شقوق المدرسة التي تسرّب منها الوالي...

شقوق المدرسة التي تسرّب منها الوالي...

غياب القوانين وتقادم بعضها وعدم الوعي والالتزام بها يجعل من تسيير المدرسة أمرًا صعبًا (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

مقال رأي

 

يضمن دستور الجمهورية الثانية للمدرسة العمومية التونسية مجانيتها وإجباريتها وشعبيتها وأهدافها العليا. كما يضمن حياديتها عن كل ما هو إيديولوجي أو حزبي أو سياسي. لكن ما حدث مؤخرًا من قبل والي المنستير في رحاب المعهد الثانوي بالوردانين يشي بأن السياسي ينفذ إلى المدرسة كلّما وجد الفرصة سانحة، فيحاول جاهدًا توظيفها لأغراضه السياسية والإيديولوجية.

وعادة ما يقوم بذلك بسرعة وبحرفيّة عالية ظاهرها لا يتطابق مع باطنها مخالفًا المبدأ الدستوري فوالي المنستير يبدو أنه تناسى رفع قبّعته الحزبيّة وحساباته السياسويّة الضيّقة وهو يهمّ بدخول معهد الوردانين. لقد نفذ معه الفعل السياسي المقصود من شقوق الدور الإداري الذي يضمنه القانون للوالي.

حادثة المعهد الثانوي بالوردانين جعلتنا على يقين أن ترسانة القوانين والتشريعات التي تنظّم الحياة المدرسيّة التونسية تقادمت واهترأت

اقرأ/ي أيضًا: رسالة إلى الوالي.. الزم حدودك

وهو ما شاهدناه عبر فيديو مروّج قصدًا ضمن مواقع التواصل الاجتماعي يظهر والي المنستير وهو يخاطب موظفين عموميين بالمؤسسة التربوية العمومية وبلهجة تأنيبية وفي حالة استياء كبرى مما يحدث في المعهد في حين أن المسألة ليست بالتهويل الذي تعاطى معه والي الجهة، ويختتم الفيديو بإفراط الوالي في الحماس الإنساني الذي جعله يتحول في لحظة فارقة من مسؤول جهويّ محايد إلى وليّ شرعيّ لإحدى التلميذات بالمعهد فيما يشبه أفلام "الأكشن" السياسي.

وهنا، انقسم التونسيون الذين تابعوا حادثة معهد الوردانين وما أقدم عليه والي المنستير داخل المؤسسة التربوية  بين شقّ مؤيد لما قام به الوالي ويحدوهم شعار "الدولة وليّ من لا وليّ له"، وشقّ آخر مستاء يعتبر أن ما قام به الوالي فيه تجاوز ضمني للدستور وتجاوز صريح للقوانين المنظمة للحياة المدرسية، ووصفوا الوالي بـ"المتجاوز لحدود صفته الإدارية".

واندلع نقاش لم يهدأ للتّو عبر الفضاء الأزرق "فايسبوك" بين مختلف نقابات التربية والتعليم وخاصة نقابتي الأساتذة والقيّمين والقيمين العامّين من جهة، وباقي مكونات المجتمع المدني ــ بولاية المنستير تحديدًا ــ من جهة أخرى، والتي طالبت ضمن عريضة موسّعة الإمضاء تمّ الترويج لها هذه الأيام، مفادها مطالبة وزارة التربية بإقالة مدير معهد الوردانين لتقصيره في أدائه لمهامّه، في حين أنّه ثمّة من يرى أن العريضة المروّجة هي أمر سياسيّ دبّر بليل  للمدير لأنه عبّر عن امتعاضه واستيائه ممّا قام به الوالي من تجاوزات قانونية وأدبية داخل المرفق العمومي المدرسي الذي يديره.

إنّ ما حصل في معهد الوردانين يجعلنا نطرح سؤالًا جوهريًّا، وهو ما الذي أصاب المدرسة التونسيّة حتى يكون سلوك الوالي على تلك الشاكلة؟

مدرستنا اليوم محكومة بالذاتي والمزاجي والحسابات الضيقة بين مختلف مكونات الأسرة التربوية في المؤسسة الواحدة

إن حادثة المعهد الثانوي بالوردانين التي استغلّها والي المنستير سياسيًا جعلتنا على يقين لا يرقى إلى الشكّ أن ترسانة القوانين والتشريعات التي تنظّم الحياة المدرسيّة التونسية تقادمت واهترأت وبليت وحان الوقت لمراجعتها وفتح نقاش وطني معمّق حولها، إذ أنّ أغلبها صدر في ستّينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولم تعد تتماشى وواقع اللحظة التاريخية.

