مرضى البهاق بين الوصم الاجتماعي وتقبل الذات

مرضى البهاق بين الوصم الاجتماعي وتقبل الذات

المعاناة اليومية لمرضى البهاق في مواجهة المجتمع (صورة توضيحية/ إيزابيلا دياس/ Getty)

 

 

هل جربت أن تنعزل عن العالم لمجرّد إحراجك من شكلك؟ أو أن تتخفى بلباس، لترى العالم من وراء حجب تُجنّبك نظرات من حولك؟ وهل جرّبت أن تمل من أسئلة تتكرر، ما السبب؟ هل في عائلتك من عانى نفس المشكل؟ هل تشعر بألم عندما يتغيّر لون بشرتك؟ وغيرها من الأسئلة المحرجة التي قد تؤلم فعلًا دون شعور الآخر. لأننا نكبر في مجتمع يحدد معايير الجمال التقليدية، التي تتلخص في بياض وصفاء الوجه، وخلوّه من أي ندب أو بذور أو أي خدش لا ذنب لنا فيه.

تقول فاطمة: "أصبت بمرض البهاق منذ كنت في الثانية عشر من عمري. وبسبب تغير لون بشرتي، كان أصدقائي يتفادون الاقتراب مني أو ملامستي وأشيائي. ناهيك عن نظرة الناس في الشارع. كنت أشعر بالخجل. تركت مقاعد الدراسة بالرغم من تفوقي. لم أكن أخرج كثيرًا مع العائلة لتفادي نظرات الناس في الشارع. وحتى اليوم رغم نُضجي إلا أنني مازلت أنزعج من نظرات الناس، فضلًا عن نظرات الشفقة التي أراها في عيون البعض، دون أن أنسى دائما نظرات الجزع والخوف من ملامستي مخافة الإصابة بالعدوى".

البهاق خلل في إنتاج لون البشرة

يعتبر البهاق أحد الأمراض الجلدية المنتشرة في العالم، ويتمثل في ظهور بقع يفقد فيها الجلد لونه الطبيعي. وعادة ما يتوسع حجم هذه البقع فاقدة اللون مع الوقت. وقد تصيب هذه الحالة أي جزء من جسم الإنسان. وقد تظهر البقع في مكان محدد من الجسد، كما قد تكون شاملة لكل الجسم. ويمكن أيضًا أن تصيب الشعر وداخل الفم.

ويحدد الميلانين لون الشعر والجلد. ويحدث البهاق عندما تموت الخلايا التي تنتج الميلانين أو تتوقف عن أداء وظيفتها. كما قد يصيب البهاق الأشخاص بمختلف أنواع بشراتهم وأعمارهم، لكنه قد يكون أكثر وضوحًا في الأشخاص ذوي البشرة الداكنة. ورغم أنّه مرض لا يهدد حياة المصاب ولا ينتشر بالعدوى، إلا أنّه يصب البعض بالجزع.

البهاق هو مرض جلدي يتمثل في ظهور بقع يفقد فيها الجلد لونه الطبيعي. وعادة ما يتوسع حجم هذه البقع مع الوقت. وقد تصيب هذه الحالة أي جزء من جسم الإنسان. وقد تظهر البقع في مكان محدد من الجسد، كما قد تكون شاملة لكل الجسم

وتغيّر وتزايد التباين اللوني بين البشرة العادية والمناطق المصابة بالبهاق، يخجل منه بعض المرضى ويدفعهم إلى التقوقع والانسحاب من العلاقات الاجتماعية، فيما يراه البعض أمرًا عاديًا لا يغير ولا يشوه شكل الإنسان.

ويتقبله كمظهر من مظاهر الجمال، ويتصالح به مع كلّ تغيير يومي لشكل أو لون البشرة. وتُعتبر الكندية "ويني هارلو" أول عارضة أزياء في العالم مصابة بالبُهاق. لم تخجل من تباين اللون في بشرتها. لتفتح الباب للكثير من المصابين بالمرض إلى كسر تلك القوقعة والخروج للعالم. فقد بدأ الكثير من المصابين بالمرض بالكشف عن إصابتهم بالبهاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة منهم مشاهير الموضة والأزياء. في دعوة منهم لتقبل الشكل مهما كانت العيوب الموجودة فيه، وتحويله إلى اختلاف جمالي حتى وإن لا يتقبله البعض.

