نساء مستقلات: لقد أصبحنا الرجال الذين كنا نريد أن نتزوج!

نساء مستقلات: لقد أصبحنا الرجال الذين كنا نريد أن نتزوج!

زاحمت الرجل في أدواره حتى أصبحنا نرى رجلًا مستقيلًا (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

يخاف الرجال من النساء القويات لأن النساء القويات لا يحتجن إلى الرجال!


"المرأة مخلوق مليء بالحنان والرقة.. عندما يشاء"، قالها أحد فلاسفة القرون الوسطى، لكن شاءت الأقدار أن تتحوّل المرأة إلى مخلوق مليء بالصلابة والقوّة في مجتمع فرض واقعه ونمطه عليها.

نراها فجرًا تملأ محطات الحافلات للتنقّل نحو عملها بعد أن أمضت سويعات وهي تهيئ منزلها وتطبخ طعامًا لرجل اختار الاعتماد عليها ليقتات هو وصغاره.

نراها عصرًا تسارع الزمن لالتقاط أطفالها من المدرسة وإيصالهم إلى البيت بعد عناء يوم أمضته في العمل. نراها ليلًا تدرّس، وتطبخ، وتكوي وترتّب بقايا فوضى تركها الأب والأبناء قبل أن يخلدوا إلى النوم.

هذه الصور نراها بصفة دوريّة، صورة المرأة القويّة والمستقلّة التي تعتمد على نفسها في كل تفاصيل حياتها، زاحمت الرجل في أدواره حتى أصبحنا نرى رجلًا مستقيلًا.

اقرأ/ي أيضًا: رجال تونسيون ضحايا العنف "المؤنث"

متلازمة المرأة القوية والمستقلة

امرأة ذات شخصيّة عظيمة وقوّة داخلية رهيبة. حكيمة في قراراتها صارمة في خياراتها ويمكن الاعتماد عليها. أكثر ما يشغلها هو بحثها عن كل ما يطورها ويحمل لها إضافة في حياتها. لها قدرة عالية على التعبير عن مشاعرها تجعلها محل اهتمام أينما تحل. هي امرأة يحلم كل رجل أن تكون سنده في هذه الحياة، لكن كيف ترى نفسها؟

"لا أستطيع أن أكون غير امرأة قوية ومستقلّة وأنا سعيدة بذلك رغم التعب ورغم المسؤوليات. أنا أؤمن أن لا متعة في الحياة إذا لم يكن فيها تحديات"، هكذا تحدّثت وفاء بولاهمي، مختصّة في الهندسة الداخليّة، لـ"الترا تونس" عن تجربتها، إذ أكّدت أنه على المرأة أن تكون مستقلّة فكريًّا وماديًّا.

وفاة بولاهمي (مختصة في الهندسة الداخلية): لا أستطيع أن أكون غير امرأة قوية ومستقلّة وأنا سعيدة بذلك رغم التعب ورغم المسؤوليات

وتضيف بولاهمي أن متطلبات العصر اليوم تلزم المرأة أن ترتقي في السلّم العلمي والوظيفي وهي مسؤولية كبيرة وصعبة جدًا تجعلها تفكّر في التخلّي عن بعض المسؤوليات أحيانًا لكنها تتراجع لأنها لا ترى نفسها امرأة منهزمة.

وعن علاقتها الزوجيّة، تقول وفاء إن الرجل يرمي حمله على المرأة لأنه يراها قويّة وحكيمة في قراراتها وتستطيع فرض نفسها ومع ذلك قد يحصل تصادم أو اختلاف في عديد المرات ولكن الحوار خير سبيل لتفسير المواقف والقرارات وعلى المرأة أن تكون ذكيّة في اختيار أسلوبها لتقنع زوجها.  

وفيما يتعلق بالضغط الذي تعيشه المرأة، أكدت محدثتنا أن التنظيم والإيجابية هما المفتاح لراحة المرأة إذ لا مفرّ من الضغط والاكتئاب إلاّ عندما تمنح المرأة نفسها مساحة من التسامح والسلام الداخلي لتكون أكثر إنتاجيّة وحضورًا في محيطها العائلي أو المهني.

