"إلياس الفخفاخ أمام شبهة تضارب مصالح".. القصة الكاملة

مواقف مختلفة من تخلي الفخفاخ عن أسهمه (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

ما بدا أنه مجرد سؤال ضمن مقابلة تلفزيونية تحوّل خلال أيام قليلة إلى شبهة تضارب مصالح لرئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ. سرعان ما اجتمع حولها متدخلون عدة في الشأن السياسي التونسي، تأكيدًا أو نفيًا، وواجهها سريعًا الفخفاخ بالإعلان عن تخليه عن أسهمه في شركة ضمن مجمع للشركات يتعامل مباشرة مع الدولة، لكن ما اعتبره البعض تجسيدًا بليغًا للديمقراطية في تونس، رأى آخرون أنه ليس إلا منطلقًا للبحث في ملف شبهة تضارب مصالح لا يزال قائمًا للرجل الأول، من حيث الصلاحيات، في الحكم تونسيًا.  


بالعودة للبداية، يتعلق الأمر بسؤال طرحه الإعلامي بوبكر بن عكاشة خلال مقابلة تلفزيونية مع رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، ليل الأحد الماضي، حول حقيقة امتلاكه أسهمًا في إحدى الشركات المتعاملة مباشرة مع الدولة في قطاع البيئة. كان رد الفخفاخ موجزًا بتأكيد الأمر ونفي شبهة تضارب المصالح. وكان مرور المذيع سريعًا لباقي الأسئلة. لكن الساحة السياسية والإعلامية التونسية، إبان ثورة 2011، اعتادت أن لا تمرر هذه المسائل بسرعة وببساطة. 

  • نائب بالبرلمان يكشف تفاصيل الشركة..

التقط النائب بالبرلمان عن حركة "أمل وعمل" ياسين العياري ما ذُكر عن شبهة تضارب مصالح تخص رأسًا رئيس الحكومة وبحث عن الشركة المعنية ونشر، يوم الخميس 18 جوان/ يونيو 2020، على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وكذلك في حصة تلفزية في ذات اليوم ليلاً، تفاصيل أخرى عن الموضوع. 

ذكر النائب ياسين العياري أن "رئيس الحكومة الحالي إلياس الفخفاخ وعند مغادرته الحكومة سنة 2014، وقد كان يشغل منصب وزير المالية، أسندت له حينها شركة فرنسية توكيلاً بهدف توفير صفقات لها مع الدولة التونسية". وأوضح العياري أنه، إثر ذلك، "تم إحداث مجمع يضم هذه الشركة الفرنسية وشركة أخرى وأيضًا شركة لإلياس الفخفاخ أسهمًا فيها، وذلك لنفس الغاية أي الحصول على صفقات مع الدولة"، وفق ذات النائب. 

النائب العياري: "رئيس الحكومة الحالي وعند مغادرته الحكومة سنة 2014، وقد كان يشغل منصب وزير المالية، أسندت له حينها شركة فرنسية توكيلاً بهدف توفير صفقات لها مع الدولة التونسية"

وقال العياري إنه "في 2017، تم الترفيع في رأس المال وصار للفخفاخ حينها ثلثي الشركة التي يملك فيها أسهمًا"، مؤكدًا أن "لهذا المجمع مشروع وحيد وهو الخاص بالنفايات مع الدولة التونسية، وتقدر قيمته بحوالي 23 مليار، ومن اللافت أن هناك حريفًا واحدًا وهو الدولة"، وفق ذات النائب دائمًا.

في هذا السياق، تحدث النائب العياري، في حصة تلفزية في قناة قرطاج + الخاصة "اليوم إلياس الفخفاخ هو رئيس الحكومة، أي هو رئيس الإدارة التونسية وهو أيضًا يملك أسهمًا في شركة تتعامل مع الدولة وأي ربح تحققه الشركة يعود له شخصيًا وله مصلحة خاصة في ذلك".  

