التوازن الجديد بين قيس سعيّد والأحزاب

التوازن الجديد بين قيس سعيّد والأحزاب

المشيشي هو من المربع الأمني لرئيس الجمهورية

مقال رأي

 

قبل حوالي أسبوع وخلال تعليقي المتواتر على إذاعة "اي أف أم"، قلت أن أحد الأوهام الحالية هو الحديث عن "غموض" قيس سعيّد، وأن أي محاولة لفهم الرجل وخاصة لتوجهه في اختيار "الشخصية الأقدر" لتكوين الحكومة لن تصل إلى أي خلاصة جدية إن لم تعتمد ما يمكن اعتباره "خوارزمية قيس سعيّد" (algorithme) وهي ببساطة: "إرادة الأحزاب" مقابل "إرادة الشعب". لا يعني ذلك أنني اعتقد أن سعيّد يمثل ضرورة "إرادة الشعب"، لكن تلك الخوارزمية هي تمثل قيس سعيّد لنفسه واختياراته. المسألة تتجاوز اختيار شخصية مستقلة قريبة جدًا من قيس سعيّد ومن دون حزام برلماني مثلما توقعت، بما يجعل هشام المشيشي مستند فقط إلى رئيس الجمهورية، بل يتعلق أيضًا بأن رئيس الحكومة الفعلي قيس سعيّد نفسه. ويشمل كذلك احتمال أن تكون الحكومة متكونة حصرًا من مستقلين أو في أكثر الحالات مطعمة ببعض الكفاءات الحزبية "دون محاصصة"، مقابل التهديد الضمني بإعادة الانتخابات.   

المشيشي، الاسم الذي قرر سعيّد ترشيحه، لم يكن قبل عام، أي خلال الحملة الانتخابية لرئاسية 2019، من الدائرة المضيّقة لقيس سعيّد

كانت القائمة القصيرة للرجل لمرشحي رئاسة الحكومة (shortlist) تتضمن أساسًا أسماء مستقلة من الحكومة الحالية (باستثناء ربما اسم واحد من التيار الديمقراطي أي غازي الشواشي تردد اسمه لدى مصادر جديرة بالثقة) وكانت الأسماء التالية: عماد الحزقي (وزير الدفاع)، ثريا الجريبي (وزيرة العدل)، أسماء السحيري (وزيرة المرأة والناطقة باسم الحكومة)، وهشام المشيشي (وزير الداخلية)، والحبيب الكشو (وزير الشؤون الاجتماعية). واستقبل سعيّد تقريبًا جميع هؤلاء إما بشكل علني أو غير علني في الأسبوع الأخير. 

اقرأ/ي أيضًا: بعد تكليف المشيشي: سعيّد يسود ويحكم!

المشيشي، الاسم الذي قرر سعيّد ترشيحه، لم يكن قبل عام، أي خلال الحملة الانتخابية لرئاسية 2019، من الدائرة المضيّقة لقيس سعيّد. هو أتى بداية سنة 2020 في سياق تعويض نادية عكاشة التي كانت تشغل موقع مستشارة شؤون قانونية (وهي طالبة سابقة وزميلة لقيس سعيّد)، علاقته القوية بعكاشة التي أصبحت مديرة الديوان الرئاسي معلومة قبل التعيين في القصر ثم فيما بعد عندما وقع عليه الاختيار في وزارة الداخلية، وكان ينسق بشكل وطيد مع الديوان الرئاسي، خاصة أن مقاربة سعيّد للامن القومي كانت تجمع الشؤون العسكرية التي تتصل مباشرة بصلاحياته الدستورية المباشرة وأيضًا مجال الأمن الداخلي الذي لا يتصل بالضرورة إجرائيًا بصلاحيات الرئيس لكن من الواضح أنه يحرص ان تبقى ضمن مجال صلاحياته.  