وحتى القانون التوجيهي لسنة 2002 المنظّم للحياة المدرسيّة والذي يصنّفه خبراء التربية بأنه آخر إصلاح تربوي جوهري عرفته تونس بعد إصلاح الوزير محمد الشرفي خلال سنة 1991، حيث لم تنبثق عن القانون التوجيهي إلى اليوم، النصوص الترتيبية اللّائقة والمحددة للمسؤوليات بالنسبة لجميع الفاعلين التربويين داخل المدرسة، والموضّحة أيضًا لعلاقة المدرسة بمحيطها والمبيّنة لكل كبيرة وصغيرة داخل المؤسسة التربوية انطلاقًا من وضعيات نموذجية تكون أمثلة يحتذى بها، حتى نتجنب الاجتهادات الخاطئة ونفسح المجال للتجاذب تمامًا كما هو الأمر في واقعة الوردانين. مدرستنا اليوم تائهة وسط ترسانة من قوانين متقادمة غير مترابطة وغير متطوّرة وغير مطبّقة.

هناك أيضًا مسألة هامّة في صلة بهذا الموضوع وتتعلق أساسًا بالقوانين الأساسية للفاعلين التربويين، فهي من النقاط السوداء في منظومة التشريعات والقوانين التربويّة. ولعلّ غياب القانون الأساسي للأساتذة المدرّسين بالثانوي يعدّ من الهنات والنقائص التي تجعل من الأدوار التربوية للمدرّس غير واضحة ومحكومة بالاجتهاد والاستناد إلى الخبرة، وهو ما يحدّ من الجدوى والجودة في آن واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: ترجّلت لينا وانتصر سلاحها

وأما بقيّة القوانين الأساسيّة الموجودة والتي تهم باقي الفاعلين التربويين من متفقدين ومستشارين ومرشدين تطبيقيين للتربية وقيّمين وقيّمين عامّين وإدارييين وعملة، لم تعرف إلى اليوم نصوصًا ترتيبية وتوضيحية دقيقة تحدد ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو بـ"المكانة والدّور"، وهذه النصوص الترتيبية هي من المطالب النقابية الأساسية، لكن يبدو أنّ وزارة التربية لا تبالي ولا تريد لذلك أن يكون ولا ندري لماذا.

وهو ما أدّى، في اعتقادي، إلى خضوع المدرسة التونسية إلى ما يسميه أستاذ علوم التربية أحمد شبشوب بارتفاع  منسوب "الذاتي" أو "المزاجي"، فمدرستنا اليوم محكومة بالذاتي والمزاجي والحسابات الضيقة بين مختلف مكونات الأسرة التربوية في المؤسسة الواحدة، لذلك تتراجع مسألة غرس القيم المجتمعية والإنسانية، فيصبح الفضاء المدرسي مليئًا بالعنف بمختلف أنواعه وبالظواهر المخيفة التي تهدد السلم المدرسي وتتحوّل إلى فضاء طارد يؤدّي مباشرة إلى أن تسجّل مدرستنا ــ سنويًا ــ لأرقام مخيفة تتعلق بارتفاع عدد المتسرّبين، والذين لا ندري إلى أين ذهبوا.

المدرسة اليوم غير جمهورية والفاعلين في صلبها غير جمهوريين، وعرضة أيضًا للولاّة وغيرهم يقدّمون داخلها دروسًا للمربّين في الوطنية وحقوق الإنسان ويذكرونهم بأدوارهم

إن تقادم القوانين المدرسية وغياب ما يوضحها من نصوص ترتيبية، وأيضًا غياب القوانين الدقيقة التي تنظّم العلاقات الخارجية للمدرسة، ومع ضياع وإهمال منظومة التكوين والرسكلة في التسيير والتثقيف والمرافقة الإدارية وتراجع أدوارها وكلاسيكية أدواتها وأساليب عملها ومقترحاتها الحالية، يجعل المدرسة غير جمهورية والفاعلين في صلبها غير جمهوريين، وعرضة أيضًا للولاّة وغيرهم يقدّمون داخلها دروسًا للمربّين في الوطنية وحقوق الإنسان ويذكرونهم بأدوارهم.

إن غياب القوانين وتقادم بعضها وعدم الوعي والالتزام بها يجعل من تسيير المدرسة أمرًا صعبًا وهو ما يفسح المجال واسعًا لطغيان الذاتي على حساب الموضوعي.

أعتقد أنه لا أحد يخالفني الرأي بأنّ المدرسة التونسية باعتبارها من رساميل هذا الوطن تستحقّ واقعًا أجمل ممّا هي عليه الآن، وإذا ما رمنا لها إصلاحًا فإن نقطة الانطلاق تكون بالمراجعات العاجلة لمنظومة القوانين والتشريعات السارية في الوقت الحالي مع توضيح تام لعلاقة المدرسة بطالبي خدمتها وبمحيطها المؤسساتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تونس.. تسع سنوات بعد الثورة

أنس جابر.. قدوة وأكثر!