30-أغسطس-2020

من وقفة احتجاجية ضد التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني أمام سفارة الإمارات في تونس (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

ودَدْنا أن ننطلق من الاستفهام عن طبيعة القوّة التي يرشّحها سياق الصراع العربي الصهيوني لكي تكون في طليعة من يتصدّى لهذه الموجة الجديدة من التطبيع بعد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي المسمّى "اتفاق أبراهام". ولكنّ عاملاً أساسيًّا رأيناه في ريادة تونس في الثورة على نظام الاستبداد العربي واستمرار مسارها في بناء الديمقراطيّة يرشّحها قبل غيرها لكي تكون في صدارة القوى المتصدّية للتطبيع. وهو ما يجعل من تصدّرها مناهضة التطبيع أقرب إلى المسلّمة التي لا تحتاج إلى برهنة وليس مطلوبًا أكثر من فحص مكوناتها وإبراز مستوياتها.   

اتّفاق أبراهام وموجة التطبيع الجديدة   

طُرحت عديد الأسئلة عن طبيعة اللقاء الإماراتي الإسرائيلي، غير أنّ العبارة الأكثر دورانًا في الخطاب الإعلامي هي عبارة التطبيع. فهل يتعلّق الأمر بتطبيع فعلي؟  

إذا كان المقصود بالتطبيع وجود علاقة بين دولة الكيان ودولة الإمارات فإنّ تاريخ العلاقة بين الجهتين يعود إلى حوالي عقدين من الزمن. ولئن طالت العلاقة بالكيان دولاً خليجيّة أخرى فإنّ المدى الذي بلغته العلاقة مع الإمارات مختلف. مما يجعل الأمر متعلّقًا بتحالف أكثر مّما هو مجرّد اتصالات متواترة تمليها مناسبات مستجدّة وتسمّى تطبيعًا. 

يتعلق الأمر في العلاقة بين الإمارات وإسرائيل بتحالف أكثر مما هو مجرّد اتصالات متواترة تمليها مناسبات مستجدّة وتسمّى تطبيعًا

وعرفَت هذه العلاقة تطوّرًا وميلًا إلى المجاهرة بها من قبل الجهة الإماراتيّة بعد 2011 واندلاع الثورة ومسار بناء الديمقراطيّة في المجال العربي وفي سياقات قُطْريّة يمكن اعتبارها الأكثر تسيّسًا ومدًى تحديثيًا ونشاطًا مجتمعيًّا ورهانات إصلاحيّة مثل تونس ومصر واليمن. ويُشار في هذا الصدد إلى الدور الذي لعبه القيادي الفتحاوي وقائد الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية محمد دحلان. وهو من قاد المواجهة مع "القوّة التنفيذية" التابعة لسلطة حماس في غزّة إبّان فوزها بانتخابات 2006. وبعد فصله من اللجنة المركزيّة لحركة فتح في 2011 وإحالته على القضاء التحق بدولة الإمارات.

وإلى جانب هذه الأسباب المباشرة فإنّ علاقة الإمارات بالكيان الصهيوني تعود إلى تقاطع الجهتين في رؤية مشتركة للمنطقة وما يرتبط بها من استراتيجيّات إقليميّة ودوليّة. ومن ذلك الالتقاء بينهما على مناهضة مسار بناء الديمقراطيّة في المجال العربي منذ 2011، ومحاربة شروطه، وبناء خطاب مواجهته، ومنه الحرب على الإسلام السياسي باعتباره الخطر المباشر على الاستقرار في المنطقة وربطه بالإرهاب، والالتقاء في اعتبار إيران هي العدوّ وليس الكيان المزروع في الجسد العربي.

ويمتدّ هذا اللقاء إلى أهمّ شروط بناء الديمقراطيّة ما تعرفه القوى الإقليميّة والدوليّة من فرز على قاعدته. وعلى هذا الأساس يتنامى عند الطرفين تقدير تعاظم التدخّل التركي في شرق المتوسّط وتمثيله مع قطر القوّة الداعمة لمسار بناء الديمقراطيّة ولتجربتها في الانتقال الديمقراطي المتواصل في تونس.

تلتقي الإمارات وإسرائيل على مناهضة مسار بناء الديمقراطيّة في المجال العربي منذ 2011، ومحاربة شروطه، وبناء خطاب مواجهته

اقرأ/ي أيضًا: رئاسة البرلمان: التطبيع الإماراتي هو تعدّ على حقوق الشعب الفلسطيني

إسقاط النظام وتحرير فلسطين  

لم يكن هناك انتباه كبير إلى تلازم شعارين انطلقا من تونس مع الثورة: تحرير فلسطين وإسقاط النظام. (الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد تحرير فلسطين). وتردَّد هذا في مصر وليبيا وسوريا واليمن. وكذلك في الموجة الثانية في الجزائر والسودان ولبنان والعراق كان التلازم بين إسقاط النظام وتحرير فلسطين.

