08-أغسطس-2016

تونسيون يحتجون فى يوليو 2016 في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس ضد مشروع قانون تجري مناقشته في البرلمان لمنح عفو لأشخاص متهمين بالفساد Photo credit should read FETHI BELAID/AFP/Getty Images

في تونس الجميع يدّعي مكافحة الفساد، ولو سألت أيّ مسؤول عن أولى مهامه لأجاب أنّه يكافح الفساد.اليوم، بات الحديث عن مكافحة الفساد موضة، أو شيئًا من البيزنس بل هو كذلك فعلًا. قبل يومين، نشرت منظمة مدنية حقوقية تقريرًا استقصائيًا كشف شبهات فساد تتعلّق بالوزير المكلّف بمكافحة الفساد. وهذا ليس مفاجئًا للأمانة بالنسبة لحكومة الصيد التي تعلّق بها أكثر من ملفّ فساد كانت محلّ طرح على المكشوف، فما بالنا بما خُفي ولم يُكشف.

حزب آفاق تونس صاحب ثمانية مقاعد فقط البرلمان، شارك في حكومة تصريف الأعمال بثلاثة وزراء تعلّقت باثنين منهما في ظرف سنة ونصف فقط ملفات فساد ثقيلة لم تعرف طريقًا للمساءلة البرلمانية والقضائية. تورّط رئيس الحزب ووزير الاستثمار ياسين إبراهيم في ملفّ بنك لازار بخصوص الترويج لمخطط التنمية وقد تأكد وجود خلل في العملية عبر إعادة فتح طلب عروض لاحقًا. قطعًا تمّت العملية بدون محاسبة حول خفايا ما حصل في العملية الأولى. أما وزير تكنولوجيا المعلومات نعمان الفهري فقد أصرّ على شراء شركة اتصالات مالطية صغيرة في ملفّ مثقل بشبهات الفساد لدرجة أن وزير الطاقة، والذي كان وزيرًا لتكنولوجيا المعلومات وهو أكاديمي متخصّص في هذا المجال، أعلن صراحة بأنه أبدى رفضه لصفقة الشراء ملمحًا لوجود رائحة فساد من حولها.

بات الحديث عن مكافحة الفساد موضة، أو شيئًا من البيزنس بل هو كذلك فعلًا

آخر الطرائف المتعلقة بموضة مكافحة الفساد في تونس بأن رئيس حزب الاتحاد الوطني الحرّ سليم الرياحي قال إنه سيطلب وزارة مكافحة الفساد في الحكومة الجديدة وأنه مستعدّ للتخلي عن بقية الوزارات. من يسمع هذا الكلام قد لا يترّدد في القول بأننا أمام سياسي نزيه أو يملك كفاءات عالية في حزبه حول استراتيجية مكافحة الفساد، أو ربّما هذا جهبذ عصره الذي سينقذ تونس من فيروس نخرها لعقود وزاد في السنوات الأخيرة. بيد أنه الحقيقة جاء طلبه كطلب لصّ في مجلس القرية بأن يستأمنوه على أموال أهلها.

 

 

إن كان للفساد السياسي مثال في تونس، فقد يقدمه هذا الحزب الذي هو أقرب منه إلى شركة مقاولة سياسية. قبل أسابيع قليلة، كشف نائب منشق عن الحزب بأن رئيسه الذي يريد اليوم حقيبة مكافحة الفساد في الحكومة الجديدة قد عمل مع وزير أملاك الدولة في الحكومة والمكلف العام بنزاعات الدولة حول ملفات لابتزاز رجال الأعمال. قبل أسابيع، تمّت تنحية المكلف العام بنزاعات الدولة وطبعًا دون كشف لأسباب ذلك وعلاقة تنحيته بما قاله عضو مجلس نواب الشعب. في نفس السياق، رئيس الجمهورية نفسه قدم مبادرة تشريعية للمصالحة مع رجال الأعمال الفاسدين دون مساءلة ويعفو بموجب هذه المبادرة على الموظفين المتورطين في قضايا الفساد.

قد يسأل البعض عن دور البرلمان في الرقابة، ربما آخر مهمّة يمكن أن يتكفّل بها البرلمان الحالي هي مكافحة الفساد. فعدد من رجال الأعمال المتورطين في ملفات فساد يتمتعون بالحصانة البرلمانية في هذا البرلمان.

قبل أسابيع، تمّت تنحية المكلف العام بنزاعات الدولة وطبعًا دون كشف لأسباب ذلك وعلاقة تنحيته بما قاله عضو مجلس نواب الشعب

مما لم يعد خافيًا أن الفساد قد نخر الطبقة السياسية بمختلف مستوياتها، ولا ينحصر فقط في الطبقة الحاكمة. في جلسة سحب الثقة من حكومته، قال الصيد أن مكافحة الفساد أصعب من مكافحة الإرهاب. ربّما لم يتورّط الصيد في ملفات فساد، وربما قد حرص على مكافحته في حكومته، ولكن ما هو مؤكد لم تكن له الجرأة والجدية الكافيتان لمحاربته، الصيد أصلا كان كمن يلعب على البيض لإرضاء الكلّ، وحتّى حينما قرّر الجميع التخلّي عنه، فوّت فرصة تاريخية لكشف ما خفي في الكواليس.

تونس ليست كبيرة، ودواليب الفساد وأدواته وتمظهراته غير خافية البتّة، السياسيون يعلمون ما يدور في الكواليس ويعلمون فيما بينهم ما هو مجال اختصاص هذا "البزنس" وذاك في كعكة الفساد، ورغم ذلك يخرج كل السياسيين أمام الشاشة ويقسمون بأنهم سيكافحون الفساد. الجميع يريد أخذ حصته قبل فوات الآوان الذي لا يزال سيطول موعده، لا شيء يجعلك تظن جديًا بأن تونس تكافح الفساد اليوم. في السابق كان الفساد بيد حاشية بن علي ومواليه، اليوم صار مشاعًا على مجموعات أوسع.

في تونس لازالت منظومة الفساد على حالها بشبكة علاقاتها ونواميسها المعلنة وغير المعلنة، لم تسقط بعد. المعركة مستمرّة لتفكيك هذه المنظومة في الوقت الذي يريد العديد إبقاءها وتعديلها لحسابهم، أما الحديث عن مكافحة الفساد اليوم فمما لا شك فيه شيء من الضحك على الذقون. هناك نوايا جدية من البعض، ولكن أهل الحل والعقد في هذه البلاد يسخرون منا.