ألا يشعر حكامنا بالغيرة؟

ألا يشعر حكامنا بالغيرة؟

تحتاج تونس إلى سنوات طويلة من الإصلاح على مختلف المستويات (Getty)

 

مقال رأي

 

رحلة طويلة جدًا يجب أن تقضيها على متن طائرة للوصول إلى العاصمة الأمريكية، واشنطن، 8 ساعات كاملة ستشاهد فيها أكثر من فيلم وتستمع فيها إلى كل ما يحتويه هاتفك من موسيقى، ثم تتجاذب أطراف الحديث مع زميلك في المقعد مرات كثيرة قبل أن تحط الطائرة في مطار "دالاس".

كان فارق التوقيت قد بدأ بطريقة خفية يؤثر في جسدي المتعب زد عليه درجة الحرارة التي ساعدت الأشجار المنشرة بشكل كبير في محيط المطار في تخفيفها ولو قليلًا. كنت أتوق إلى القيام بجولة في عاصمة أعظم دولة في العالم رغم هذا الإرهاق العظيم، وصلنا الفندق وبسرعة رميت حقائبي على سرير الغرفة ونزلت لأرمي بنفسي في شوارع واشنطن.

بعد أكثر من ساعتين من التجوال، لم أشعر بالتعب ولكن خرجت بخلاصات عديدة وبسيطة، في آن واحد، أهمها أن زهاء نصف الأشخاص في الشارع تراهم وهم بصدد ممارسة الرياضة أو الذهاب إلى ممارستها أو العودة بعد ممارستها. تجوال لساعتين كاملتين لم يسعفني خلالها الحظ لرؤية شخص واحد يدخن سيجارة حتى أن الوضع دفعني إلى الانطواء في مكان متوارٍ لتدخين واحدة، والاحتفاظ بأعقاب السجارة في حقيبتي لأن حاويات الفضلات لا تتواجد إلا في أماكن محددة لمنع انتشار الفضلات في كل مكان. وقد بدا البلد متطورًا، على المستوى التكنولوجي، لدرجة عدم إمكانية اشتراء أشياء أو الاقتناء من محلات بسبب عدم امتلاك بطاقة بنكية.

 بدا البلد متطورًا، على المستوى التكنولوجي، لدرجة عدم إمكانية اشتراء أشياء أو الاقتناء من محلات بسبب عدم امتلاك بطاقة بنكية

كان الجو حارًا والمدينة تعجّ بأناس من مختلف الجنسيات في العالم، تجولت قليلًا في إحدى الحدائق الجميلة قبل أن أختار مقعدًا يقابل مقر أكبر صحف العالم، "واشنطن بوست"، لأريح جسمي المتعب. وبعد دقائق، جلس بجانبي رجل قارب الستين من العمر، وكان يتنفس بعمق وتعلو وجهه سمرة خفيفة حركت فيّ جينات إفريقية، وعلمت لاحقًا أنه من أصول إفريقية وأن والده من إريتريا، وقد أتى إلى الولايات المتحدة من أجل العمل. لم يتبق لعمر، اسم صديقي الجديد، سوى 3 سنوات لنيل التقاعد لكنه قرر تأهيل نفسه والتحضير إلى مرحلة ما بعد التقاعد منذ الآن.

أخبرني أنه بدأ منذ شهرين بالعمل كسائق ذلك أن جراية التقاعد قد تضمن له حياة رائعة ولكن لا تستطيع أن تمنعه من مقاومة روعة العمل كما يقول، مضيفًا "أنا أعمل من أجل أن أحيا، لا أريد أن أستكين للراحة وأنا لا أزال بصحة جيدة". تحدثنا مطولًا عن مواضيع كثيرة لكن في النهاية اعتذرت لعمر عن أنجليزيتي التي لم تكن مثالية لكنه لم يغادر قبل أن يجعلني أقتنع بطريقته الخاصة أن إجادتي للغة الأنجليزية جيدة جدًا وتؤهلني لإلقاء خطاب في الكونغرس، كما يقول.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا تمتلك القصرين خالًا مثل حسيب بن عمار؟

عند زيارة البيت الأبيض، لفتت انتباهي خيمة ملونة منتصبة في إحدى زوايا الساحة العامة وقد تزينت بصور عديدة إضافة إلى كلمات مكتوبة بعدة لغات، هي خيمة تعود لامرأة معتصمة أمام البيت الأبيض منذ 30 سنة، وقد مر عليها أكثر من 5 رؤساء لم يحاول أي منهم طردها. وعلمت أن هذه المرأة تُوفيت منذ سنوات لكن ابنها قرر مواصلة مسيرة الاعتصام، كما قرر البيت الابيض ترك الخيمة كدليل على حرية التعبير.