وقد عرض ياسين العياري، على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، وثائق قال إنها تثبت ما ذكره، واعتبر أن "في ما قام به رئيس الحكومة شبهة تضارب مصالح وإثراء غير مشروع"، ونشر على صفحته أيضًا الشكاية الجزائية التي تقدم بها ضد رئيس الحكومة، وكل المراسلات التي قام بتوجيهها للفخفاخ ومحمد عبو، وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، وشوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

 

  • ماذا يقول القانون؟.. أو جدل الفصل 20

يُعرّف القانون عدد 46 لسنة 2018 المؤرخ في 1 أوت/ أغسطس 2018 والمتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، تضارب المصالح بـ"الوضعية التي يكون فيها للشخص الخاضع لأحكام هذا القانون مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة يستخلصها لنفسه أو لغيره، تؤثر أو من شأنها أن تؤثر على أدائه الموضوعي والنزيه والمحايد لواجباته المهنية".

وقد فسره شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، المكلفة بمراقبة تطبيق هذا القانون، خلال حضوره في إذاعة شمس الخاصة صباح الجمعة 19 جوان/ يونيو الجاري أنه "لا يجب وفق التعريف أعلاه أن يكون رئيس الحكومة أو أي وزير فيها وكيلًا لشركة أو يحمل أسهمًا في شركة تؤثر على قراره وهو بصدد ممارسة صلاحيته الحكومية".  

وأوضح الطبيب أن "رئيس الحكومة قد صرح بمكاسبه ومصالحه وفق ما ينص عليه القانون المذكور أعلاه، إذ لا يمكن له مباشرة عمله لو لم يقم بالتصريح كما هو الحال بالنسبة لباقي الوزراء في الحكومة"، مضيفًا "الهيئة مطالبة بنشر مضمون التصريح، وهي تنتظر أمرًا حكوميًا للقيام بذلك، ولكنها أيضًا ملزمة بالتقصي في صحة التصريح الذي قام به رئيس الحكومة"، وهو ما أكد الطبيب أنه تم العمل عليه لكن غموضًا حول تأويل الفصل 20 من القانون عدد 46 لسنة 2018 حال دون اتخاذ أي قرارات. فما قصة الفصل 20؟

قبل الفصل 20، من الضروري التذكير بالفصل 18 من القانون عدد 46 لسنة 2018 والذي ينص أنه "يجب على الأشخاص المشار إليهم بالأعداد1 و2 و4 و6 و8 من الفصل 5 من هذا القانون في صورة امتلاكهم لأسهم أو حصص شركات أو في صورة إدارتهم لشركات خاصة يمتلكون رأسمالها كليًا أو جزئيًا، تكليف الغير بالتصرف فيها في أجل أقصاه شهران من تاريخ تعيينهم أو انتخابهم بحسب الحال وإلى غاية زوال الموجب. تخضع إحالة التصرف المنصوص عليها بالفقرة الأولى من هذا الفصل لمراقبة الهيئة التي يتمّ إعلامها بالإجراءات التي وقع اتخاذها تطبيقًا لأحكام هذا الفصل". وقد انضبط رئيس الحكومة التونسية لهذا الفصل.

ذهب رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب إلى إقرار وجود "تضارب في المصالح"، قائلًا "أساند أن يتخلى رئيس الحكومة عن هذه الأسهم"

الجدل كان أساسًا حول الفصل 20 والذي ينص أنه "مع مراعاة أحكام الفصل 18 مـن هـذا القانون، يحجر على الأشخاص المشار إليهم بالأعداد 1 و2 و3 و6 و7 من الفصل 5 من هذا القانون، أثناء ممارسة مهامهم التعاقد بغاية التجارة مع الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسّسات والمنشآت العمومية. ويحجّر على باقي الأشخاص المشار إليهم بالفصل 5 من هذا القانون، أثناء ممارسة مهامهم، التعاقد بغاية التجارة مع الهياكل التابعين لها".

فتح هذا الفصل جدلًا: هل يقصد بالحجر الشخص الطبيعي فقط أي أنه يُحجر على رئيس الحكومة في شخصه أن يتعاقد بغاية التجارة مع الدولة وباقي الأطراف المذكورة أو أن القصد يشمل "شخصًا معنويًا" أي شركة مثلًا لرئيس الحكومة أسهمًا فيها وهي تتعامل مباشرة مع الدولة. 