المجال العربي وحدة جغرافيّة ولسانيّة مرشّحة لأن تكون قوّة سياسيّة واقتصاديّة وازنة بكيانها السياسي المستقلّ مثلما هو حال المجال التركي والمجال الإيراني المجاورين. ولكنّ عامليْن حالا دون أن يتحقّق في العربي المجال ما تحقق في المجالين الجاريْن هما الاستبداد والاحتلال. وهو ما جعل هذا المجال منطقة للتدخّل الإقليمي والدولي بما في ذلك تدخّل الجاريْن التركي والإيراني. لذلك كانت الغاية التي تجري إليها الثورة ومسار بناء الديمقراطيّة هو بناء الكيان السياسي للمجال العربي وإزالة ما يعترض هذه الغاية من عقبات في مقدّمتها الاحتلال والاستبداد. كان هذا حدس الشعوب وفطرتها السياسيّة.  

كانت الغاية التي تجري إليها الثورة ومسار بناء الديمقراطيّة هو بناء الكيان السياسي للمجال العربي وإزالة ما يعترض هذه الغاية من عقبات في مقدّمتها الاحتلال والاستبداد

انطلاق الثورة في المجال العربي من تونس وتوسّعها إلى عمق المجال العربي مثّل استهدافًا لنظام الاستبداد العربي ولكنّه كان بالنسبة إلى إسرائيل تحدّياً وجوديّاً. فاعتبار إسرائيل الديمقراطيّة الوحيدة في بحر الاستبداد العربي يعطيها مصداقيّة عند أوروبا والعالم ويمثّل لها دعمًا معنويًّا وماديًّا مهمًّا. وهي تفضّل التعامل مع نظام عربي استبدادي يساعد استقراره على إيجاد حلول وتوافقات معه على المدى البعيد على نظام ديمقراطي يمثّل الاختيار الشعبي الحر من استحقاق انتخابي إلى آخر عامل تغيير مستمر في ظل موقف سياسي مستقلّ لا يساعد بتوافقات على حساب الحقوق.

وحدة المجال العربي باعتبارها حقيقة موضوعيّة تشهد لها الثقافة والجغرافيا والتاريخ، وما يقوم من عقبات في سبيلها (الاحتلال والاستبداد) كانت حاضرة عند المتدخّلين فيه من القوى الإقليمية والدوليّة رغم اختلاف المصالح والاستراتيجيات.

وقد مثّل المجال العربي مع انطلاق ثورة الحريّة والكرامة ساحة صراع استراتيجي وإعادة إنتاج لمحاور صراع قديمة على ضوء ما استجدّ من توازنات.  لذلك مثّل الموقف من ثورة المجال العربي (الثورة /الثورة المضادّة) قاعدة فرز انقسم على أساسها المتدخّلون الإقليميّون والدوليّون إلى مساندين لمسار بناء الديمقراطيّة وداعمين لنظام الاستبداد العربي والمصالح التقليديّة التي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ باستمراره. وكان الكيان الصهيوني على رأس مناهضي الثورة. وهذا أهمّ ما يجب الوقوف عنده في الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الأخير.    

اقرأ/ي أيضًا: وقفة احتجاجية أمام سفارة الإمارات بتونس احتجاجًا على التطبيع (صور)

رسالتان بليغتان:

يرسل الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي برسالتين على قدر كبير من الأهميّة:  

  • الرسالة الأولى: سقوط أطروحة "الربيع العبري"

وهي نتيجة لتوضّح موقع إسرائيل من صراع الثورة والثورة المضادّة، وأنها تقف على رأس الثورة المضادّة وتقودها في المنطقة العربيّة وترعى امتداداتها الإقليميّة والعالميّة. وتمثّل الإمارات أحد كياناتها الوظيفيّة. وهذا التوجّه الإسرائيلي يأتي ضمن تحولات عميقة في المنطقة والعالم يميّزها انسحاب للولايات المتّحدة المتدرّج من "الشرق الأوسط" نحو محيطها الأطلسي واستعاضتها شبه الخفيّة عن "حليفها الاستراتيجي" بما يمكن أن نسمّيه "متعهّدًا جديدًا" لمصالحها يرى في نفسه شريكًا كامل الحقوق (تركيا).

وفي هذا السياق يأتي الانقلاب على الديمقراطيّة في مصر، والذي لم يكن قرارًا أمريكيّاً. بل هو أقرب إلى أنّه قرار إسرائيليّ لم يجد اعتراضًا أمريكيًّا بعد نجاحه. وخلاصة الأمر أنّ إسرائيل تقود الثورة المضادّة، وتمثّل الديمقراطيّة في المجال العربي لها تهديدًا حقيقيًّا.

وهي تريد أن تكون الديمقراطيّة الوحيدة في نظام الاستبداد العربي المهدّد بالديمقراطيّة مثلها. ولذلك يقوم بين الاحتلال والاستبداد وكياناته الوظيفيّة لقاء على محاربة شروط الديمقراطيّة. ولهذا يلتقي الكيان والإمارات وتعبيرات نظام الاستبداد الأخرى على مناهضة المسار الديمقراطي ووأد مساره الوحيد في تونس.

