رجال تونسيون ضحايا العنف

رجال تونسيون ضحايا العنف "المؤنث"

4512 مشاهدة
10 في المائة من الرجال التونسيين يتعرضون للعنف (Getty)

"كانت تلحق بي إلى مقر عملي وتصرخ أمام زملائي متفوهة بكلام بذيء. كانت تصرخ في وجهي في الطريق العام أمام الناس وأمام طفلتي ووصل بها الأمر إلى حد ضربي. طالما عمدت إلى استهداف وجهي كي تترك آثارًا عليه". هكذا تحدث وليد (اسم مستعار لموظف بإحدى الإدارات التونسية، طلب عدم ذكر اسمه) لـ"الترا تونس"، عن قصته مع العنف الذي تعرض له طيلة عامين على يدي زوجته السابقة.

يقول وليد إن المشاكل مع زوجته انطلقت منذ الأسبوع الأول لزواجهما سنة 2012 مبينًا أنه في الأشهر الأولى من الزواج كان يعتقد أن عنف زوجته اللفظي تجاهه مردّه حملها، وهو ما كانت تردده على مسامعه والدته وكبار عائلته، الأمر الذي جعله يبقى معها إلى أن أنجبت طفلتهما.

وليد (معنف من قبل زوجته)  كانت زوجتي تصرخ في وجهي في الطريق العام أمام الناس وأمام طفلتي ووصل بها الأمر إلى حد ضربي

يضيف محدثنا أنه بعد إنجاب ابنته ازداد الأمر سوءًا وتضاعف العنف الذي تمارسه عليه زوجته التي كانت تستفزه وتفتعل المشاكل معه لأتفه الأسباب بتحريض وإملاءات من والدتها وإخوتها، حسبه. لم يعد وليد يطيق الحياة في منزله وأصبح يفضل النوم في الشارع أو لدى أحد أصدقائه أو في منزل عائلته كي يتجنب لقاءها والتشاجر معها.

يقول وليد إنه لم يكن يرد الفعل على اعتداءاتها المتكررة ضده بل كان يتحاشاها بالقدر المستطاع إلى أن لم يعد لديه قدرة على التحمل فقرر تركها وطلّقها عام 2014. ويوعز سبب بقائه معها لمدة سنتين رغم العنف المسلّط عليه إلى ابنته التي يحبها حبًا جمًا والتي حُرم منها بعد طلاقه رغم أن القاضي منحه حق الزيارة والاستصحاب. ويكشف أن طليقته لم تلتزم بهذا الحكم القضائي الأمر الذي دفعه إلى تقديم 3 شكايات ضدها.

أن تتعرّض المرأة للعنف، أيًا كان نوعه، من قبل الرجل فالأمر مدان وتعمل عديد الجمعيات والمنظمات من أجل حماية المرأة والحدّ من هذه الظاهرة. وقد أقرّت تونس في آب/أغسطس 2017 قانونًا يتعلّق بمناهضة العنف ضد المرأة ويتضمن عقوبات زجرية ضد كلّ من يعتدي عليها. في المقابل تبقى قضية الرجل المعنّف مغيّبة نوعًا ما وقلّما نسمع برجل يتحدث عن تجربته كضحية للعنف.

اقرأ/ي أيضًا: أهم أحكام قانون مناهضة العنف ضد المرأة في تونس

10 في المائة من الرجال يتعرضون للعنف في تونس

وليد ليس أول رجل تونسي يتعرّض للعنف من قبل زوجته. وعلى الرغم من ندرة الشهادات المقدمة بخصوص تعنيف الرجال من قبل النساء، يؤكد رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالرجل والأسرة والمجتمع حاتم المنياوي لـ"الترا تونس"، أن هذه المسألة ترتقي إلى درجة الظاهرة في تونس.

ويفيد المنياوي أنه وفقًا للإحصائيات المتوفرة لدى جمعيته تقدّر نسبة العنف الجسدي المادي ضد الرجل بـ10 في المائة، أي أن حوالي امرأة من بين 10 نساء تونسيات تقوم بضرب زوجها. ويشير إلى أنه يقدّر أن النسبة أكبر من ذلك بكثير نظرًا لكونه يتلقى العديد من الشهادات في الجمعية ترتبط بشكل مباشر بالعنف.

ويبرز محدثنا أن الرجل كالمرأة يتعرّض إلى عنف لفظي وعنف مادي واقتصادي وحتى في بعض الأحيان جنسي. ويضيف أن العنف في تصور جمعية النهوض بالرجل والأسرة قد يبدأ من كلمة جارحة ليصل إلى القتل في بعض الحالات. فالكلمة المسيئة التي تقولها المرأة لزوجها والتي قد تتضمن إساءة لذاته أو صفة خلقيّة فيه أو لأحد أفراد عائلته سيكون لها بعد المراكمة آثارًا وخيمة سيشعر بها الرجل.

ويؤكد حاتم المنياوي أن هذه الظاهرة المسكوت عنها ليست محدودة في انتشارها، موضحًا أن الرجل يخيّر عدم الحديث عنها لأن كرامته وكبرياءه لا يسمحان له بالبوح. ويلفت إلى أن "العائلة التونسية اليوم تعيش نوعًا من الطلاق الصامت حيث تعيش المرأة والرجل حياة إدارية أكثر منها إنسانية دون أن تجمعهما علاقة ودية وأن هذا الأمر يعدّ من أنواع العنف".