التعرض للتنمر بسبب البهاق

مع ذلك يعاني العديد من المصابين بهذا المرض من التنمر والوصم الاجتماعي. مما يسبب للبعض الاكتئاب أو العزوف عن الخروج إلى الشارع. تقول ربيعة (38 سنة) إحدى المصابات بمرض البهاق إنّها تتعرّض يوميًا إلى موقف مُحرج كلما خرجت لقضاء حاجة ما. إذ كثيرًا ما ترى امتعاض الباعة عندما تقوم بدفع ثمن بضائعة ما. وعدم رغبة البائع في ملامسة يدها خوفًا من العدوى. تضيف "كثيرًا ما أتجاهل ما يخترق أذني من تعليقات مزعجة عندما أكون في إحدى وسائل النقل العمومي. كأن تقول إحداهن لرفيقتها "ابتعدي عنها حتى لا تصيبك بالعدوى"، أو "مسكينة أنظر إلى يديها ووجهها" وغيرها من التعليقات التي حتى وإن تجاهلتها، تُحدث وقعًا مؤلمًا في نفسي". 

ربيعة (مصابة بالبهاق) لـ"ألترا تونس": كل يوم يمر  أرى في عيون الناس تلك النظرة المشمئزة، وكل نظرة كانت تهدم بداخلي جزءًا كبيرًا من الثقة في نفسي وفي جسدي الذي بت أراه مشوهًا

 تتحدّث ربيعة عن إصابتها قائلة: "منذ خمس سنوات، استيقظت في أحد الأيام لأجد بقعة صغيرة في يدي بيضاء لا يتعدى حجمها حبة السمسم، تعاملت معها على أنّها شيء عارض ويختفي. لم أتوقع بالمرّة أن تكون تلك البقعة بداية إصابتي بالبرص أي البهاق. خاصة وأنّه لا يوجد في عائلتي من أصيب بهذا المرض. بعد مرور أيام قليلة بدأت تلك البقعة في الاتساع وبدأت تلفت نظر عائلتي. ثمّ انتشر المرض في بعض مناطق من جسمي وخاصة في وجهي".

وتضيف محدّثتنا "في ذلك الوقت شعرت بألم نفسي كبير، واكتشف إلى أيّ مدى نحن نقدّس أشكالنا وأجسادنا لأنّها حلقة الوصل الأولى بيننا وبين الآخر. بحثت عن علاجات طبيعية وأخرى كيميائية لمحو تلك البقع التي أراها ندوبًا تشوه شكلي يومًا بعد يوم، لكن دون جدوى. ولا أخفي تلك الهستيريا التي تنتابني كلّما وجدت بقعة جديدة في جسدي وقد بدأت تأكل لون بشرتي العادي". 

اقرأ/ي أيضًا: حكاية طفل القمر.. أحلام "خلود" في كسر القيود

تواصل حديثها "كل يوم يمر كنت أرى في عيون الناس تلك النظرة المشمئزة، وكل نظرة كانت تهدم بداخلي جزءًا كبيرًا من الثقة في نفسي وفي جسدي الذي بت أراه مشوهًا.  وصرت أفضل ارتداء ملابس بأكمام طويلة، واستخدام مستحضرات التجميل لتوحيد لون بشرتي خاصة في وجهي ويديَّ. لكن رغم مرور الزمن، وتأقلمي مع شكلي إلاّ أنني مازلت أشعر بألم كبير كلّما ابتعد عني شخص مخافة الإصابة بالعدوى أو كلّما رأيت نظرات شفقة أو سمعت تعليقًا مؤلمًا." 