تقف إسرائيل على رأس الثورة المضادّة وتقودها في المنطقة العربيّة وترعى امتداداتها الإقليميّة والعالميّة وتمثّل الإمارات أحد كياناتها الوظيفيّة

  • الرسالة الثانية: تلازم المقاومة والمواطنة 

وتعني أنّه لن يحرّر فلسطين والأوطان إلاّ الإنسان الحر. فلا تكفي الوطنيّة في هذا الباب. وكان هذا شأن الانقلابات العسكريّة في البلاد العربيّة منذ مطلع الخمسينيّات والتي قامت باسم الوطنيّة وتحرير فلسطين. ولكنّها بسبب استبدادها لم تحرّر فلسطين ولم تقم تنمية ولا كرامة. والتقت بقايا هذه الأنظمة مع قوى التطبيع في أطروحة "الربيع العبري" وتعاونت معها على جرف الثورة إلى حرب أهليّة. 

ساعد هذا السياق على كشف الفارق المهمّ بين المقاومة العضويّة (تلازم بين المقاومة والمواطنة: حماس) والمقاومة الوظيفيّة (تفك الارتباط بينهما وتستمد مشروعيتها من خارج سياقها المحلي والوطني: حزب الله)، ورسّخ الأطروحة التي تربط ربط ضرورة بين المقاومة (من مهامّها تحرير فلسطين) والمواطنة (من مهامّها إسقاط  نظام الاستبداد وتأسيس الحريّة). 

والخلاصة الأكثر تكثيفاً هي أنّ من يقود الحرب على التطبيع هو السياق الذي يستمرّ فيه المسار الديمقراطي والتقدّم في بناء المواطنة. وتمثّل تونس الحالة الوحيدة تقريبًا التي يتوفّر فيها هذا الشرط. ولذلك اكتسبت معركة بناء الديمقراطيّة وتواجه قوى الثورة والثورة المضادّة في السياق التونسي بعدًا إقليميًّا وعالميًّا. فليس غريبًا أن يتابع العالم وهو يكتم أنفاسه لحظة إعلان نتائج التصويت على سحب الثقة من رئيس البرلمان. ولا عبرة باختلاف درجة إدانة التطبيع بين الرئاسة والبرلمان، ويكاد يقتصر دوره على المشهد السياسي الداخلي وتجاذباته.

من يقود الحرب على التطبيع هو السياق الذي يستمرّ فيه المسار الديمقراطي والتقدّم في بناء المواطنة وتمثّل تونس الحالة الوحيدة تقريبًا التي يتوفّر فيها هذا الشرط

وفي هذا السياق يُفهم التدخّل الإماراتي السافر في الشأن التونسي واستهداف مسارها. ويجعل الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي من مسار بناء الديمقراطيّة في تونس في مواجهة مع الكيان. ويُحرج كثيرًا من مكوّنات المشهد الديمقراطي التي تبنّت أطروحة "الربيع العبري". وفي كلّ الأحوال فإنّه ليس بإمكان هذه المكوّنات مستقبلاً أن تكون "ديمقراطيّة" في تونس و"شبّيحيّة" في الشام أو في غيرها. فالتلازم بين المقاومة والمواطنة وقيادة الكيان الصهيوني بدعم مالي إماراتي للثورة المضادّة لا يترك مجالاً للمناورة.  

الديمقراطيّة ومسار تأسيسها في المجال العربي تهديد لنظام الاستبداد العربي ولـ "الديمقراطيّة الاستيطانيّة العنصريّة الصهيونيّة" التي تخاف من أن يصبح الشعب المحيط بها حرًّا مثل "شعبها" المجلوب من وراء البحار بعد سلخه عن هويّته الأوروبيّة وإيهامه بأرض موعودة هناك في ضفّة المتوسّط الجنوبيّة.

الكيان وديمقراطيّته المشروطة بالاحتلال في علاقتها بالفلسطيني صورةٌ مصغّرة من تاريخ أوروبا وديمقراطيّتها المشروطة بالاستعمار في علاقتها بالشعوب المستعمرة. ولا يمكن أن يكونا إلاّ في مواجهة الديمقراطيّة التي تريد أن تكون مشروطة بالحريّة لأوّل مرّة في التاريخ. تلك رسالة ثورة الألفيّة الثالثة المنطلقة من بيننا والتي قلّ المؤمنون بها هذه الأيّام.   

 

اقرأ/ي أيضًا:

التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل".. أحزاب تونسية تدين وتندد بالخيانة

نقابة الصحفيين تدعو الرئاسات الثلاث إلى رفض تطبيع الإمارات مع الكيان الصهيوني

بعد رفض إدانة التطبيع الإماراتي: موسي تثير انتقادات وتعزز شكوكًا حول علاقاتها