غير بعيد عن هذه الخيمة، يحمل رجل، عربي الوجه حافي القدمين وغريب الأطوار، لافتة كبيرة كُتبت عليها آيات من القرآن الكريم. يتحرك الرجل بطريقة تجلب الأنظار ويرتل الآيات المكتوبة على اللافتة، وفي كل مرة ينتهي من الترتيل يعود بنظره نحو البيت الأبيض. حركات احتجاجية تراها في محيط البيت الأبيض، وإن كان القسم الأكبر من المتواجدين منهمكون أساسًا في التقاط صور لهم في وضعيات مختلفة.

أخبرني رجل حلّ موعد تقاعده أنه بدأ منذ شهرين بالعمل كسائق ذلك أن جراية التقاعد قد تضمن له حياة رائعة ولكن لا تستطيع أن تمنعه من مقاومة روعة العمل كما يقول

يعطي الأمريكيون لتجاربهم أهمية كبيرة، ويحاولون من خلال التماثيل والأبنية التي يشيدونها إبقاءها حاضرة في مخيلة المواطن، نصب تذكاري لمن يعتبرونه أعظم رئيس مر على الولايات المتحدة أبراهام لينكولن، وقبالته غير بعيد عنه "نصب واشنطن" وهو عبارة عن مسلة ضخمة مشيدّة تكريمًا لجورج واشنطن، وإلى يساره بأمتار قليلة حديقة كبيرة جدًا يتوسطها حائط مغلف بالزجاج كتب عليه أسماء جميع الجنود الأمريكيين الذين قضوا في حرب الفيتنام. وهذا دون الحديث عن مبنى الكونغرس الذي يعتبر من أهم المعالم التاريخية وذلك إضافة إلى نصب تذكارية أخرى عديدة.

أنت لست مضطرًا إلى معرفة جميع تفاصيل العاصمة واشنطن أو الاطلاع على جميع معالمها، أو أن تتجول في جميع شوارعها وأنهجها لتعرف أن الذين حكموا تونس قد فوتوا الفرصة على أجيال مضت وأخرى تمضي فرصة للعيش في بلد ديمقراطي حر وقوي. هو شعور يباغت أي تونسي يتجول في أي شارع من شوارع الدول المتقدمة ما يدفعه دائمًا لطرح سؤال بعينه "هل صعب أن نحقق ما حققوه؟".

فوّت حكام تونس على مر عقود الفرصة على أجيال مضت وأخرى تمضي فرصة للعيش في بلد ديمقراطي حر وقوي

بيد أن السؤال الأهم الذي يرمي بنفسه وسط كل هذا الإحباط، وعلى الاعتبار المؤكد أن الذين حكمونا قديمًا ويحكموننا اليوم قد زاروا دولًا ديمقراطية، هو ألم يشعروا ولو قليلًا بالغيرة؟ ألم يدفعهم ما شاهدوه من تقدم إلى المضي قدمًا في تجربة الإصلاح؟ هل الأمور عسيرة إلى هذا الحد؟ بيد أن الذي لا لبس فيه أن تونس تحتاج إلى سنوات طويلة من الإصلاح على مختلف المستويات.

بالنهاية، تحتفل الولايات المتحدة هذه الأيام بمرور 50 سنة على نزول قدم نيل أرمسترونغ على سطح القمر فيما لا يزال يحتفل فنان عربي باقتسام القمر بعد أغنيته التي أطلقها قبل سنوات "تيجى نقسم القمر أنا نص وأنت نص".

 

اقرأ/ي أيضًا:

التونسي مواطن تفرّق دمه

كيف اخترقت التكنولوجيا المجال النسوي المغلق؟