"كوفيد 19".. الامتحان الصعب في المستشفى الجهوي بسليانة

ننقلكم إلى عوالم مستشفى سليانة من خلال روايات عائلات مرضى كوفيد 19 هناك في وضع وبائي خطير (صور: رجاء غرسة/ألترا تونس)

 

تحت شباك إحدى "غرف كوفيد 19" بالمستشفى الجهوي بسليانة، جلست شابة ثلاثينية تنتابها نوبة شديدة من البكاء، فقد علمت للتو بوفاة والدها، العم الطيب الستيني، كانت حالته مستقرة منذ 10 أيام في قسم كوفيد 19 من المستشفى وذلك إلى غاية مساء أمس. لم تقدر الشابة على معانقته العناق الأخير أو مناولته شربة ماء.

تقترب النسوة حول الشابة يحاولن التخفيف من لوعتها لفراق والدها ورفيقها الوحيد بعد وفاة أمها العام الماضي وسفر إخوتها للعمل بالخارج، قبل أن يذهبن لشؤونهنّ ينتظرن أخبارًا عن مرضاهن بالداخل. في الأثناء، عدد من الأهالي ينتظرون أخبارًا عن أقاربهم قبالة باب "قسم كوفيد 19" الموصد، والذي لا يفتح إلا للضرورة القصوى.

 سليانة كانت في مقدمة الولايات في ترتيب الإصابات بفيروس كورونا لكل 100 ألف ساكن في الفترة من 17 إلى 30 جوان/ يونيو الماضي بتسجيل 861 إصابة لكل 100 ألف ساكن

شهدت ولاية سليانة مع منتصف الشهر الماضي تزايدًا غير مسبوق في الوفيات والإصابات بالفيروس، وازداد الضغط على أسرة الإنعاش بنسبة 100 في المائة. حتى أن الولاية كانت في مقدمة الولايات في ترتيب الإصابات بفيروس كورونا لكل 100 ألف ساكن في الفترة من 17 إلى 30 جوان/ يونيو الماضي بتسجيل 861 إصابة لكل 100 ألف ساكن. وسجّلت الولاية نسبة إنذار مرتفعة جدًا، تدعمت بعد كشف عمليّات التقطيع الجينيّ لحالات إصابة بالسلالة المتحورة "دلتا".

دفع تفجّر الوضع الوبائي غير المسبوق اللجنة الجهوية لتفادي الكوارث ومجابهتها في الولاية إلى تمديد العمل بجملة من الإجراءات الاحترازية لكسر حلقات العدوى لعل أبرزها منع التنقل من وإلى ولاية سليانة، وغلق جميع المحلات والفضاءات التجارية باستثناء الغذائية منها، ومنع الأسواق الاسبوعية والحفلات والتجمّعات.

اقرأ/ي أيضًا:  في مستشفى سليانة.. غياب طب الاختصاص يعمّق أوجاع المرضى

  • ليس للصبر حدودًا..

في ركن من الساحة غير المهيئة للمستشفى الجهوي بسليانة والتي توحي أنها كانت باباً خلفياً لأحد الأقسام قبل الجائحة، تكدّست أكياس من القمامة رمي بها خارج القسم، صفراء وسوداء. لم يمنع هذا المشهد، في وضع وبائي حساس، المنتظرين من التقدم نحو الإطار شبه الطبي التي تفتح الباب من حين لآخر ليسلمون أشياء لمريض أو للإحاطة بشأن الحالة الصحية لآخر. 

اقرأ/ي أيضًا: في مقدمتها سليانة.. ترتيب الولايات حسب نسبة انتشار فيروس كورونا

يعود الصمت ما إن يغلق الباب من جديد، لا يقطعه غير صوت أنين منبعث من النافذة العالية لا يمكن عبرها رؤية ما خلفها إلا سماع صوت آلات التنفس الاصطناعي وصوت مريض يسحب الهواء بشق الأنفس.

ابن وابنة وأخ وصهر جميعهم توافدوا على "قسم كوفيد 19" منذ الصباح، ترتفع درجات الحرارة شيئًا فشيئًا وتواصل الشمس صعودها إلى كبد السماء، بينما يخيّم الترقب على المكان. وتتعدد التطمينات بتقديم إجابات بخصوص حالة الأقارب الراقدين في القسم بعد الانتهاء من معاينة حالتهم.

