بين

بين "رفقة" وعيوني بندقية..

ستظلّ بقايا الخراطيش ملقاةً على الأرض إلى جانب حقّ قد تاهت طُرقه

مقال رأي

"ما أشد براءتنا حين نظن أن القانون وعاء للعدل والحق..   

القانون هنا وعاء لرغبة الحاكم، أو بدلة يفصلها على قياسه"

(محمود درويش)

"لمن تشتكي حبة القمح إذا كان القاضي دجاجة؟"     

(مثل)     

بين أخبار جريمة قتل "رفقة الشارني" في تونس وتطورات أحداث "حي الشيخ جراح" في فلسطين، على اختلاف القصتين في الأطوار والأطر، يلتقي عنصران أساسيان ليفجّرا منصات التواصل الاجتماعي: بندقية وحق ضائع..


رفقة، زهرة مونعة في الـ26 ربيعًا، ذبلت بعد أن اختطفتها يد الموت على يد زوجها "الأمني" بسلاح سخّرته له الدولة كأداة لـ"حماية" مواطنيها..

رفقة، زوجة معنّفة، رغم أنها لم تُؤْثر الصمت ككثيرات يخيّرن "الستر" ولم تكتم صوتها واستنجدت بـ"الدولة" لحمايتها من براثن زوجها، لم تجد لصوتها صدًى يُسمع وعادت لعشها الزوجي لتخرج منه وقد اقتحمت خمس رصاصات صدرها.

بين أخبار جريمة قتل "رفقة الشارني" في تونس وتطورات أحداث "حي الشيخ جراح" في فلسطين، على اختلاف القصتين في الأطوار والأطر، يلتقي عنصران أساسيان ليفجّرا منصات التواصل الاجتماعي: بندقية وحق ضائع

صرخة رفقة التي خنقها ممثلو الدولة، الذين استنجدت بهم وخذلوها بمنطق "الزمالة والتضامن المهني"، وجدت طريقها إلى المسامع بعد أن كلّفها ذلك دمعًا ودمًا و.. روحًا!

لم تكن رفقة ضحية زوج معنِّف تمادى في استغلال نفوذه بمباركة من "الزملاء" ليتدرج سلّم العنف من الشتم، إلى الضرب، إلى شهر سلاح وإطلاق رصاصة.. وثانية.. فخامسة... بل كانت ضحية منظومة كاملة تهاونت مع عقلية العنف و"هني على روحك" و"أستر على مولى بيتك" و"تو يتصلّح".. ضحية دولة ظلت قوانينها التي تختال بها بين الدول حبرًا على ورق.. ضحية سيستام محقّر للضحايا ومبيّض للجناة.

اقرأ/ي أيضًا: "اسمها رفقة الشارني".. عن الفقيدة التي قتلها زوجها برصاص مسدسه وموجة الاستنكار

قضية رفقة حركت الرأي العام في تونس وأثارت موجة عارمة من الاستياء والغضب لتكرر مثل هذه الفظائع، بشكل ممنهج، يقع من خلاله تغييب تطبيق القانون لسبب أو لآخر، لتقع الكارثة.

صرخة رفقة التي خنقها ممثلو الدولة، الذين استنجدت بهم وخذلوها بمنطق "الزمالة والتضامن المهني"، وجدت طريقها إلى المسامع بعد أن كلّفها ذلك دمعًا ودمًا و.. روحًا!

ليست رفقة سوى واحدة من كثيرات مثلها خُنقت أصواتهنّ ولم يجدن لشكاواهنّ مجيبًا.. فكان أن ضاع الحق!

----الصمت القاتل...أو عندما تنطفئ بصيرة الحكام مرة أخرى تقتل الدولة النساء بتواطئها تقتلهن تقتلهن بتخاذلها تقتلهن...

Publiée par Forum Tunisien pour les Droits Economiques et Sociaux sur Lundi 10 mai 2021

في مكان آخر من الأرض -غير بعيد عن القلب-، ضجت القدس بصرخات شعبنا في فلسطين المتشبث بحقّ يكاد أن يضيع، في ظلّ عمليات التهجير القسري وتهويد الأحياء المتواصلة منذ عقود في مخطط إبادة عرقية، أمام صمتٍ عربي ودولي مخزٍ.

في مكان آخر من الأرض، ضجت القدس بصرخات شعبنا في فلسطين المتشبث بحقّ يكاد أن يضيع، في ظلّ عمليات التهجير القسري المتواصلة منذ عقود في مخطط إبادة عرقية، أمام صمتٍ عربي ودولي مخزٍ

صور وفيديوهات وبثّ حيّ لعمليات تقتيل وتنكيل واعتقالات عشوائية، وقنابل ورصاص حي، مقابل بعض حجارة وهتافات تنادي بـ"الحق". يقول المثل: "ما ضاع حق وراءه مُطالِب"، فماذا لو كان المُطالَبُ هو من سلب هذا الحق؟

اقرأ/ي أيضًا: "معركة" حي الشيخ جراح.. القصة كاملة

ورغم كل ما يحدث من فظائع وانتهاكات، فإن المنظمات الحقوقية الدولية، التي إن حصل اعتداء على كلب في رقعة من أصقاع العالم صدحت ببياناتها وتصريحاتها المنددة والمستنكرة والمتوعّدة، خيرت الصمت وتنكيس الرؤوس أمام جرائم قوات الاحتلال الصهيوني الموثقة بالصوت والصورة من تقتيل وتنكيل في اعتداء صارخ لأبسط مقومات حقوق الإنسان.

أيامًا قليلة أخرى ستخفت الضجة ويخفت صدى صرخة "رفقة" ونداءات الاستغاثة في القدس.. وتظلّ بقايا الخراطيش ملقاةً على الأرض إلى جانب حقّ قد تاهت طُرقه

ولِم اللوم على منظمات دولية قد يكون جزء من تمويلاتها من داعمي الاحتلال، والحال أن أقرب الدول إليها تاريخًا وجغرافيا أشاحوا عنها بوجوههم بل ومدّوا يدهم للعدو وطبّعوا معه؟ ودولٌ أخرى حتى إن "تحركت" سُلطها تكتفي بإصدار بيان "تنديد" محتشم تنشره تحت ضغطٍ شعبيّ ثم تتوارى وتستأنف حياتها بين موائد الإفطار الشرفية وركعات مصوّرة في المساجد وخطابات منمّقة ضاقت بها الأنام..


كلا مأساتيْ رفقة الشارني وحي الشيخ جراح حرّكتا "العالم الافتراضي"، وتصدرت هاشتاغات حملات الدعم والمساندة للقضيتين -على اختلاف صداهما محليًا وإقليميًا-، ودججت الصفحات والمجموعات على منصات التواصل الاجتماعي بالشعارات والصور والفيديوهات... لكن أيامًا قليلة أخرى ستخفت الضجة ويخفت صدى صرخة "رفقة" ونداءات الاستغاثة في القدس.. وتظلّ بقايا الخراطيش ملقاةً على الأرض إلى جانب حقّ قد تاهت طُرقه...

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"



اقرأ/ي أيضًا:

العنف ضد المرأة في تونس.. تمييز أم تسلط ذكوري؟

تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.. مبادرات متعددة والتفعيل غائب في تونس