لماذا المرأة التونسيّة قوية ومستقلة؟

يرى الباحث في علم الاجتماع معاذ بن نصير، في هذا السياق، أن مفهوم المرأة القوية المستقلة قد دخل حيز المجتمعي التونسي منذ بداية الألفية ويعود ذلك لعدة أسباب منها التعليمي خاصة مع ارتفاع نسبة التمدرس في صفوف الإناث وإدراكهن التعليم العالي كالماجستير والدكتوراه وتحقيقهن نوعًا من الاستقلالية عن الرجل بخروجهن واقتحامهن سوق الشغل.

ويضيف بن نصير قائلًا: "لذا نتحدث هنا عن الاستقلالية المادية والاجتماعية. هذا التغيير أثر على مستوى السلوك الفردي للعديد من النساء، اللواتي خرجن عن جلباب الرجل القيادي في المفهوم المجتمعي الذكوري لسنوات الخمسينيات إلى أواسط التسعينيات حيث كان دورها فالماضي حكرًا على تربية الأبناء وشؤون المنزل ولم تنفتح على الفضاء الخارجي".

معاذ بن نصير (باحث في علم الاجتماع): مفهوم المرأة القوية المستقلة قد دخل حيز المجتمعي التونسي منذ بداية الألفية ويعود ذلك لعدة أسباب

ويبيّن أن "طبيعة العلاقات المجتمعية في بعض ربوع البلاد التونسية تخلق نوعًا من التمايز بين الرجل والمرأة عبر الموروث الثقافي بجميع متغيراته وهو ما يجعل من بعض الرجال لا يستحسنون العيش مع امرأة مستقلة وتتميز بالقوة".

ويتابع أنه "من بين العوامل المباشرة لتنامي ظاهرة ومفهوم المرأة القوية المستقلة هو عملية التثاقف بين الثقافة الغربية المحملة بقيم التحرر والانفتاح واستقلالية الذات وتحقيق الكيان المستقل من جهة، والثقافة العربية الإسلامية من جهة أخرى".

"وكان للعولمة عبر شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والانستغرام والتلفاز دور في ثنائية التأثر والتأثير بالنموذج الثقافي الغربي ونذكر على سبيل المثال الإعلامية المصرية (في إشارة لرضوى الشربيني) التي خلقت جدلًا في شبكات التواصل بين مؤيدات لها من النساء ونافرين منها من الرجال"، كما يشير محدثنا.

اقرأ/ي أيضًا: زوجتي أكبر مني.. السرّ الذي أهرب منه

ويؤكد الباحث في علم الاجتماع على أن العامل الاجتماعي يلعب دورًا في تنامي هذه الظاهرة من خلال التنشئة الاجتماعية داخل العائلة التي أصبحت تخلق نوعًا من المساواة بين الجنسين وتشدد على أهمية التعليم بالنسبة للفتاة وتحقيق كيانها الاجتماعي والمادي بعيدًا عن جلباب الرجل.

عازبات اخترن الاستقلال لمواجهة التحديات

هي امرأة لا تحتاج إلى الآخر لملء فراغ فيها إذ تعمد إلى إسعاد نفسها، لكنها ترغب في مشاركتها مع شريك تختاره يكون داعمًا لها لتحقيق طموحها وأحلامها، على غرار ر.ب (30 سنة) التي أكدت لـ"ألترا تونس" أنه على المرأة أن تعتمد على نفسها وتكون مستقلّة ماديًا وتستطيع تلبية احتياجاتها دون الحاجة لأي شخص آخر.

وتعتبر أن هذا الجزء إيجابي خاصّة في الحياة العمليّة لكنه يشكل عائقًا على المستوى العاطفي لأن سقف توقّعاتها عال جدًا وعلى شريكها أن يكون طموحًا يحترم استقلالياتها وقراراتها ويدعمها للوصول لأهدافها دون أن يتحكّم بها أو بحياتها. وتشير إلى أنه إذا لم تتوفّر فيه هذه الشروط فليست نهاية العالم، حسب تعبيرها، إذ يمكنها العيش دون شريك طالما توفّر لنفسها ما تحتاجه.

