27-يوليو-2018

كارثة بيئية مستمرة منذ سنتين دون حلول (مريم الناصري/الترا تونس)

أفاق مواطنو منطقة "سيدي مذكور" فجر الخميس 26 جويلية/يوليو 2018 على وقع كارثة بيئية تمثلت في فتح واد بجهة "دار علوش" ما تسبب في إغماء العديد بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من المياه، ودخول مياه مصانع المصبرات إلى البيوت. وقد شهدت المنطقة حالة من الاحتقان الشديد خاصة بجهة "دار علوش"، فيما قرّر أعضاء المجلس البلدي تقديم استقالة جماعية على خلفية هذه الحادثة.

وكان قد تسببت مياه المصانع في الصائفة الماضية في تضرر عشرات الهكتارات من الأراضي الفلاحية، وإتلاف أغلب المحاصيل، ودخول مياه المصانع إلى البيوت وهو ما دفع المواطنين إلى غلق الوادي بسبب الآثار السلبية للتلوث التي أضرّت بهم جميعًا، فلا أرض باتت صالحة للزارعة هناك، ولا هواء نقي للتنفس ولا مياه صالحة للري والاستعمال.

[[{"fid":"100822","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"2":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":375,"width":500,"class":"media-element file-default","data-delta":"2"}}]]

تسبب مياه المصانع في إتلاف المحاصيل الزراعية في المنطقة (مريم الناصري/الترا تونس)

تعرف بذلك المنطقة كارثة بيئية تتجدد مع كلّ صائفة، وهي كارثة تهدّد حياة الكائنات الحية من حيوان ونبات، إضافة إلى حياة الناس بسبب معمل تصبير الطماطم المنتصب في وسط التجمعات السكنية والمياه التي يصرفها في واد يمر عبر مجمع سكني يعيش فيه الآلاف من المواطنين. 

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. أين تهدّد كلفة الإنتاج والاستيراد الأمن الغذائي

كما تهدد الكارثة الآلاف من المواطنين ومستهلكي أطنان الخضر والغلال التي قد تصبح مسرطنة بسبب تسرب مياه ثلاثة مصانع ومياه الصرف الصحي على امتداد عشرات الهكتارات من الأراضي المزروعة "كاكوية" (الفول السوداني) وفلفل وطماطم وكروم وبعض الأشجار المثمرة الأخرى. ورغم خطورة الوضع البيئي والصحي، لم يتم بعد اتخاذ أي اجراء يساعد على ايقاف انتشار المياه المسربة من المصانع في المنطقة الفلاحية رغم زيارة كاتب الدولة للبيئة والشؤون المحلية للمنطقة سنة 2017.

وقد طالب عدد من الفلاحين والمتساكنين بضرورة إغلاق المصانع التي تسببت في تلوث المياه وكبدت الفلاحين خسائر ضخمة. وقد كتب المواطنون في المناطقة عرائض ومراسلات إلى الوالي منذ حدوث الكارثة سنة 2017، كما نظموا عشرات الوقفات الاحتجاجية.لكن إدارة المندوبية الجهوية للفلاحة بنابل رفعت شكوى ضد عدد من المحتجين ومن قاموا بغلق مجرى الوادي وتعطيله، وقد بلغ عدد المتهمين عشرة أشخاص تم عرضهم على المحاكمة في 23 جانفي/كانون الثاني 2017 بمحكمة منزل تميم.

 الكارثة البيئية تهدّد حياة الكائنات الحية من حيوان ونبات إضافة إلى حياة الناس بسبب معمل تصبير الطماطم المنتصب في وسط التجمعات السكنية

وقد حضر الجلسة القضائية حينها تسعة متهمين فيما غاب المتهم العاشر بسبب إصابته بمرض سرطان الحنجرة وخضوعه للعلاج بمستشفى صالح عزيّز. وشهدت المحاكمة وقفة احتجاجية بمشاركة فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بقليبية، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجبهة الشعبية، ليتم فيما بعد الحكم بعدم سماع الدعوى في فيفري/شباط 2018.

لكن جدل الكارثة البيئية بالمنطقة لم ينته مع مواصلة احتجاجات الأهالي، وقد قام والي نابل بلقاء بممثلين عن متساكني قرية "سيدي مذكور" في جويلية/يوليو من السنة الماضية وطُرح موضوع التلوث البيئي لـ"وادي القرعة" وانعكاساته السلبية على القرية. وتمّت معاينة مدى تلوث الواد والأضرار التي تتسبب فيها على المتساكنين والأراضي الفلاحية، وذلك بسبب سكب مياه غسل معامل التحويل والصناعات الغذائية، وكذلك سكب بلدية دار علوش للمياه المنزلية المستعملة بالوادي نظرًا لعدم ربط المدينة بشبكة التطهير. كما تمت معاينة وضع حواجز من طرف المواطنين ببعض النقاط العلوية بالوادي لإيقاف سيلان المياه المستعملة ووصولها إلى منازلهم.