تعددت المواقف من هذا الفصل، إذ سبق لمحمد عبو، وزير الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، أن راسل منذ فترة وجيزة هيئة مكافحة الفساد حول نائبين، طالبًا أن تتوقف عقود شركاتهم مع الدولة في مجالات الأدوية والفسفاط نظرًا لشبهة تضارب مصالح بحكم عملهما البرلماني، بينما لم يتدخل عبو علنًا على الأقل، وهو المقرب من رئيس الحكومة الحالي إلياس الفخفاخ، في ملف الشركة التي يملك الأخير أسهمًا فيها وهي تتعامل مع الدولة في المجال البيئي. 

في المقابل، ذهب رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، عند سؤاله على إذاعة شمس الخاصة، إلى إقرار وجود "تضارب في المصالح"، قائلًا "أساند أن يتخلى رئيس الحكومة عن هذه الأسهم" وموضحًا أن أمام الهيئة مساران إما "انتظار منشور تفسيري للفصل 20 من قبل الحكومة لحل الجدل نهائيًا ومن لا يناسبه تأويل الحكومة يلجأ للمحكمة الإدارية للتقاضي، أو أن تتحمل هيئة مكافحة الفساد مسؤوليتها وتصدر قرارًا بما تراه صالحًا وفق تقديرها". 

  • رئيس الحكومة يتخلى عن أسهمه..

لم يترك رئيس الحكومة لرئيس هيئة مكافحة الفساد وقتًا للاختيار. في ظهر ذات اليوم الجمعة 19 جوان/ يونيو الجاري، تدخل العياشي الهمامي، الوزير المكلف بحقوق الإنسان والهيئات الدستورية والمجتمع المدني، براديو "موزاييك أف أم"، حول شبهة تضارب المصالح المتعلقة بالفخفاخ. وأعلن أن "رئيس الحكومة هو عضو مجلس إدارة ووكيل ومالك أسهم بمجمع للشركات"، وأنه انطلق رسميًا في ذات اليوم في إجراءات التخلي عن أسهمه في المجمع المذكور.

وأكد الهمامي أن رئيس الحكومة قد قام بالتصريح بمكاسبه كباقي أعضاء الحكومة قبل الانطلاق في تولي مهامه الحكومية، وتخلى عن مهام التسيير بالمجمع منذ فترة، بينما بقي الخلاف حول أسهمه في المجمع المحددة بـ22 في المئة وقد كلّف اليوم من يتولى إجراءات الإحالة أو التفويت فيها. إذًا هل انتهى الخلاف وزالت شبهة تضارب المصالح؟

  • استحسان ومطالب وتساؤلات أيضًا..

لا يبدو أن الجدل حول هذه القضية سيتوقف اليوم وإن استحسن كثيرون على منصات التواصل الاجتماعي توجه الفخفاخ نحو التخلي عن أسهمه في هذه الشركة. لكن النائب الذي رفع قضية في الغرض، ياسين العياري، سارع بالتفاعل على حسابه الرسمي في موقع فيسبوك، معتبرًا أن "تخلي الفخفاخ عن أسهمه إقرار بوجود تضارب في المصالح وأن الأمر قد تم بعد المهلة المحددة لذلك (60 يوماً منذ تسلمه مهامه)". 

وأشار إلى أنه "في حال لم تنبه هيئة مكافحة الفساد رئيس الحكومة، فهو مطالب بأن يعرف القانون وأن يمتثل له ويستحق العقاب حين يخالفه"، مضيفًا "لن أطالب إلياس الفخفاخ بالاستقالة، ذلك معهود إليه وباحترامه لنفسه وللتونسيين. فقط سأسعى لأن يحاكم محاكمة عادلة، ككل تونسي يخالف القانون ويحقق إثراء غير مشروع، لعل هذا يساهم في تغيير العقليات.. والتأسيس الحقيقي لتساوي الجميع أمام القانون".

النائب العياري: "لن أطالب إلياس الفخفاخ بالاستقالة.. فقط سأسعى لأن يحاكم محاكمة عادلة، ككل تونسي يخالف القانون"

وختم "الموضوع الآن امتحان للقضاء والهيئات الرقابية" وأنه سيعود إليه في صورة وجود تطورات، معلنًا أنه بدأ العمل مع فريقه عن أسئلة مهمة منها ظروف إسناد العقود لشركة إلياس الفخفاخ.