ليس للمشيشي أي نفوذ خاص أو تجربة كبيرة في السياق الأمني لكن الأشهر الاخيرة جعلته في المربع الأمني للرئيس. ولعبت الظروف أن يكون الرئيس في الأسابيع الأخيرة وخاصة منذ تزايد التوتر في السياق الليبي وأيضًا التوتر في ولاية تطاوين، للتذكير أغلبها "منطقة عسكرية" بين الحدود الليبية والجزائرية، وخاصة والأهم أيضًا وفي علاقة بذلك التوتر مع حركة النهضة وحليفها ائتلاف الكرامة. لن نذيع سرًا أن ملف حركة النهضة بدأ منذ فترة في التحول في ذهن الرئيس من كونه ملف سياسي إلى ملف أمني، خاصة في علاقة بشكوك حول دورها في "تأجيج الوضع"، كما تذكر مصادر أمنية، في الجنوب. 

لن نذيع سرًا أن ملف حركة النهضة بدأ منذ فترة في التحول في ذهن الرئيس من كونه ملف سياسي إلى ملف أمني

اقرأ/ي أيضًا: المسرحية التي أفسدها رئيس الجمهورية

لا أتقاسم بالضرورة خلاصات الرئيس خاصة أني لا اتحوّز على ذات التقارير التي بحوزته، لكن من الواضح أنه لا يمكن لنا فهم أي من خطواته وأفقه السياسي بدون هذا الشرخ العميق مع "النهضة" وحليفتها الكرامة، وهو شرخ ناتج عن تآكل متصاعد في الثقة بينهما خاصة منذ اختيار إلياس الفخفاخ في تشكيل الحكومة وتحديد هويتها بعيدًا عن تصور النهضة. ومن الواضح أن دور "النهضة" في إسقاط حكومة الفخفاخ يتم النظر إليه من قبل قيس سعيّد أنه جزء من خطة أشمل لضرب "استقرار مؤسسات الدولة"، وليس له علاقة بتهمة تضارب المصالح، ويتم الاستدلال بترشيح النهضة لفاضل عبد الكافي المتهم سابقًا بتضارب المصالح كدليل على أن السبب الحقيقي لسحب الثقة من الفخفاخ ليس له علاقة بشهات الفساد. 

لن أذيع سرًا أيضًا ولن اكشف معطيات سرية إذا قلت إن تصور الرئيس في الإقليم خاصة في الملف الليبي هو مقياس لفهم تصوره للداخل، خاصة في علاقة بالاصطفافات الإقليمية. ولعل أهم زاوية لفهم ذلك هو تقريبًا التطابق الكامل بين الرؤية التونسية والجزائرية في تصور الوضع في ليبيا. وطبعًا الجزائر اختارت موقعًا وسطًا يأخذ مسافة من كلا المحورين الرئيسين المتصارعين في ليبيا، أي المحور التركي من جهة والإماراتي-الفرنسي من جهة أخرى.

 تصور الرئيس في الإقليم خاصة في الملف الليبي هو مقياس لفهم تصوره للداخل

ومن أهم نقاط التباعد كانت مكالمة رئيس البرلمان والنهضة راشد الغنوشي لحكومة السراج لتهنئتها بالسيطرة على قاعدة الوطية، وهو الأمر الذي نظرت إليه قرطاج بكونها تجاوز لخط أحمر، ليس فقط في تصدر موقف "مصطف" في الشأن الليبي مختلف عن الموقف الرسمي لسعيّد بل أيضًا لما يمكن أن يعتبره قيس سعيّد من "تدخل سافر" في صلاحياته. وما من شك أن نقد "النهضة" بشكل علني لخيارات وتصريحات الرئيس في الملف الليبي علاوة على الحملة الواضحة لصفحات تتبعها في وسائل التواصل الاجتماعي عمقت هذا الشرخ.

نتجه الى توازن جديد، بين الرئيس والنهضة، من غير الواضح بعد إن كان سيتجه لوضع كل الأحزاب في مواجهة قرطاج بعد، خاصة إذا تم المضي مثلما تشير بعض المصادر الجدية أننا بصدد حكومة يسيطر عليها تمامًا أو في الأغلب مستقلون، وبدون هوية سياسية حزبية. من دون شك المواجهة بينه والنهضة ستؤدي في النهاية لإضعاف المنظومة الحزبية برمتها سواء كانت مع أو ضد النهضة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تترنح الديمقراطية في تونس؟

أزمة تونس.. أجراس اللاعودة