[[{"fid":"100823","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"3":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":375,"width":500,"class":"media-element file-default","data-delta":"3"}}]]

مياه الصرف الصحي امتدت على عشرات الكيلومترات من الأراضي الفلاحية (مريم الناصري/الترا تونس)

وأفاد والي الجهة، بعد هذه المعاينة، أن تحسين الوضع البيئي في المنطقة هو من أوكد الأولويات التي ستحرص عليها السلط الجهوية في انتظار انطلاق مشروع ربط "دار علوش" بمحطة الضخ للتطهير بالهوارية التي سينطلق إنجازها خلال سنة 2018. ولكن لم يتم الانطلاق في مشروع ربط المنطقة بمحطة التطهير، مما تسبب في ارتفاع منسوب المياه في الأراضي الفلاحية وتوسعها على العديد من الأراضي الأخرى.

ويشير محمد أحد الفلاحين بالجهة (53 سنة) لـ"الترا تونس" أنّ أرضه تضررت منذ أكثر من سنتين ولم تعد صالحة للزراعة مما كبده خسائر مالية خاصة وأنّه مدان لأحد البنوك بسبب حصوله على قرض لإنجاز مشروع فلاحي. وقال إن مشروعه "دُمّر" بسبب مياه المصانع وبات اليوم مهددًا بالسجن نتيجة عدم خلاص أقساط البنك. وأضاف أنه رغم تقديمه شكاوى مع عشرات الفلاحين لازال الأمر على ما هو عليه.

محمد فلاح في جهة الهوارية تضرر مشروعه الفلاحي بسبب مياه المصانع وبات اليوم مهددًا بالسجن نتيجة عدم خلاص أقساط البنك

من جهته، بيّن عضو المجلس البلدي ببلدية الهوارية ورئيس لجنة البيئة والصحة والنظافة عدنان غرس لـ"الترا تونس" أنّ المنطقة تشكو منذ سنتين وضعًا بيئيًا كارثيًا بسبب تدفق مياه ثلاث مصانع على الأراضي الفلاحية وتلوث مجرى الواد القريب من المجمع السكني، وهو ما دفع أهالي المنطقة إلى غلق الواد تفاديًا لدخول المياه إلى منازلهم وانتشار الروائح الكريهة والناموس. لكن في المقابل، تسبب غلق الواد في تسرب المياه إلى أراضي عشرات الفلاحين ممن تسوغوا هذه الأراضي لزراعتها، أو ممن اقترضوا من البنوك لإنجاز مشاريعهم الفلاحية، وقد تضررت الأراضي بسبب مياه الصرف الصحي ومياه المصانع.

وأضاف محدّثنا أنّه منذ 8 سنوات تم غلق الوادي من جانب منفذ البحر من قبل أحد رجال الأعمال، ما تسبب في ركود المياه بالواد وفيضانها على المساكن، الأمر الذي دفعهم إلى وضع ساتر ترابي على الوادي ومنع مرور مياه الواد بالقرب من مساكنهم، مضيفًا أنّ الأهالي اليوم سيعودون إلى الاحتجاج لإيجاد حلول فعلية للجهة بعد سنوات من الوعود.

 تسبب غلق الواد في تسرب المياه إلى أراضي عشرات الفلاحين ممن تسوغوا هذه الأراضي لزراعتها أو ممن اقترضوا من البنوك لإنجاز مشاريعهم الفلاحية

وقد صرحت والي نابل سلوى الخياري في تصريحات إعلامية أنّه تم عقد اجتماع بين جميع الأطراف المتدخلة والتوصل إلى حلول عبر تدخل ديوان التطهير في ربط مياه الصرف الصحي، مؤكدة أنّ المشكل هو مياه المصانع التي يتوجب عليها انشاء محطات معالجة مياهها وسكبها في الواد. ولكنّ قرار ربط المنطقة بشبكة ديوان التطهير تم اتخاذه أكثر من مرة من طرف كاتب الدولة للبيئة ثمّ، من والي الجهة السابق، واليوم من والي الجهة حاليًا. ومع ذلك بقي القرار يُتخذ كلّما تجدد المشكل. إضافة لذلك، لن يحلّ ربط المنطقة بقنوات الصرف الصحي إشكال مياه الصرف وتلوث الواد بسبب المصانع المتمركزة هناك التي تسرّب مياهها نتيجة عدم انشائها لمحطات معالجة. 

[[{"fid":"100824","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"4":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":375,"width":500,"class":"media-element file-default","data-delta":"4"}}]]

وعود كثيرة لم تتحقق بعد (مريم الناصري/الترا تونس)

 

اقرأ/ي أيضًا:

قطاع الدواجن في تونس يواجه التهميش وخطر التوريد "المشبوه"

الخطر الزاحف.. تهريب شتلات زيتون وفسائل نخيل إلى تونس