وقد ذهب الإعلامي والناشط السياسي برهان بسيس إلى رأي مشابه، إذ قال إن ما تم تطبيقه سابقًا على نائبين في مجلس نواب الشعب كان يجب أن يطبق أيضًا على شركة/ شركات رئيس الحكومة، كما سخر من فرضية التفويت في الأسهم لأحد أقارب رئيس الحكومة، معتبرًا أنها "عملية شكلية لا معنى لها وأن الحكومة تتلقى أهدافًا متكررة في مرماها مؤخرًا وفي وقت وجيز".

في المقابل، ساند نشطاء توجه رئيس الحكومة نحو التفويت في أسهمه. ومن بينهم معز عطية، الناشط في المجتمع المدني، الذي كتب على حسابه في موقع فيسبوك أن ما حصل "درس من دروس دولة القانون والمؤسسات التي لا يُفوت البعض فرصة لجلدها وجلد دستورها وقوانينها ويتلخص الدرس في: العمل الرقابي الذي يمكن أن يقوم به النائب وقام به النائب ياسين العياري، هيئة وطنية مستقلة عملت بكل استقلالية وحيادية، رئيس حكومة يمتثل ويستجيب لقرارات هيئة وطنية مستقلة وإعلام يخوض في كل المواضيع بكل استقلالية.. تحيا ثورة البرويطة".

معز عطية، ناشط بالمجتمع المدني: ما حصل درس من دروس دولة القانون والمؤسسات التي لا يُفوت البعض فرصة لجلدها وجلد دستورها وقوانينها

في سياق متصل، دعا الجامعي والباحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس زهير إسماعيل إلى دعم رئيس الحكومة، معتبرًا أن "الحكومة اليوم مهدّدة بالسقوط إذا اختار رئيسها الاستقالة. وحتى إن أمكن تلافي هذا بتخلّيه عن نصيبه من الشركة المذكورة، فإن الضرر قد حصل وهو ضرر غير هيّن"، وفق تقديره. 

وأوضح موقفه ".. من جهة أخرى هناك بوادر أن تتحوّل محاربة الفساد إلى "حرب داخلية" بين قوى الائتلاف الحكومي، لـ"إثبات المبدئية" وهي حرب لو انطلقت لن تبقي ولا تذر. لا انتقاء في محاربة الفساد حتى وإن كان حليفًا ولا تزحزح عن الموقف المبدئي ولا عن المهمة، ولكن لا بد من سياسة في هذه الحرب وخطة تراعي كل هذا وتضبط الملفات وترتّب حجمها ودرجة خطورتها ومواقعها وبرنامج مواجهتها".

بغض النظر عن تعدد المواقف من مسار هذه القضية، تُطرح أسئلة عدة حول القانون عدد 46 لسنة 2018 الخاص بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وحول مدى تطبيقه خاصة مع غياب المنشور الخاص بنشر مضمون تصاريح المسؤولين في الدولة للعموم إلى حد الآن رغم مرور زهاء سنتين منذ تفعيل القانون.

تُطرح أسئلة أخرى حول أسباب صمت هيئة مكافحة الفساد أمام وضعية رئيس الحكومة رغم مرور أشهر منذ توليه لمهامه منذ فيفري/ شباط الماضي. كما تتعدد الأسئلة حول حجم الشفافية في هذا الملف، إذ أن نائبًا بإمكانياته الخاصة تفطن لهذه الشركة وهو ما لا ينفي فرضية اكتساب رئيس الحكومة أسهمًا في شركات أخرى تتعامل مع الدولة ولم يتم التفطن لها بعد، كما لا تغيب الأسئلة حول توقيت الكشف عن هذه الشركة في علاقة بمحاولات البعض لتهديد "أمن حكومة الفخفاخ"، وهي تهديدات تتنوع مصادرها وقد تكون حتى من داخل الائتلاف الحكومي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الائتلاف الحاكم في تونس… تصدع ومحاولات ترميم

ماذا وراء الدعوات لحل البرلمان وإسقاط الحكومة في تونس؟