ultracheck
رأي

أزمة تونس.. أجراس اللاعودة

21 يوليو 2020
83104591_2933785510012820_5833034353583587328_o_0.jpg
أجراس تصمّ الآذان لطريق لا عودة منه
وليد حدوق
وليد حدوق باحث من تونس

 

مقال رأي

 

قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسيّة الماضية وبتاريخ 22 أوت/ أغسطس الماضي كان كاتب هذه الأسطر قد طرح أسئلة عن مآلات الحكم بعد الانتخابات. ولم تكن تلك الأسئلة التي حملت عنوان "الانتخابات التونسية ... مدخل للاستقرار أم للعجز عن الحكم"  قد احتسبت أو أخذت بعين الاعتبار أزمة عالمية من جنس الكورونا أو بحجمها.

لقد كان واضحًا إلى حدّ كبير أنّ تشتّت الأحزاب وتفكّكها، وتعثّر النّظام الانتخابي وتهافته، وهشاشة الاقتصاد وانحداره ستؤدّي كلّها إلى ظرف صعب مستصعب. وبمفعول الكورونا صار الصعب هاوية أو حافّتها.

تبدو استقالة رئيس الحكومة أو الجدل حول سحب الثقة من رئيس البرلمان أشبه بأجراس تصمّ الآذان لطريق لا عودة منها

وتبدو استقالة رئيس الحكومة أو الجدل حول سحب الثقة من رئيس البرلمان أشبه بأجراس تصمّ الآذان لطريق لا عودة منها: تلك الطريق التي تبدأ بموت السياسة وانتهاء كلّ مقوّمات الثقة في الأحزاب والانتخاب والمُنتخبين، وقد تمرّ بحكومات ضعيفة دون سند سياسي لا قرار لها ولا لون ولا رائحة، ولا ريب أنّ في تلك الطّريق من مطبّات الانفجار الاجتماعي وربما الأمني ما لا يعلمه إلا الله، ولا ريب أنّ مآلها الوحيد الممكن هي المقصلة. مقصلة العشرية الديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا: سعيّد والنهضة.. علاقة متوترة ليست في مصلحة أحد

تتحمّل حركة النهضة المسؤولية التاريخية في سلوك هذه الطريق ومآلاتها الكارثية شاءت أم أبت. لا نقول ذلك لكونها جنحت لتوجه على حساب آخر أو لأنّها اتخذت هذا الموقف أو ذاك من رئيس حكومة أو ائتلاف أو سياسة. وإنّما تتحمّلها لكونها المؤسّسة الحزبية الوحيدة في البلاد، وهي شاءت أم أبت وشاء غيرها أم أبى العمود الفقري للسياسة في البلاد وبقيّة الأحزاب تجارب قيد التأسيس قد تنمو وتنجح وقد تنمو وتفشل، لكنّها تبقى أحزابًا نامية.

وعلى نفس النّحو، سيكون الاتّحاد العام التونسي للشغل مسؤولًا عن طريق اللاعودة وإن لم تُضره مآلاتها الكارثية على المدى القصير والمتوسط. شاء الاتحاد أو أبى وشاء غيره ذلك أو أبى. فالاتّحاد هو العمود الفقري لحضور الدّولة في المجتمع وهو الأساس في سياسة اقتصادية واجتماعية قائمة لا أفق لها ولا فطنة.

وفي اللّحظة الراهنة يحقّ لنا أن نتساءل: ما الجدوى من وجود حركة النهضة من منظور أبنائها ومؤسسيها ومناضليها أولاً؟ هل أنّ الحركة محكومة بأن يكون دورها كالأصنام الضخمة التي لا تضرّ ولا تنفع؟ أ تراها تحتلّ مكانًا يُضيّق على غيرها سعة الفضاء فيضجر الناس منه دون أن يكون لكلفة وجودها وحجمها أيّ نفع وتجهد هي في ألاّ يكون منه ضرر؟

تتحمّل حركة النهضة المسؤولية التاريخية في سلوك هذه الطريق ومآلاتها الكارثية شاءت أم أبت لكونها المؤسّسة الحزبية الوحيدة في البلاد، وهي أيضًأ العمود الفقري للسياسة في البلاد

وليس الحكم على حركة النّهضة بمثل هذه الحدّة من ضرب المغالبة الحزبية والأيديولوجية وإنّما هو نتاج لدورها الذي لم نختره ولم تختره وإنّما أراده لها الشّعب التونسي وظروف التّاريخ، فهي الحزب الأكبر في ديمقراطية ومسار سياسيّ عموده الفقريّ البرلمان والأحزاب الممثّلة له.