لا تخفي إحدى الممرضات التي تطل من النافذة انزعاجها من تجمهر الجموع حول الباب. وعبر النافذة التي فتحت يظهر جزء من جهاز الأكسجين يتدلى، لا يجد الأهالي هنا غير سطل قديم أو كرسي يصعدون فوقه الواحد تلو الآخر لاستراق النظر إلى مرضاهم والاطمئنان على حالتهم.

يقول قدور اللواتي لـ "الترا تونس" إن وضع والده مستقر حاليًا منذ نقله إلى قسم كوفيد 19 قبل يومين، لكنه لم يكن كذلك عند إقامته لأيام في قسم الاستعجالي، حيث اشتكى من الإهمال

قدور اللواتي، هو واحد منهم، اعتاد زيارة والده الذي يبلغ 85 عامًا وهو مصاب بالفيروس. منذ أكثر من نصف ساعة، يقف على سطل يطيل النظر إلى والده الراقد هناك، يجد في هذه العملية تطمينات ما دام صدر والده يرتفع وينخفض، ينتبه إلى أشعة الشمس الحارة التي قد تزعج مريضه فيغلق النافذة ويقفز راجعًا إلى مكانه تحت سياج المستشفى.

يقول اللواتي لـ "الترا تونس" إن وضع والده مستقر حاليًا منذ نقله إلى هذا القسم قبل يومين، لكنه لم يكن كذلك عند إقامته لأيام في قسم الاستعجالي، حيث اشتكى من الإهمال. ويضيف أنه اكتشف إصابة الشيخ بالفيروس بعد نقله إلى المستشفى بسبب آلام شديدة أصابته فجأة، دون أن يعلم عن كيفية إصابته بفيروس كورونا.   

هدى وأختها وصهرها هم أيضا يترقب ثلاثتهم أنباء عن تطور في حالة زوجها الذي يقيم في القسم منذ 12 يومًا، قبل أن تتعكر حالته منذ يوم ويدخل في غيبوبة "بعد رؤيته مشهد إخراج مريضة توفيت معه في الغرفة"، وفق هدى.

هو كمال، موظف بالقباضة اكتشف إصابته وزوجته وابنته الطفلة بالفيروس منذ يوم 15 جوان/ يونيو الماضي، لا تفقد زوجته في حديثها لـ"الترا تونس" الأمل في تماثله للشفاء رغم صعوبة وضعه الحالي وانخفاض مستولى الأكسجين في دمه إلى 70 في المائة.

في الأثناء، يبدي محمد عزيز، المتكئ على الجدار قبالة مكتب الاستعلامات، تماسكًا وهو الذي علم للتوّ بوفاة والدته، لكن احمرار عينيه فضح حجم الفاجعة. خليط من الوجع والصدمة والغضب بضياع رائحة آخر لحظات والدته وأشيائها في المستشفى.

يروي عزيز لـ"الترا تونس" أن "أسرته اصطحبت الفقيدة لطيفة التي تعاني مرض القلب وضيق التنفس لإجراء فحوصات دورية في قسم الصدرية في المستشفى، لكن شكوكاً ضعيفة حول إصابتها بالفيروس جعلتهم ينقلونها إلى قسم كوفيد 19، لكنها فارقت الحياة في يومها الأول هناك". 

اقرأ/ي أيضًا: سليانة: اتحاد الشغل يطالب ببعث مستشفى ميداني لمعاضدة جهود المستشفى الجهوي

  • سوء الوضع الوبائي يعرّي حقيقة الإمكانيات الصحية

أفاد عبد الستار المناعي، كاتب عام النقابة الأساسية للصحة بولاية سليانة "الترا تونس"، أن الوضع الوبائي كذّب كل التوقعات بحالة وبائية عادية كتلك التي شهدتها الولاية خلال الموجة الأولى والثانية، لكن بلوغ نسبة الحالات المؤكدة 62 في المائة من التحاليل المجراة وارتفاع حالات الوفيات بالفيروس مما يرفع عددهم منذ بداية الجائحة إلى 308 وبلوغ نسبة الإيواء بالمستشفى وخاصة أسرة الإنعاش إلى 100 في المائة، يجعل من الوضعية الصحية خطيرة جدًا.

لفت محدّثنا الانتباه إلى إشكالية غياب طب الاختصاص الظاهرة التي رافقت المنظومة الصحية في المناطق الداخلية لعقود وسجّلت حضورًا لافتًا خاصة في ولاية سليانة، إضافة إلى افتقار الولاية إلى أطباء إنعاش في وضع صحي يتطلب توفر هذا الاختصاص بشكل خاص.

