كسرى.. زهرة الصخور الفاتنة التي تشكو الإهمال

كسرى.. زهرة الصخور الفاتنة التي تشكو الإهمال

826 مشاهدة
مدرج مميّز في قرية كسرى

كسرى، قرية بربرية في أعالي جهة سليانة، كان أجدادنا البربر يسمونها "كزيرا" فهي تنام مع الكواسر في قمة جبل، وعناقيد الصخر تتدلى على جلاميدها منذ خمسة عشرة قرنًا في تناسق فوضوي ساحر وغريب، وتهتز لجمالها الأفئدة بل تنخلع لفتنتها. فكسرى هي أعلى مكان في تونس آهل بالسكان، إذ ترتفع ما يقارب الألف وخمسمائة مترًا فوق سطح البحر.

قرية كسرى هي أعلى مكان في تونس آهل بالسكان، إذ ترتفع ما يقارب الألف وخمسمائة مترًا فوق سطح البحر

اقرأ/ي أيضًا: الكثيرون لا يعرفونها.. أماكن سياحية واعدة في تونس

أسطورة ابنة كسرى

يتوارث أهل هذه القرية الخالدة الحكايا، والعادات البربرية، والقصص ونتف التاريخ المنسي كما يتوارث الصخر نشيج الماء. فقد استراح القائد القرطجاني الفذّ حنبعل قبل موقعة "زامة" على تخوم مكتريس أسفل هذه القرية والتقى أعيانها، ومن المرويات أن أكاسرة الفرس أوفدوا جندًا إلى مشارق الأرض ومغاربها بحثًا عن مكان بخصائص بعينها، يبحث عنه أطباء الإيوان الفارسي للأميرة المريضة ابنة كسرى أنوشروان، وقد وقع الاختيار على هذه القرية لهوائها النقي، وامتداد خضرتها وطراوة مائها.

ومن هنا، يعتقد الأهالي أن تسمية "كسرى" مستوحاة من هذه القصة التي فندها أهل الذكر من باحثين ومؤرخين، وذلك فضلًا عن أساطير أخرى تروي بطولات الأهالي أيام الاستعمار الفرنسي حيث كانت كسرى موقعًا استراتيجيًا للمستعمر لكنّها كانت عصيّة، حيث جابهتها فرنسا بالفيلق السينيغالي الذي جندته لصالحها في الحربين العالميتين.

من المرويات أن أصل تسمية القرية يعود لكسرى أنوشروان وهي رواية يفندها أهل الذكر من باحثين ومؤرخين

عيون تسري منذ أمد التاريخ

تجري كسرى من تحتها عيون ماء زلال كـ"عين سلطان" وهي كبرى العيون حيث تنبع من بين صخور متخاددة أسفل القصر، فهنا تتلخص الحياة البسيطة للكساورية، يملؤون الماء ثم يحملونه بالدّواب إلى ديارهم التي قدّت من صخر وخشب، ويغسلون أغطيتهم الصوفية التي سهرت من أجلها الأمهات وراء "السداية" (آلة تقليدية لصنع الأغطية)، ويصلّى شيوخ القرية وشبابها صلاة الاستسقاء كلّما شح الغيث، ويمرح الصبية ويتعالى صخبهم، وكذلك تلتقي النسوة لتبادل أخبار القرية فيما تشي فتاة لحبيبها بموعد.

إحدى عيون كسرى

ويذهب ماء العين لوادي "أغير" الذي ينشر تلك العذوبة في السفوح لتستقرّ في بساتين التين وغابات الزيتون والصنوبر والقيقب، نعم لا نجد أشجار القيقب إلا في كسرى. أما "عين ميزاب" فهو ماء نمير يجري أبد الدهر، حيث تصنع في هذا المكان حكايا العشق البسيطة، وتجلس الجدات تروي قصص الوشم البربري وتفكك تيماته للصبايا اليانعات. أما "عين مكلاو"، فهي عين المزارعين والفلاحين لتوسّطها بساتين التين والكروم، حيث تتقاسم الحقول مياهها بالقسطاس، وبطريقة رسمها الجدود الأوائل مازالت سارية إلى اليوم.

وشتاء كسرى لا زيف فيه، شتاء طويل ثقيل بثلجه وهدوئه، حيث يتوشح الصنوبر بالبياض وتحمرّ وجوه الصبية وهم يتنقلون إلى مدرستهم. فيما تفوح رائحة المطبخ البربري من الأزقة الصغيرة، ونتحدث عن "برغل جاري"، و"بركوش بالحرّيق" و"مسمّنات".