وإنّما هوان المسار السياسي التونسي من هوان هذا الحزب الأكبر الذي خلع رداء الإسلام السياسيّ وتبرّأ نسبيًا أو كليًا من الأسس الفكريّة لحركة الإخوان المسلمين ليعتصم بخيط رفيع عنوانه الإسلام الديمقراطيّ في مجتمع مسلم العقيدة للغالبيّة والحضارة للجميع وفي دولة اعتمدت الديمقراطيّة أداة لتسيير شؤونها. فهل يكون المشروع السياسيّ تأكيدًا للمؤكّد وإلحاحًا على المعلوم بالضّرورة؟ فذلك إذًا انعدام المشروع والفراغ في حزب يعني الفراغ فيه فراغ الديمقراطيّة البرلمانيّة كلّها؟

ولقد أعطى الشّعب التونسيّ لحركة النهضة فرصة وفرصتين وثلاث لتضطلع بدورها كاملاً غير منقوص، لا مناكفة واستفزازًا ومناورة وإن كان من كلّ ذلك بدّ، وإنّما توضيحًا لرؤية وعملًا بها بما يتيح لبناء تناقض موضوع متين حول المشروع ومستقبل البلاد لا تكفيرًا أو تخوينًا باسم الوطنيّة والثوريّة والإسلام والدولة العصريّة.

لقد أعطى الشّعب التونسيّ لحركة النهضة فرصة وفرصتين وثلاث لتضطلع بدورها كاملاً غير منقوص

وذلك المشروع المأمول في أزمة عالميّة كبرى هو الذي لا مكان له في سياسة تونس، في حزب النهضة وأحزاب من خالفها خلافًا وجوديًا باسم الوطنيّة أو ثوريًا باسم البراءة من شرك المناورة والتوافق. وذلك المشروع المأمول الغائب هو نفسه علامة الخطر في طريق نسلكها ونحن نقرع أجراس اللاعودة.

إنّها طريق داخل تونسيّ لن يجد شبابه في أرياف القيروان والقصرين وسيدي بوزيد بعض ما كان يجمّعه في مراكز السّياحة الكبرى، وهي طريق جنوب تونسيّ لن يجد شبابه في أبناء العمومة المقيمين في أوروبا المنهوكة ملاذًا ماليًا ولن يجد في ليبيا الجارة مسلكًا للتجارة والبيع والشراء.

إنّها طريق محفوفة بتربّص المتربّصين وقطّاع الطّرق، شأن من كانوا يقطعون طريق الحجّ على أجدادنا في اتّجاه حواضر ليبيا ومصر والشّام والحجاز، وحدها أدوات قطع الطّريق تغيّرت. لا شيء سيثني أحدهم من الاستثمار في أجراس اللاعودة.. لكنّ تونس محروسة بإذن الله وبلطفه. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (1)

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (2)

 

الكلمات المفتاحية

الدولة والمعطّلون عن العمل في تونس.. ظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضةً

الدولة والمعطّلون عن العمل في تونس.. "ظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضةً"

انزاح مطلب المعطلين عن العمل، بعد فض اعتصامهم بالقوّة الصلبة، مطلع شهر سبتمبر 2026، من تأمين حق العمل الكريم إلى مطلب ضمان الدولة حرياتهم العامة والفردية وهي حريات تقتضي ضمان الحق في التظاهر والاحتجاج والاعتصام السلمي.


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

مسيرة 17 أكتوبر.. الرهان على العمق الاجتماعي في تونس

تمثّل مسيرة السابع عشر من أكتوبر 2026 محطةً مهمة في مسار تحشيد القوى المعارضة، حزبيةً كانت أم مدنيةً. تقودها تنسيقية منظمات يتصدّرها اتحاد الشغل، وقد أعلنت ثمانية أحزاب ديمقراطية اجتماعية دعمها لها


حرية التعبير حرية الصحافة المرسوم 54.jpg

10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام

"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"


المرسوم 54 الشاذلي بن إبراهيم  Getty NurPhoto

المرسوم 54 ليس أصل الدّاء

بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد

طقس ضباب غيتي.jpg
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف مع ضباب محلي

معهد الرصد الجوي: ضباب محلي بأقصى الشمال في الصباح ثم سحب عابرة إلى طقس مغيم جزئيًا على كامل البلاد.

طقس
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة على كامل البلاد واستقرار في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى ستتراوح عامة بين 24 و29 درجة


تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة
مجتمع

تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة

يأتي إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء في تونس هذا العام، وسط مناخ سياسي واقتصادي دقيق، يتزامن مع تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بالحسم في ملف الموقوفين السياسيين والمحاكمات الجارية.

الذباب الأسود في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟
مجتمع

"الذباب الأسود" في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟

المنظمات المحلية والبيئية بمنزل بوزلفة، رفعت صوتها اعتراضًا على إقامة مشروع تربية الذباب الأسود وسط التجمعات السكانية، لما قد يشكله من مخاطر على صحة السكان، فضلًا عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقول الزراعية المحيطة به، بحسب ما أكده البعض منهم في تصريحات لـ"الترا تونس".

الأكثر قراءة

1
منوعات

الترجي والسويحلي الليبي.. تعرّف على طاقم تحكيم المباراة والقنوات الناقلة


2
مجتمع

قرار منع مغادرة المعاهد في تونس.. نقاش الأنشطة والبنية التحتية


3
مجتمع

جنوح ومحاولات تعويم وإجلاء للركّاب.. ماذا حدث في رحلة لود قرقنة الأخيرة؟


4
مجتمع

وفاة صانع المحتوى يسري الرمضاني وسط جدل حول ملابسات احتجازه وظروفه الصحية


5
اقتصاد

تونس تعتزم إصدار أول صكوك سيادية لها بقيمة 3 مليارات دولار لتوفير التمويل