الرجل يتعرّض إلى "عنف تشريعي" أيضًا في تونس

ويتعرّض الرجل كذلك إلى "عنف تشريعي" يتمثل في انحياز القضاء للمرأة وتعامل المشرّع والمؤسسة القضائية مع الرجل كـ"صندوق للنفقة وخزنة نقود"، حسب المنياوي. ويشدد المنياوي على ضرورة عمل الجهات المعنية الممثلة في وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن ووزارة العدل والقضاء لتجاوز هذا النقص وتحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل عبر إلغاء النفقة وقضية إهمال العيال.

وفيما يتعلق بقانون مناهضة العنف ضد المرأة، يعتبر رئيس جمعية النهوض بالرجل والأسرة أنه "كارثي" مبرزًا أنه من المفترض أن ينصّ هذا القانون على سجن المرأة التي تضرب زوجها مثلما نصّ على سجن الرجل المعنَّف لزوجته. ويؤكد أن قضايا النفقة وإهمال العيال هما من أخطر أنواع العنف الاقتصادي المسلّط على الرجل خصوصًا عندما يقع حرمانه من رؤية أبنائه.

اقرأ/ي أيضًا: العنف على رقاب 47% من التونسيات

ظاهرة كونية

عديد الدراسات تؤكد أن العنف ضدّ الرجل، تمامًا كالعنف ضد المرأة، ليس "ظاهرة" محدودة في المكان أو الزمان. بل هي قديمة ومنتشرة في كافة المجتمعات العربية والغربية. صحيفة "The Guardian" البريطانية كشفت أن ضحايا أكثر من 40 في المائة من ضحايا العنف المنزلي هم من الرجال. وفي الولايات المتحدة الأمريكية توفي بين سنتي 2014 و2015، 19 رجلًا جراء عنف شريكاتهم في حين تعرّض حوالي 2.8 في المائة من الرجال للعنف، بحسب تقرير لجريدة "The Telegraph".

في المغرب، كشفت دراسة للشبكة المغربية للدفاع عن حقوق الرجال أن حوالي 23 ألف رجل في المغرب يتعرّضون للعنف منذ عام 2008 وإلى غاية 2018. أما في مصر، أكدت دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 28 في المائة من النساء يضربن أزواجهن. وفي الكويت سجّلت الإحصائية العدلية عن الفترة الممتدة من آذار/ مارس 2016 إلى شباط/ فبراير 2017، 110 حالات ضرب زوجات لأزواجهن.

في تونس، لا توجد إحصائيات رسمية توثق حجم الاعتداءات التي يتعرّض إليها الرجال على أيدي النساء رغم أن هذا الموضوع ليس حديثًا. وقد قام مواطن يدعى العربي الفيتوري بتأسيس ملجئ خاص بالأزواج المعنّفين من قبل زوجاتهم، إلا أنه أغلق أبوابه بحلول سنة 2010.

العنف ضد الرجل لا يعتبر ظاهرة

في المقابل، لا يعتبر الدكتور في علم النفس عماد الرقيق أن العنف ضدّ الرجل في تونس يشكّل ظاهرة بقدر ما هو حالات محدودة. ويضيف الرقيق لـ"الترا تونس" أن المرأة التي تعنّف زوجها إما أنها شخصية عنيفة أو منحرفة أو تعاني من اضطراب ما أو أن لها شخصية قوية جدًا أو أن العنف الذي مارسته جاء كردة فعل إزاء رجل عنيف معها.

ويؤكد الرقيق أن العنف المسلّط على الرجل ليس شبيهًا بذاك الذي تتعرض إليه المرأة وأنه من المرجح أن تلجأ إلى العنف اللفظي أو المعنوي أكثر منه للعنف الجسدي أو المادي.

ويقول إنه من النادر أن يلزم الرجل الصمت تجاه تعرّضه للعنف وأنه إذا اختار مواصلة زواجه رغم الاعتداءات المسلّطة عليه فلأنه يريد الحفاظ على صورته كرجل متزوج في المجتمع كإثبات لـ"رجولته" باعتبار أن المجتمع ينتقص من قيمة الرجل غير المتزوج أو المطلّق، أو لأنه يمرّ بظروف تحول دون طلاقه أو لاعتماده ماديًا على زوجته. علاوة على أنه من المحرج أن يعترف الرجل بتعرّضه للضرب من قبل شريكته.

ويستبعد عماد الرقيق فرضية أن تكون الجمعيات النسائية وراء تعنيف المرأة لشريكها مؤكدًا أن الأمر مرتبط بشخصية هذه المرأة وبأمور شخصية بين الثنائي.

العنف مهما كان مأتاه أمر مرفوض ولا يمكن القبول به. ولئن كانت هناك في كافة أنحاء العالم العديد من الجمعيات التي تنشط لحماية المرأة من العنف والدفاع عن حقوقها في مواجهة المجتمعات الذكورية، فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال تبرير العنف ضد الرجل الذي يبدو أنه بات في حاجة إلى منظمات تقاومه على ما يبدو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

طلاق التونسية سهل أم صعب؟ 5 أمور يجب أن تعرفها

هل التونسية ملزمة بالنفقة على أبنائها بعد الطلاق؟