الإنسان والمجال المكورن
29 مارس 2020
مقال رأي
منذ اجتياح فيروس "كورونا" للأرض، تغيّرت رؤية الإنسان للعالم وانقلبت معها جملة من المفاهيم أهمها ما يتعلّق بتصوّرنا للمكان وعلاقة الإنسان به. إذ خلت الشوارع من أهلها وترك الناس القفار وعاء للمكان خوفًا من فيروس مهدد للبشرية. فصار الفعل في المكان حياة للفيروس ومماتًا للإنسان أما الكفّ عن فعل فيه فيعني حياة الإنسان وممات الفيروس.
وهنا نشهد انقلابًا مفهوميًا في علاقة المرء بالمكان، وهو انقلاب تصوري بالأساس يتمثل في حلول الدلالات الهامشية بديلًا عن الدلالات الطرازية. فالفعل والحركة يرمزان عادة للحياة وغياب الفعل والسكون يرمزان للموت. في الزمن الفيروسي، تنقلب الرمزيات فيصير السكون حالة منتجة للحياة وتصير الحركة حالة منتجة للموت.
لم يغيّر الفيروس فقط طريقة تعاملنا مع المكان بل غيّر تصورنا للمكان نفسه، إذ ارتبط الكفّ عن الفعل بكفّ المكان عن التمايز
لم يغيّر الفيروس فقط طريقة تعاملنا مع المكان بل غيّر تصورنا للمكان نفسه، إذ ارتبط الكفّ عن الفعل بكفّ المكان عن التمايز. إذ عادة ما نميّز المكان عن طريق الاسم العلم. ويمثّل فعل التسمية شرطًا ضروريًا للسيطرة على المكان وتملّكه تصوريًا، فكل مكان محدّد بحدود التسمية.
اقرأ/ي أيضًا: أزارقة الإعلام أو التكفيريون الجدد
في الزمن الفيروسي، تكفّ تسمية المكان عن إنتاج المعنى. فكل الأمكنة قد صارت متشابهة وسقطت حدودها. في زمننا الوبائي، أضحى كل مكان مجالًا "مكورنًا" أو قابلًا لـ"الكورنة" أو يعتقد في قابليته لـ"الكورنة". كان الوباء سببًا لانهيار حدود المكان. فمهما اختلفت الأطر والمواضع متسعة كانت أو ضيقة، منفتحة أو مغلقة، مقدّسة أومدنّسة تبقى جميعها واحدة في الشبه تتفق في سمة الكورنة. فيُحجب حق الاختلاف في المكان ليكون مجالًا متشابهًا مكرارًا حاضنًا ومنتجًا للفيروس وهو ما يعني أن الفيروس قد أفقد الإنسان سيطرته على الفضاء المحيط به ليجتاحه عدو لامرئي.
إن الإحساس بفقدان السيطرة يعود لاكتساح الفيروس لتصوراتنا، فأينما حللنا وحيثما نظرنا نرى شبح الفيروس. هذا الفيروس الذي عطّل قابليّة التوقّع لما سيأتي، فمستقبل المفهوم هو ما سيكون عليه. وهذا يفترض أن ما سيكون قد كان معروفًا كائنًا في تجارب تصورية سابقة مكّنت الحاضر من توجيهه في كيفيّة المُضيّ فجعلت بذلك الكون المستقبلي ممكنًا.
في الزمن الفيروسي، حُطّم إمكان توقّع الخلاص وإمكان المعرفة، وحده عدد الوفيات والإصابات قابل للتوقّع بمعايير الأمس أما مآل الفيروس وفعله في الجسد الإنساني بما هو وعاء فيروسي يصبح غير قابل للتنبّؤ. وهو مايعبّر عن هشاشة الوضع الإنسانيّ الراهن. ففعل إخلاء المكان يعبّر بجلاء عن الخوف المعولم لما سيأتي.
وحده عدد الوفيات والإصابات قابل للتوقّع بمعايير الأمس أما مآل الفيروس وفعله في الجسد الإنساني بما هو وعاء فيروسي يصبح غير قابل للتنبّؤ
إنّ حدث إخلاء المكان لا يدل فقط على إفراغه من الازدحام والحركة بل إفراغه أيضًا من معانيه المادية والرمزية السابقة لزمن الكورونا ليُملأ بدلالات جديدة مختلفة. إن إخلاء المكان دليل على غياب الأمان حيث يصبح التنقل بكل حرية خطرًا على الإنسان. فيترك المرء الفضاء العام ليركن في بيته حيث ينعم بالطمأنينة والأمن المفقود. البيت ملاذنا وسبيل خلاصنا. ولكن هل البيت بمنأى عن الفيروس ؟ الجواب بالتأكيد لا. إذ قد يخترق الزائر الغريب بيتك دون استئذان وتنشره أينما حللت في غرفه دون علم.
في الزمن الفيروسي، يمكن أن يُهدّ أمن البيت وتختفي رمزيته المعتادة. يصير المرء محاصرًا في غرفته وحيدًا إلى أن يَهزم الفيروس أو أن ينتظر هزيمته. أليس الوضع مأساويًا؟
قد يكون الفيروس فرصة للتفكير وإعادة النظر في ذواتنا وعالمنا. فالتفكير يبدأ بالسؤال في انتظار ما ستحمله الأيام من أجوبة قد تأتي وقد لا تأتي.
اقرأ/ي أيضًا:
الكلمات المفتاحية

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا
"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

تعرّف على الطرق المقطوعة بسبب الأمطار في تونس
أصدرت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، بلاغًا تحذيريًا محينًا، دعت من خلاله كافة مستعملي الطريق إلى توخي الحذر، على خلفية تسجيل انقطاعات في حركة المرور بعدد من الطرقات، وذلك نتيجة التقلبات الجوية الأخيرة وما نجم عنها من تراكم لمياه الأمطار وفيضان بعض الأودية
