في تونس.. هل اغتالوا محمد الزواري مرتين؟

في تونس.. هل اغتالوا محمد الزواري مرتين؟

4146 مشاهدة
فلسطينيون يحتفون بمنجز المقاومة الذي أسهم فيه الزواري (Getty)

كانت الصورة حول اغتيال مهندس الطيران التونسي محمد الزواري قاتمة في تونس مساء الحادثة، الخميس 15 من كانون الأول/ديسمبر الجاري. التعاطي مع جريمة الاغتيال حينها اتخذ صورتين: إما بالاستنكار الحذر وطرح التساؤلات أو بنفي صفة الاغتيال واعتبار الأمر جريمة حق عام أو عملية قتل عادية في إطار تصفية حسابات، وهو التوجه الغريب في ظل قلة المعطيات حينها.

حاول البعض في تونس تشويه محمد الزواري بربط اغتياله بتجارة السلاح غير القانونية أو تسفير المقاتلين إلى سوريا

الصورة الثانية للحادثة، أنطلق في الترويج لها إعلاميًا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في تونس بالتزامن مع تبين ارتباط الزواري بحركة النهضة الإسلامية في تونس. انخرط إعلاميون ونشطاء في توزيع الاتهامات سويعات قليلة بعد الإعلان عن خبر اغتيال الرجل بأكثر من 20 رصاصة أمام منزله في مسقط رأسه مدينة صفاقس بالجنوب التونسي.

اقرأ/ي أيضًا: القسام: الزواري أشرف على مشروع طائرات الأبابيل

أشهر التصريحات في هذا السياق كانت للإعلامي التونسي بقناة "الحوار التونسي" محمد بوغلاب، الذي استنكر، الجمعة 16 كانون الأول/ديسمبر، وصف عملية قتل الزواري بـ"الاغتيال"، موضحًا أن لا مصدر رسمي حكومي يؤكد فرضية الاغتيال وأن البعض يحاول توظيف الحادثة من خلال الترويج لكونها اغتيال تقف خلفه عناصر مشبوهة.

في الواقع، إصابة الزواري بأكثر من 20 رصاصة في محاولة للإجهاز عليه دون أي إمكانية نجاة، إضافة إلى تتالي الأخبار من مقربين منه عن علاقته بالمقاومة الفلسطينية وخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس وذراعها العسكري كتائب القسام وعن إسهامه في بلورة صواريخ وطائرات دون طيار، جعل معظم التحليلات تتجه نحو فرضية تصفيته ببصمات مخابراتية وخاصة الموساد الإسرائيلي.

لكن ما كان فرضية قائمة حينها وغير مؤكدة لم ترق للبعض في تونس. ولم يكتفوا حتى بالاستناد لرواية الداخلية التونسية التي دعت إلى ضرورة انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات مع المشتبه فيهم، فتوجهوا إلى ترويج إشاعات تشوه الزواري أساسًا.  

أشهر ما وجه إليه كان اعتباره من تجار السلاح وبالتالي اعتبار اغتياله على علاقة بتجارة غير قانونية للسلاح. في هذا السياق، تقول الصحافية التونسية شهرزاد عكاشة، على صفحتها الرسمية بموقع "فيسبوك" ، يوم الجمعة 16 كانون الأول/ديسمبر الجاري: "للعلم فقط الزواري كان مديرًا تجارياً لشركة نشاطها بيع السلاح ووقع تصنيفه بالخطير منذ أيام واتُّخذ في حقه إجراء حدودي"، وهو ما نشرته أيضًا في موقع إلكتروني تحت إدارتها.

في ذات السياق، دونت الأستاذة بمعهد الصحافة التونسي سلوى الشرفي على "فيسبوك"، في إحالة إلى ما حدث للزواري: "ذاك مصير تجار السلاح خاصة إذا خانهم عرفهم وتلهوثوا على آخر قسط من الدفوعات (إذا تنكر لهم سيدهم ولم يدفع لهم).. أما مسألة العبقرية المزعومة فهذا رابط يوضح كيف تصنع طائرة دون طيار، المسألة في متناول مراهق موهوب ومغرم".