يقول المختص في علم الاجتماع أسامة بويحي لـ"ألترا تونس" إنّ "المظهر الخارجي للإنسان يمثل الواجهة التي تُعطي الانطباع الأولي تُجاه الأشخاص الذين نتفاعل معهم في حياتنا اليومية، سواء كان هذا الانطباع يدفع للشعور بالراحة أو النفور من الشخص أو التعامل معه بتحفظ وتوجس. ومن هنا يُمكن أن نفهم علاقة الوصم الاجتماعي بمرضى البهاق وغيرها من الأمراض الجلدية التي تكون ظاهرة للعيان أكثر من الأمراض الأخرى. فالجسد يأخذ هنا مكانة أهم من كونه كيانًا ماديًا يعيش في الفراغ أو خارج السياق الاجتماعي، بل هو يُشكل الأساس في تفاعلنا اليومي".

أسامة بويحي (مختص في علم الاجتماع): يُعاني العديد من المصابين بالبهاق نوعًا من الإقصاء والتهميش الاجتماعي يصل إلى حد وصمهم اجتماعيًا، ويُعتبر الوصم الاجتماعي عملية تقليل من قيمة الشخص ما يتسبب في تشويه سمعته أمام الآخرين

ويتابع بويحي: "يُعاني العديد من المرضى نوعًا من الإقصاء والتهميش الاجتماعي يصل إلى حد وصمهم اجتماعيًا، ويُعتبر الوصم الاجتماعي عملية تقليل من قيمة الشخص ما يتسبب في تشويه سمعته أمام الآخرين الشيء الذي يُعرضه للإقصاء والتمييز.

وأكد أن "كل ذلك يعود  بالأساس إلى التوجس خاصة في غياب المعلومات الصحيحة حول المرض. كما أن العديد من الأشخاص يحملون تصورًا و تمثلًا لمقاييس الجمال التي يُمكن أن نتقبلها. لذلك نجد البعض لا يجد أي مشكل في التعامل مع من يختلفون عنه جسديًا. والبعض الآخر ينفر ويصل به الأمر إلى السخرية والتهكم. ما يؤثر نفسيًا في المريض الذي لا ذنب له في مرضه، فيُصبح أكثر انطوائية وعزلة رغبة منه في تفادي مثل هذه السلوكيات. وبالتالي تقل ثقته في نفسه وفي مَن حوله." 

وأردف المختص في علم الاجتماع، أن في عديد من المجتمعات يتعرض المرضى للوصم الاجتماعي الذي يترتب عنه إقصاء وتهميش وسوء معاملة ويتم وضعه في مرتبة اجتماعية دنيا، حتى أنّ البعض يأخذ من المرض أو التشوه كنية للتعريف بالمريض أو الشخص الذي يحمل تشوهًا أو خللًا ما، كمناداة البعض بالأصلع، الأبرص، الأعور، معتبرًا أن "كل هذا يُسبب أثرًا نفسيًا عميقًا حتى وإن لم يُعبّر الشخص عن ذلك".

ولفت محدث "ألترا تونس" إلى أنه "عادة ما يكون الوصم الاجتماعي مُرتبطًا بكل سلوك يخرج عن الضوابط التي يضعها المجتمع ويعمل على حمل الأفراد على احترامها والتقيد بها. و لكن في حالات عديدة يكون الوصم مرتبطًا بشكل الإنسان ومظهره والذي يكون حسب من يقومون بالوصم غير عادي. فهذا التوجس من كل ما هو غريب يدفع إلى ممارسات إقصائية بل في بعض الأحيان إلى تعنيف مثل هؤلاء"، مضيفًا أنه "للحد من ذلك يجب أن تكون المسؤولية مجتمعية من خلال تثقيفالأفراد ومدهم بالمعلومات الصحيحة حول الأمراض حتى يتقلص الخوف من المريض. وهنا يكون دور المجتمع المدني هام من خلال التوعية في المدارس والمعاهد والفضاءات العامة التي تُمثل ساحة للتفاعل الاجتماعي".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مرض التوحد في تونس.. مراكز خاصة مكلفة والعمومي لم يفتح أبوابه!

حينما ننتصر إرادة التحدي.. قصة شاب يعاني "الديسلكسيا" يجتاز الباكالوريا بنجاح