هل تبيح عدم عذرية الزوجة طلب الطلاق لدى المحاكم التونسية؟ (تحليل قانوني)

هل تبيح عدم عذرية الزوجة طلب الطلاق لدى المحاكم التونسية؟ (تحليل قانوني)

تكتسي عذرية الفتاة أهمية بالغة في الموروث المجتمعي والثقافي (Getty)

الترا تونس - فريق التحرير

 

لا يكتسي غشاء البكارة لدى الفتاة أي فاعلية في العملية الجنسية فهو دون أهمية فسيولوجيّة أو بيولوجيّة مثله مثل الزائدة الدودية بوصف نوال السعداوي في مؤلفها "المرأة والجنس"، ولكنه يكتنز أهمية فائقة، إلى حد بعيد، في الموروث المجتمعي والثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية، ولذلك تحرص النسوة، على سبيل المثال، لضمان عذرية الفتاة قبل زواجها، ومنذ صغرها، باستعمال طرائق فريدة ومنها التصفيح.

وتولي الأديان، بدورها وفي عمومها، عناية للعذرية الجنسية من باب تحريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ويكون التبجيل للزوجة العذراء على نظيرتها الثيب لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث نقله أنس "للثيب ثلاث وللبكر سبع"، وهو ما طبّعه الشيخ عبد العزيز جعيّط (1886-1970) في مجلة الأحكام الشّرعية، التي سبقت مجلة الأحوال الشخصية، وبالخصوص في المادة 208 من الأحكام المالكية ونصها "إذا تعددت الزّوجات يقضي التي تزوجها على غيرها بسبع ليال متواليات أن كانت بكرًا يخصها بها وبثلاث ليال متواليات إن كانت ثيبًا يخصها بها ولا قضاء القديمة بمثل ذلك في نظير ما فاتها".

لا يكتسي غشاء البكارة أي فاعلية في العملية الجنسية لكنه يكتنز أهمية فائقة في الموروث المجتمعي والثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية

ولا يقتصر الحال على الدين الإسلامي، إذ يبيح مثلًا الروم الأرثوذكس، وهم طائفة من المسيحية، للزوج طلب التفريق إذا لم يجد زوجته بكرًا في يوم الزّواج، وكان يعتبر القانون البرتغالي فيما مضى، متأثرًا بالمسحة الدينية، عدم العذرية سببًا يبيح إبطال الزّواج.

وفي ذات السّياق، تنص المادّة 37 من شريعة الأقباط الأرثودوكس على إمكانية إبطال الزّواج "إذا وقع غشّ في شأن بكارة الزّوجة بأن ادّعت أنها بكر وثبت أنّ بكارتها أُزيلت بسبب سوء سلوكها أو خلوّها من حمل وثبت أنّها حامل". وتطبيقا لهذه المادّة، قرّرت دوائر الأحوال الشخصيّة المصريّة في إحدى قراراتها الصادرة في 28 ماي/آيار 2005 أنّ "الغشّ في بكارة الزّوجة يجيز إبطال الزّواج بتحقّق ادّعاء الزّوجة بأنها بكر ثم ثبوت خلاف ذلك وشرطه أن يرفع الزّوج دعوى ببطلان الزّواج خلال شهر من وقت علمه بالغشّ دون حصول اختلاط زوجي بين الطرفين من ذلك الوقت".

اقرأ/ي أيضًا: خاصّ: حقيقة الجدل حول "أول قرار قضائي في تونس يقبل الخيانة الإلكترونية"

وقد عرفت فرنسا قضية شهيرة أثارت الرأي العام حينما قدّم زوج فرنسي دعوى لإبطال الزّواج على أساس عدم عذرية زوجته سنة 2006، في دعوة سرعان ما أصبحت قضية رأي عامّ محليًّا ودوليًّا، وذلك بعد أن قضت محكمة البداية لصالح دعوته قبل أن تنقضه محكمة الاستئناف بطعن من وكيل الدّولة بطلب مباشر من وزيرة العدل رشيدة داتي.

وتتمثل وقائع القضية بأن الزّوج، وعمره 32 سنة، اكتشف ليلة زفافه بأن زوجته البالغ من العمر 25 سنة مفتضة البكارة، فقدم بتاريخ 26 جويلية/يوليو 2006 أي بعد 18 يوم من ليلة الزفاف دعوى لإبطال الزّواج لدى محكمة الدرجة الأولى بمدينة "ليل" على أساس تعيّب رضاه بسبب الغلط في صفة جوهرية لدى القرين وهي عدم عذرية الزّوجة. وقد قضت المحكمة بتاريخ 1 أفريل/نيسان 2008 لصالح الدعوى مبطلة الزّواج، وقد مثّلت الأصول المغاربية والديانة الإسلامية للزوجين عاملاً حاسمًا في اعتبار عدم العذرية صفة جوهرية منتظرة لدى الزّوجة لتقضي المحكمة بإبطال الزواج.