وروج آخرون إلى فكرة تصفيته من قبل مقربين منه لكي لا يكشف "شبكات تسفير المقاتلين إلى سوريا"، خاصة مع حديث متصاعد عن استقراره قبل الثورة التونسية في سوريا وعلاقاته هناك وزواجه من سورية. هكذا ودون أي إثبات، تعددت التهم للرجل خلال سويعات قليلة من اغتياله ووصلت حدًا من الإساءة له وتعددت محاولات توظيف قربه من حركة النهضة وتوجه الإسلامي.

في الأثناء، التزمت الرئاسات الثلاث الصمت وكان هذا حال معظم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والأحزاب التونسية ما عدا بيان سريع من المكتب التنفيذي لحركة النهضة، المشاركة في حكومة الشاهد الحالية، والذي جاء فيه تأكيد لمعطى الاغتيال مع التوضيح: "في انتظار توفّر كل المعطيات حول دواعي هذا الاغتيال والجهة التي تقف وراءه، يعبّر المكتب التنفيذي عن تنديده الشديد بهذه العملية التي سلبت حق الحياة من مواطن تونسي والتي تهدّد أمن التونسيين واستقرار تونس، كما يدعو المصالح الأمنية للكشف عن ملابسات العملية وعن الجناة والجهة التي تقف وراءهم".

حتى المنظمات والجمعيات الحقوقية التونسية التزمت في معظمها الصمت، على عكس سلوكها في حوادث اغتيال سابقة لفاعلين من تيارات فكرية مغايرة، ومن البيانات القليلة التي صدرت يوم 16 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري كانت عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الذي أدان "حادثة القتل البشعة"، كما أطلق عليها، داعيًا "السلطات التونسية إلى العمل الجاد على تقديم المتسببين في هذه الجريمة والجرائم التي سبقتها للعدالة، واطلاع المؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني على نتائج التحقيق، بما يضمن تحقيق الردع للمجرمين واستقرار السلم المجتمعي".

خلال يوم السبت 17 من كانون الأول/ ديسمبر، وبينما تحقق السلطات التونسية في اغتيال محمد الزواري، تعلن كتائب القسام في بيان لها أن مهندس الطيران التونسي كان عضوًا فيها وأنه كان أحد رواد تطوير طائرات أبابيل دون طيار، وتتهم مباشرة الكيان الصهيوني باغتياله. توقع الكثيرون حينها أن يتغير تعاطي البعض مع الحادثة خاصة من أنصار المقاومة الفلسطينية ومن يدعم بشار الأسد في سوريا إلى اليوم، بتعلة مساهمته في النضال ضد المحتل الإسرائيلي، إلا أن الصورة لم تتغير كثيرًا وتعددت أوجه الشتيمة والإشاعات الموجهة للمهندس المغتال.

المخرجة السينمائية والناشطة السياسية إيناس بن عثمان، وعلى حسابها في موقع "فيسبوك" استهزأت من اعتبار حماس رمزًا للمقاومة، ساندها في هذا التوجه كثيرون من من رأوا أن نفس الذين اعتبروا حماس طرفًا في المقاومة الفلسطينية هم اللذين "دمروا جبهة الممانعة وسوريا الأسد وهم من رفض إدراج تجريم التطبيع في الدستور التونسي". وتطور التشويه العمد إلى اعتبار الزواري إرهابيًا، يساعد على القيام بتفجيرات وربطه بتنظيم "داعش".

