها الصغيرة في فلسطين حيث تأخذ العلاقة بين الراعي والخرفان بعدًا عميقًا

وتشير إلى أنّ الجبل مجال إبداعي تنبع منه أغان وقصص إذا ما توفرت القريحة والإحساس بمكوناته، مبرزة أن العمل الابداعي الذي تقدمه أي المنجز الأدبي هو حصيلة المشاهدات في قريتها الصغيرة من حوارات بين الرعاة والأغنام والكلاب ومن طقوس جز الصوف.

"يا غنماتي يا غنماتي.. ماء ماء (صوت الثغاء).. شو اسقيكم .. ماء ماء ( صوت الثغاء)"، تستحضر ثورة حوامدة إحدى الأهازيج التي يردّدها الرعاة ومن خلفهم الأطفال، مشيرة إلى أن الخرفان تفهم الطقوس اليومية للرعاة والتي تترجم بعضها إلى أهازيج وتفاعل معها.

وتلفت حوامدة إلى أنّ الرعاة في قريتها الصغيرة يعزفون الموسيقى على آلة "الشبابة" أي الناي دون أن يتلقّوا أية دروس واصفة موسيقاهم بأنها صادقة وعفوية، وفق تعبيرها.

الأدب طريق إلى الجبل

المستشارة بسفارة سويسرا في تونس جاني بياجاي سافرت بالحضور إلى جبال الألب السويسرية الخلابة، في مداخلة بعنوان "دور الأدب في إدراك الجبل في سويسرا"، مشيرة إلى دور رواية "هايدي" التي تحوّلت إلى مسلسل رسوم متحرّكة في تغيير التمثّلات عن الجبل.

وتلاحظ بياجاي أنّ إدراك الجبل يتطلّب تفكيرًا لارتباطه في المخيال الجمعي بالخوف والمخاطر وصعوبة العيش، معتبرة أنّ رواية "هايدي" قدّمت رؤية مثالية للعيش في الجبل في سويسرا.

اقرأ/ي أيضًا: كيف بات يفهم التونسيون كلمة "جبل" في السنوات الأخيرة؟

وتضيف أن الكاتب جون جاك روسو من الكتاب الذين تحدّثوا عن الجبل دون وصفه بالمكان الخطر بل تحدّث عن جمال المناظر الطبيعية وعن المغامرات فيه، لافتة إلى مساهمة الثورة الصناعية أيضًا في استكشاف الجبل.

وعن دور الأدب في الوعي بأهمية العيش في الجبل، تقول بياجاي "في نهاية القرن التاسع عشر رواية هايدي جعلتنا نرتدي جبّة الراعي رغم أنه ليس من السهل أن تكون راعيًا في ذلك الوقت"، مشيرة إلى أنّ الراعي التحم مع الكاتب في كتابات جون بيار روشار واتخذت صورة الجبل بعدًا آخر جعله ملاذًا لكل السويسريين.

الرعاة وأصالة الثقافة والفن

ومن جبال الألب الساحرة حيث يسكن الحب والأمل والحلم بين ثنايا الخضرة الفاقعة، تحط الكلمات رحالها بجبال الأوراس، إذ تحدّث الكاتب والإعلامي الجزائري توفيق العوني عن دور الأدب الرعوي وأغاني الرعاة في إعادة الاعتبار إلى فئة واسعة أسهمت في التراكم الثقافي والفنّي والفكري في إشارة إلى الرعاة.

ويلفت العوني إلى أنّ الموسيقى ارتبطت بالبادية والريف وأنّ أولى الأشعار كتبها راع، داعيًا إلى ضرورة وقف الاضطهاد الذي يتعرّض إليه الراعي والبدوي الذي ينعت بالمتخلّف و"السارح".

 تحدّث الكاتب والإعلامي الجزائري توفيق العوني عن دور الأدب الرعوي وأغاني الرعاة في إعادة الاعتبار إلى فئة واسعة أسهمت في التراكم الثقافي والفنّي والفكري

"ابني العزيز الذي بكبته ذهب ولم يعد  يظهر له أثر .. جدي صغير لطالما انتظرته.. الولد الوحيد الذي أملك.. بكل قوة بكيت وبكيت.. ذهب ولم يعد غاب وتوارى عن الأنظار ذهب ليرعى وحده .. أتت الغيوم وغطت الجبال فلم أعد أرى الجبال ولم أعد أرى أبني .."، يستحضر العوني أغنية عن الرعي في الجبل، وهي أغنية أمازيغية تترجم خوف أم على ابنها الذي غادر للرعي في الثلج والضباب، مؤكّدًا على ضرورة الاستثمار في التراث الشعبي بالخصوص أغاني الرعاة.

ويرتبط الرعي بالأنباء في المخيال الديني وهو ما لاحظه أحد المتدخّلين في الجلسة. بالنهاية، وإن كان الرعاة في نظر البعض متخلّفين عن ركب "التطور"، فهم يظلون غرباء كصالح في قوم ثمود وأنبياء رسالتهم حب الحياة، فهم أولئك الذين يحوّلون الحزن والألم إلى أغان ويعشقون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سكان "الهراهرة" في القصرين.. تونسيون مع وقف التنفيذ!

بسبب الإرهاب.. سكان الحدود يهجرون مهنًا جبلية