كاتب عام النقابة الأساسية للصحة بولاية سليانة لـ"الترا تونس": إشكالية غياب طب الاختصاص الظاهرة التي رافقت المنظومة الصحية في المناطق الداخلية لعقود وسجّلت حضورًا لافتًا خاصة في سليانة

وإن وجد فإنها عناصر غير قارة يتم التعاقد معها لفترة، مشيرًا إلى أنه يوجد بالمستشفى الجهوي بسليانة طبيبين فقط للإنعاش بالتناوب بشكل لا يغطي كامل اليوم. وأوضح أنه رغم توفر آلات كشف بالصدى وبالرنين المغناطيسي إلا أن غياب طبيب مختص يعيق استغلالها. ودعا محدّثنا الحكومة إلى إيجاد حلّ جذري لهذه المعضلة خاصة أمام المغريات التي شجّعت على هجرة الكفاءات التونسية الطبية إلى الخارج. 

وفشلت محاولات "الترا تونس" للاتصال بأحد الطبيبين المختصين في الإنعاش بالمستشفى رغم إبداء أحدهما استعداده للإجابة على تساؤلاتنا ففي البداية.

وكان المناعي قد أكد أن الطب العام أيضًا يسجل نقصًا فادحًا في المستشفى الجهوي بسليانة بالإضافة إلى النقص في الإطارات شبه الطبية. وأشار في حديثه لـ"الترا تونس" أن إنقاذ الوضع الصحي لا يتم إلا بتدعيم المستشفى الجهوي بالتجهيزات اللازمة والإطار المختص، بالتوازي مع تركيز المستشفى الميداني المزمع إنشاؤه بالجهة. ولفت إلى توسعة في المستشفى الجهوي بسليانة بغرض إضافة 45 سرير أكسيجين ترفع طاقة الاستيعاب إلى 80 سريرًا.

كاتب عام النقابة الأساسية للصحة بولاية سليانة لـ"الترا تونس": مماطلة الحكومة في الاستجابة للطلبات الصحية وتفعيل المقترحات، في وضع تفتقر فيه عدد من المستشفيات المحلية إلى قوارير الأكسجين

ولم يخف محدّثنا مماطلة الحكومة في الاستجابة للطلبات الصحية المستعجلة وتفعيل المقترحات، في وضع تفتقر فيه عدد من المستشفيات المحلية إلى قوارير الأكسجين.

من جانبه، أوضح المدير الجهوي للصحة بسليانة عادل الحدادي لـ"الترا تونس" أن "الأكسجين معضلة كبيرة نظرًا لغياب نقطة للتزود على مستوى الولاية، وما يحصل من استنزاف في الموارد بسبب ارتفاع وتيرة التزود من مرة كل 3 أيام إلى مرة كل يوم في المستشفى الجهوي وإلى مرة في الثلاث ساعات في المستشفيات المحلية التي تفتقر إلى خزانات للأكسجين".

وأوضح محدثنا أنه لا يوجد أطباء إنعاش قارين في المستشفى الجهوي، إذ يتم التعاقد حاليًا مع ثلاثة أطباء في إطار برنامج وزارة الصحة لدعم الجهات الداخلية بأطباء اختصاص.

المدير الجهوي للصحة بسليانة عادل الحدادي لـ"الترا تونس": الأكسجين معضلة كبيرة نظرًا لغياب نقطة للتزود على مستوى الولاية

هي أزمة صحية امتحنت في المطلق جاهزية البنى التحتية الصحية والبشرية لتطويقها، لكنها في سليانة امتحنت أيضًا مدى استعداد الحكومة إلى إصلاح أخطاء الماضي وتمكين الجهة التي تفتقر إلى مؤسسات صحية متخصصة خاصة من أبسط مقومات العدالة الصحية وهو طب الاختصاص وخاصة اختصاص الإنعاش في وضع وبائي يعتبر الإنعاش أحد أهم ركائزه، بعيدًا عن الحلول الترقيعية.    



 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| د.قلوز: التلقيح لا يمنع العدوى وقريبًا لقاح "جنسون اند جنسون" في تونس

خوفًا من كورونا وهربًا من عنف لفظي وجسدي.. نسوة يخترن الولادة الطبيعية بالبيت