وقد تغزّل بجمال كسرى كل من رآها، حيث كتب الأديب محمود المسعدي نصًا بديعًا في هذه القرية نجده في كتابه "مولد النسيان" نقتطف منه مقطعًا إذ يقول: "قرية كسرى هي جبل جلاميد من قطع صخر العذاب، تتراكم و تتراكب.. جانب الجبل تنشج في أسفله عين ماء باكية تسيل إلى الصخر فتأكل من أصل الجبل ثمّ تقع إلى الغور تحته فتتشتّت وتضيع كياس نفس عقيم... وفوق القرية والجبل و البساط هول أوساع سماء خالية.. وينظر المسافر حوله فإذا الجبل قافلة من أشخاص حجارة كل له ألم وكلّ له قصّة والأذن تسمع وعين الماء تبكي".

اقرأ أيضًا: تستور.. قطب واعد للسياحة الجبلية في تونس

لوحة طبيعية ولكنها منسية!

حلمت كسرى كالعديد من القرى البربرية والأندلسية أن تكون ضمن المسالك السياحية التونسية لكنها حرمت من ذلك قصدًا في إطار هيمنة الساحل على السياحة، حيث كان من الشروط الأساسية للمستثمرين الأوائل في السياحة في الستّينات أن يكون للسائح البحر والشمس والنزل فقط. لتظل هذه القرية الفاتنة محرومة ومنسية بالرغم من مخزونها الحضاري، وعمقها التاريخي وجمالها الأخّاذ.

ظلت قرية كسرى محرومة طيلة العقود الماضية من الاهتمام السياحي ومنسية بالرغم من مخزونها الحضاري، وعمقها التاريخي وجمالها الأخّاذ

طالب أهالي كسرى ومثقفيها وشبابها طيلة عقود بالاهتمام بمنطقتهم كوجهة سياحية، وكانت طلباتهم بسيطة مثل أن تأخذ الحافلات السياحية المارّة إلى القيروان وسوسة من كسرى مكان استراحة، ولكن لم يتحقّق ذلك. وقد زار وزراء السياحة القرية مرارًا وانبهروا بالمكان، وقدّموا عديد الوعود ولكنها ظلّت وعودًا زائفة.

بل لنسف الحلم تمامًا، تمّ إنشاء نواة لمدينة جديدة أسفل الجبل، في بداية التسعينات، وسُميّت كسرى السفلى، وتركّزت بها كل المصالح الإدارية والصحية والتعليمية. وهو ما اضطرّ بعض السكان لمغادرة كسرى العليا في أعلى الجبل حفاظًا على مصالحهم، لكن لم يتخلّ أغلب الأهالي عن قريتهم التي يسميها الجميع هناك "سيدي بوسعيد الشمال الغربي"، بل زاد تشبثهم بها حيث يحلم الشباب الكسراوي بالاستقرار في الأعالي، وبعث نسيج مدني لحماية كسرى من الزوال، فقد تمّ إنشاء بعض التظاهرات الثقافية والرياضية، كما وقع الاهتمام بمهرجان التين السنوي.

ويوجد في كسرى متحف صغير عصري ركزته وزارة الشؤون الثقافية سنة 2006 يحاول أن يروي جزءًا من التاريخ الطويل لكسرى، من فترة ما قبل التاريخ إلى الحقبة الاسلامية، حيث يحتوي على أواني، وفخاريات، وألبسة، وأغطية، وشواهد قبور وأدوات بربرية.

ويوجد هذا المتحف فوق هضبة صخرية حذو القصبة الرومانية البيزنطية التي انتقل أغلب صخرها ليستقر في جدران البيوت المتاخمة وواجهاتها، وكذلك عتبات المنازل من قرانيت الموقع الأثري فتسيح هذه الأجواء على المكان ويصبح أكثر اتساعًا، وتشعر أنه مليء بالحياة وهو ما يفتخر به أهالي المنطقة. ولذلك، ستبقى كسرى بستان الصخور وحكايا العيون لوحة خالدة رغم الإهمال والنسيان.

متحف كسرى

اقرأ/ي أيضًا:

"فطاير باب عليوة" والحضارة الإفرنجية.. ما رأي باي تونس؟

سوسيولوجيا "المروّب".. طفيليات المرح على قارعة الطريق