ر.ب (تونسية/30 سنة): على المرأة أن تعتمد على نفسها وتكون مستقلّة ماديًا وتستطيع تلبية احتياجاتها دون الحاجة لأي شخص آخر

وتساندها في هذا الرأي صديقتها ر.ع (28 سنة) التي تؤكد لـ"ألترا تونس" أن نظرة المجتمع للمرأة تغيّرت وأصبح لزامًا عليها أن تكون مستقلّة وقوية. وتعتبر أن المرأة التونسية أكثر حزمًا وقوّة من الرجل حيث تكون مسؤولة على عائلتها وعن حياتها وموفقة بين الجانبين.

وتضيف قائلة: "سبب قوة المرأة هو ضعف الرجل. وأغلب الرجال لا يتحملون فكرة أن تكون أفضل منهم في بعض الأدوار، فالمرأة القويّة تشعر الرجل بالتهديد من أن يفقد سلطته وسيطرته عليها. ولا يزال مجتمعنا يعاني من الذكورية حيث لا يستطيع الامتثال لأوامر المرأة إذ يمس ذلك كبريائهم".

كيف ينظر الرجل للمرأة المستقلّة؟

الشخصية القوية للمرأة تجعلها محل إعجاب الكثير من الرجال. ولكن الأمر قد لا يتجاوز الإعجاب، فالبعض منهم يراها غير مناسبة للزواج على غرار أحمد (اسم مستعار) الذي يقول إن الجانب الأنثوي يغيب عن هذا النوع من النساء في تصرفاتهن مع شريكهم وتعاملهم اليومي معهم.
ويقول أحمد إن المرأة التي يمكنها الاستغناء عنه بسبب عملها أو استقلاليتها لا يجعلها ذلك جديرة بأن تكون الشريكة المثالية له.

في المقابل، يخالف ياسين ذويبي، 29 سنة ويعمل كمندوب صيدلي، هذا الرأي ويتحدث لـ"ألترا تونس" قائلًا: "أحب أن يكون لزوجتي المستقبلية شخصيّة قويّة لكن عليها أن تقدرني وتحترمني"، مؤكدًا أن الشاب التونسي كره الصورة النمطية للمرأة الضعيفة التي تبكي لأتفه الأسباب وأن متطلبات العصر وتحدياته يحتاجان صلابة أكثر من المرأة.

ياسين ذويبي: أحب أن يكون لزوجتي المستقبلية شخصيّة قويّة لكن عليها أن تقدرني وتحترمني

أما كريم علوي، 44 سنة ومتزوج منذ 11 سنة، فيقول إنه فخور بزوجته وأنه يحترم استقلاليتها مما جعله يتنازل عن عديد الأدوار لصالحها لما يراه فيها من سداد للرأي وقدرة على الإدارة الناجحة لشؤون البيت.

تختلف الآراء في هذا الموضوع من رجل لآخر حسب البيئة التي كبر فيها. وتجمع عديد الدراسات على تناقض انتظارات الرجل من المرأة فهو يريدها مستقلة وناجحة لكنها تحتاجه في كل خطواتها، ويريد منها أن تكسب المال وتعمل لكنها ممتازة في أعمال المنزل، وأن تكون رائعة الجمال دون أن تصرف الكثير على مظهرها، ورصينة لكن "مشاكسة أحيانًا"، ألا تحد من حريته ولكن غيورة، أن تكون "عفيفة" لكن بارعة في الحياة الجنسيّة. تقول الكاتبة الأمريكية غلوريا ستاينم "لقد أصبحنا الرجال اللذين كنا نريد أن نتزوج!".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 "كيد الرجال كيدين وكيد النساء 16".. عن الأمثلة الشعبية الساخرة من المرأة

هل تبيح عدم عذرية الزوجة طلب الطلاق لدى المحاكم التونسية؟ (تحليل قانوني)