04-أكتوبر-2020

يبقى لباس المرأة العلّة عند البعض في كلّ حادثة تحرش أو قتل تتعرض لها (Getty)

 

عاش الشارع التونسي الأيام الماضية على وقع الجريمة البشعة التي تعرّضت لها الشابة رحمة لحمر الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي. ولم تكن جريمة القتل الفظيعة تلك الحادثة الأولى التي تهز الشارع التونسي وتُسيل حبرًا كثيرًا وتواجه تنديدًا شديدًا. وهي ليست الجريمة الأولى التي تتباين فيها المواقف حول ضرورة تطبيق حكم الإعدام على المجرم من عدمه. لكنّها ككل جريمة تتعرّض لها فتاة يظهر من يبرر التحرش والاغتصاب وحتى القتل بسبب ما يعتبره "لباس الفتاة غير المحتشم". ويبقى لباس المرأة العلّة عند البعض في كلّ حادثة تحرش أو قتل تتعرض لها.

"كلنا رحمة.. طبّق الإعدام''، بهذا الشعار نفّذ بعض التونسيين وقفة احتجاجية أمام قصر قرطاج لدعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تطبيق حكم الإعدام على المجرم الذي قام بقتل الشابة رحمة لحمر. واكتسح هاشتاغ "طبق الإعدام" صفحات مواقع التواصل الاجتماعي خاصة على منصة فيسبوك. الأمر الذي أثار تنديد المنظمات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام في تونس خاصة وقد صرح سعيّد في فيديو مسجل عن دعم ضمني لتطبيق الإعدام.

اقرأ/ي أيضًا:  قيس سعيّد: من قتل نفسًا بغير حق جزاؤه الإعدام

لم تكن حادثة قتل رحمة لحمر الحادثة الأولى التي ربط فيها البعض بين لباس المرأة والتحرّش الجنسي والاغتصاب أو حتى القتل

لم تكن تلك الحادثة الأولى التي ربط فيها البعض بين لباس المرأة والتحرّش الجنسي والاغتصاب أو حتى القتل، لتصبح المرأة المذنب الأول وسبب ارتفاع نسبة جرائم الاغتصاب أو التحرش في المجتمع. في كتابها "ما وراء الحجاب" الذي صدر عام 1973، أشارت فاطمة المرنيسي إلى أنّ "المضايقة التي تتعرّض لها النساء في الشوارع لكون المرأة، في الذهنية الجمعية، "اقتحمت مكاناً خاصاً بالرجال". كما تقول في كتابها "إن المرأة دائماً دخيلة في مكان يمتلكه الرجال، بما أنها تُعرَّف كعدوّ، وليس لها الحقّ في استعمال مكان مخصّص للجنس الآخر، والواقع أن مجرّد وجودها في مكان لا يجب أن تكون فيه، يشكّل عملاً هجومياً بما أنها تزعزع النظام الاجتماعي، وتقلق راحة فكر الرجل. ويكون الوضع أخطر إذا كانت المرأة سافرة".

في هذا السياق، تشير المختصة في علم الاجتماع منية عابد لـ"الترا تونس" إلى أنّه "عندما تخترق المرأة الحدود التي ترسمها بعض الأذهان في بعض المجتمعات خاصة العربية فإنّها تستحق كلّ ما يلحقها جراء تجاوزها تلك الحدود حسب تلك العقلية. ويبرر كلّ عنف مسلط من الرجال على النساء من قبل بعض الأشخاص بتصرف أو سلوك أو لباس المرأة لتصبح هي الضحية والمذنبة في ذات الوقت، لأنّها تجاوزت حدودًا رسمها المجتمع الذكوري الذي يفرض قواعد على المرأة لتلتزم بها خصوصا اللباس".

منية عابد (مختصة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": عندما تخترق المرأة الحدود التي ترسمها بعض الأذهان في بعض المجتمعات فإنّها تستحق كلّ ما يلحقها جراء تجاوزها تلك الحدود وفق تلك العقلية

وتضيف عابد أنّ "الرواسب الاجتماعية ونظرة المجتمع العربي عمومًا والذكوري بصفة خاصة تعتبر أنّ المرأة هي المسؤولة الرئيسية عن فعل التحرش، إما بسبب لباسها غير اللائق كما يرونه أو مشيتها أو حتى وجودها في الشارع. وتصبح بذلك الضحية المذنبة الأولى. وبات هذا بارزًا أكثر من خلال العديد من التعليقات وردود الفعل التي نطالعها على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا أمر مقلق ويكشف العقلية السائدة التي تبرر لمثل تلك الجرائم الخطيرة. وما يقلق أكثر أنّه حتى القتل بات يُبرر أحيانًا بسلوك أو لباس المرأة. لتجد نفسها في كلّ مرّة ضحية ضوابط مجتمع ذكوري يتسبب في قتلها أو اغتصابها ويبرر ما تعرّضت له من عنف. وهذا أمر خطير جدًا".

اقرأ/ي أيضًا: وفق رواية الداخلية: تفاصيل جريمة عين زغوان

على صعيد آخر، أشارت المختصة في علم الاجتماع إلى أنّ "غاية المجرم على ما يبدو في تلك الجريمة لم تكن الاغتصاب بل السرقة، ولكن تبرير البعض لتلك الجريمة الفظيعة بأنّ لباس الفتاة غير لائق أمر مقلق بالفعل خصوصًا أنّه تبرير صادر عادة عن شباب، ودون حتى معرفة ما كانت تلبسه الفتاة بالفعل". 

أسامة بويحي (مختص في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": بين الفترة والأخرى نستيقظ على صدمة تجعلنا نستنكر خاصة الجرائم البشعة، ونتساءل عن أفضل وسيلة للعقاب عوضًا عن التساؤل عن الأسباب

من جهته، أشار المختص في علم الاجتماع أسامة بويحي لـ"الترا تونس" إلى أنّ "الجريمة بجميع أشكالها تعتبر أمرًا غير مقبول اجتماعيًا لتعارضه مع قيم ومعايير المجتمع، فسواء كان المجرم فردًا أو جماعة فإن السلوك الإجرامي فيه تمرد وتحد لمنظومة القيم والمعايير التي يُنتجها المجتمع ويُمررها لجميع أفراده من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. ومع التغييرات التي يشهدها المجتمع يتحرر الفرد من بعض القيود الاجتماعية وتتغير بعض الأفكار وتتراجع مبادئ وقيم كانت مُوجهة لسلوك الأفراد وتبرز نماذج جديدة يسعى العديد إلى محاولة الاحتذاء بها".

ويضيف محدثنا "هنا لا بد من الإشارة إلى أن السلوك المنحرف أو الإجرامي لا يقتصر على فئة اجتماعية دون غيرها بل هو يشمل جميع فئات المجتمع فالسرقة والقتل والرشوة والتهرب الضريبي والابتزاز كلها جرائم تتعارض مع قيم المجتمع ومعاييره وأصبحنا نتعايش معها لدرجة أنها أصبحت واقعًا اجتماعيًا. ولكن بين الفترة والأخرى نستيقظ على صدمة تجعلنا نستنكر خاصة الجرائم البشعة كالقتل والاغتصاب، ونتساءل عن أفضل وسيلة للعقاب عوضًا عن التساؤل عن الأسباب التي دفعت إلى مثل هذا السلوك ومحاولة معالجتها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

اغتصاب القاصر وتعنيف الأم ومقتل الجدة.. جريمة بشعة في قبلاط تهزّ تونس

حملة "وشمولي بالسيف".. رصاصة ناشطة تونسية في قلب التحرش