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. جدل تجريم التطبيع يتجدد

بيان القسام.. المنعرج

لا يمكن نفي أن بيان القسام مثل منعرجا في تشكل الصورة عن اغتيال محمد الزواري فقد سارعت إثره عديد الأحزاب إلى المطالبة بجنازة وطنية

في المقابل، لا يمكن نفي أن بيان القسام مثل منعرجًا في تشكل الصورة عن اغتيال الزواري في تونس. أصدر عدد من الأحزاب السياسية، المعروفة أساسًا بمساندتها التوجه الثوري، بيانات متتالية نددت جميعها بجريمة الاغتيال واعتبرتها "اختراقًا لأمن البلاد وتواصلاً لعدوان الكيان الصهيوني على سيادتها" وداعين الحكومة إلى "موقف واضح وقوي من الجريمة واتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية الكفيلة بجلب المشاركين في الجريمة ومحاكمتهم وإلى إقامة جنازة شعبية وطنية بمدينة صفاقس لتأبين الشهيد وإكرامه"، كما ورد في بيان حزب حراك تونس الإرادة للرئيس السابق المنصف المرزوقي.

يذكر أن جنازة الزواري مرت دون أي حضور رسمي أو شعبي، بشكل مصغر ومستعجل في مدينته وفي غياب لتغطية إعلامية محلية تقريبًا. ولذلك تعددت المطالب بـ"تنظيم جنازة وطنية رمزية بصفاقس مسقط رأس الزواري إجلالًا وإكبارًا للشهيد القائد"، كما ورد في بيان حزب البناء الوطني، الممضى من أمينه العام رياض الشعيبي.

وفي بيان لحزب التيار الديمقراطي، وقعه أمينه العام غازي الشواشي، جاء أن "تلقى التيار الديمقراطي بكل اعتزاز خبر استشهاد المهندس البطل محمد الزواري. وإذ يفتخر الحزب وسائر التونسيين باستشهاد محمد الزواري في سبيل قضية عادلة فإنه يطالب الحكومة بالتحقيق بجدية في من يقف وراء الاغتيال من أعداء خارجيين وأعوان داخليين محتملين. كما يذكر أن استشهاد الزواري إنما يؤكد وحدة المصير الفلسطيني التونسي ويجدد دعمه لصراع الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير أرضه من الاحتلال الصهيوني العنصري".

أما الحزب الجمهوري فقد دعا "السلطات التونسية إلى تمزيق جدار الصمت والكشف عن كل المعلومات التي بحوزتها وتتبع الجهات التي يثبت تورطها في العملية محلية كانت أو دولية"، في بيان للحزب حمل توقيع الناطق الرسمي عصام الشابي. ودعا ذات الحزب الشعب التونسي للتظاهر يوم الثلاثاء القادم في العاصمة التونسية ورفع الرايات التونسية والفلسطينية "انتصارًا للمقاومة في وجه الاحتلال الصهيوني".

وإلى حد كتابة هذه الأسطر، لم تصدر الرئاسات الثلاث في تونس أي موقف رسمي من حادثة الاغتيال، التي وقعت على أراضيها ولأحد أبنائها، ومع تجلي شهادات مختلفة تؤكد فرضية تورط جهات استخباراتية أجنبية في ذلك.

وباعتبار الصمت موقفًا في حد ذاته، استنكره البعض من السياسيين والفاعلين في المشهد التونسي واعتبروا أنه يرتقي إلى التواطئ والتستر، وهو ما مهد ظهور روايات مختلفة منها ما ذكره النائب بالمجلس التأسيسي التونسي سمير بن عمر عن امكانية تورط محمد دحلان في الموضوع، مدونًا على صفحته الخاصة في "فيسبوك": "بعد أيام من لقاء محسن مرزوق وسليم الرياحي مع المجرم محمد دحلان، المطلوب من طرف العدالة الفلسطينية والمتهم باغتيال الشهيد ياسر عرفات، يتم اغتيال الشهيد محمد الزواري بمدينة صفاقس، مسقط رأس محسن مرزوق.. على حاكم التحقيق استدعاء محسن مرزوق وسليم الرياحي لاستنطاقهم حول ظروف وملابسات لقائهم مع مجرم دولي وعميل للموساد على أرض دولة أجنبية!".

اقرأ/ي أيضًا: 

المؤشر العربي.. العرب والقضية الفلسطينية

أقوى العلاقات التجارية العربية مع إسرائيل