أثار حكم قضائي فرنسي عام 2006 بإبطال عقد زواج بين فرنسيين من أصول مغاربية لعدم عذرية الزوجة حالة من الجدل قبل نقض الحكم بتدخل من وزيرة العدل

لكن زلزل هذا الحكم القضائي الساحة الفرنسية وأثار عاصفة من الجدل انخرط فيها سياسيون ومثقفون ورجال دين، بل أخذت القضية بعدًا دوليًا حينما قدم 150 نائبًا من البرلمان الأوروبي عريضة احتجاج لوزيرة العدل رشيدة داتي، وهي مغربية الأصول مثل الزّوجين، لتتدخل وتطلب من وكيل الدولة تقديم طعن لدى محكمة الاستئناف لمصلحة القانون، وهو ما تمّ بتاريخ 3 جوان/يونيو 2008 لتصدر محكمة الاستئناف "دواي" قرارها في 17 نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السّنة بنقض الحكم الابتدائي الذي اعتبره مثقفون متعارضًا مع القيم الفرنسية والمساواة بين الجنسين والحريات والفردية.

ولا تعرف المحاكم التونسية قضايا في إبطال الزواج، إذ لا تُطرح مسألة فك العلاقة الزوجية إلا عبر الطلاق. وقد عرفت المحاكم التونسية فعلًا دعاوى طلاق للضّرر على أساس اكتشاف الزّوج عند الدخول عدم عذرية زوجته، وقد صدر حكم شهير في ستينيات القرن الماضي عن المحكمة الابتدائية بتونس، تفيد وقائعه أنّ زوجًا اِكتشف عند دخوله بزوجته أنّها مُفتضّة البكارة، فتقدّم بقضيّة في الطّلاق للضّرر على أساس أنّه اِشترط في عقد الزّواج أن تكون زوجته "بكرًا".

اقرأ/ي أيضًا: رحلة البحث عن الذات من "لينا" إلى "ريان".. ما رأي الطب الجنسي وعلم الاجتماع؟

وقد رجعت المحكمة إلى أحكام الفقه الإسلامي، فذكرت أنّه يعتبر أنّ "البكر هي التي لم يسبق لها الزّواج، بقطع النّظر عن كونها عذراء أم لا"، وأنّ "أغلبيّة آراء الفقهاء تتّفق على عدم اِعتبار الثّيوبة عيب تُرَدُّ به الزّوجة إلاّ أن يقع اِشتراط ذلك بلفظ صريح". وعلى أساس الاختلاف بين مفهومي البكر والعذرية، قضت المحكمة بعدم سماع الدّعوى. ولعلّه لو اشترط الزّوج العذرية لقضت المحكمة لصالحه، وهو ما يجد تأسيسه في الفقه الإسلامي من منفذ خيار الشرط.

حيث ذهب الفقه للقول بأن عدم البكارة لا تثبت حق الفسخ للزوج ما لم يكن قد شرطه في العقد، فالعذرية ليست عيبا تُرد به الزّوجة، ولم ترد في قوائم العيوب التي تفسخ العقد لدى مختلف المذاهب الفقهية الإسلامية. وفي هذا الإطار، يقول ابن عاصم: "الزّوج حيث لم يجدها بكرًا... لم يردها الا باشتراط عذرًا".

ودائمًا ما تؤكد المحاكم التونسية، على ضوء المذكور، على أن عذرية الزوجة ليست سببًا موجبًا للطلاق للضرر، وعليه من شاء أن يتزوج فتاة غير مفتضة البكارة ما عليه إلا طلب ذلك عبر خيار الشرط في العقد، وهو ما يصعب على الأزواج حقيقة طلبه على اعتبار أن طبيعة العلاقة الزوجية تتنافى وهكذا شرط صريح قد يُنظر إليه استنقاصًا من الفتاة أو عدم ثقة فيها.

وخيار الشرط هو أن يشترط أحد الزوجين على الآخر صفة ما، وقد كرسه الفصل 11 من مجلة الأحوال الشخصية ونصه "يثبت في الزواج خيار الشرط ويترتّب على عدم وجوده أو على مخالفته إمكان طلب الفسخ بطلاق من غير أن يترتّب على الفسخ أيّ غرم إذا كان الطّلاق قبل البناء".

لا يعدّ عدم عذرية الزوجة سببًا موجبًا للطلاق وفق المحاكم التونسية ومن شاء أن يتزوج فتاة عذراء عليه طلب ذلك عبر خيار الشرط في العقد

إضافة لذلك، لم تعد العذرية ممّا ينتظره الزّوج في زوجته في زمن غلبت فيه الحريّة الجنسية، وأصبحت العلاقات الجنسية قبل الزّواج بالنّسبة للجنسين ليست بغريبة بل وتلقى قبولًا متصاعدًا في المجتمع، خاصة وأن المشرّع لا يجرّم العلاقات الجنسية الرضائية بصفة مبدئية.

والزّوجة قد تكون مفتضة البكارة ليس لوطء سابق بل لحادث، وقد لا تعلم الزّوجة بذلك حينما تظّن أنه دم حيضة، كما أن العذرية لا تثبت بالضرورة بتمزّق غشاء البكارة ونزول الدّم إن كان غشاء البكارة سميكًا وغيره.

ولعلّ المشرّع قد لا يكون حريصًا على العذرية بل قد يعطلها، ففي الجزائر أين تنتشر الكشوفات الطبية لإثبات العذرية، قرّرت دائرة الطب الشرعي عام 2016 تجميد منح شهادات العذرية للفتيات المقبلات على الزّواج.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تونس: الجنس متاح لمن استطاع إلى "اللّوكال" سبيلًا..

ضحايا الاغتصاب في تونس.. قصص الوجع الدائم