قراءة في الشريط الوثائقي الروائي

قراءة في الشريط الوثائقي الروائي "غزالة ".. هشاشة ناصعة

شريط "غزالة" ينقل هشاشة ناصعة وواضحة لشخصية المولدي الإنسان المنكسر المتستر بالرقص والبهجة

العجائبي والغريب والبديع في الفنون ليس حكرًا على تخيّل المبدع فقط، بل الواقع أحيانًا أشد غرائبية وعجائبية وإبداعًا، وهو ما حدا بفن مثل السينما إلى العودة للواقع والالتحام به ونقله كما هو دونما زيف أو نقصان ومحاولة تجنب القص السينمائي التخيلي قدر الإمكان، وهو ما سمّي بـ"سينما الواقع" أي تلك السينما التي تنقل الحكايا والقصص وتقوم ببنائها فنيًا بواسطة المونتاج لنتحصّل في النهاية على ما يعرف بالسينما الوثائقية الروائية التي باتت وجهة مثلى للعديد من السينمائيين في العالم بما في ذلك السينمائيين التونسيين.

غزالة شخصية من الهامش الاجتماعي لكنها تبدو هامشًا ضمن هذا الهامش من خلال لباسها ومكان إقامتها ومحدودية علاقاتها التواصلية

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "بنت القمرة".. عن نساء تحدين المرض وواجهن مجتمعًا لا يرحم

وأيام قرطاج السينمائية كأهم حدث سينمائي في تونس وفي أفريقيا فسحت المجال واسعًا في دوراتها الأخيرة لهذه السينما الجديدة فكانت هناك إطلالات على تجارب سينمائية من العالم. كما أفردت التجربة التونسية بقسم خاص سمّته " نظرة ما على السينما التونسية"،  وضمن هذا القسم نكتشف الواقع ونتعرّف عليه وأحيانًا نندهش أمام ما تحكيه الكاميرا من القصص المسرودة.

ومن الأشرطة التي تتنزل ضمن هذا الإطار السينمائي الجديد نجد شريط " غزالة " للمخرجة هاجر النفزي والسيناريست محمد عيدودي وقد عرض ضمن الدورة الـ29 لأيام قرطاج السينمائية.

"غزالة " هو الاسم غير الرسمي (كنية) للشخصية الرئيسية للفيلم وهي المنطلق لقصص صغيرة مترابطة ومتشابكة تروي جهة الكاف بالشمال الغربي التونسي.

غزالة أو المولدي الحنّاشي هو شخصية حقيقية لكنها شخصية مركّبة. وقد حاولت المخرجة هاجر النفزي إبراز تشضّيها وخاصة تلك الانكسارات النفسية الحادة التي عاشتها طيلة عقودها السبع وهو ما أدّى إلى انطوائها وانزوائها، رغم تظاهرها بالشجاعة الاجتماعية وتسلّحها بالرقص كوسيلة لخلق توازنات داخلية يبدو أنها لن تعود أبدًا.

غزالة شخصية من الهامش الاجتماعي لكنها تبدو هامشًا ضمن هذا الهامش من خلال لباسها ومكان إقامتها ومحدودية علاقاتها التواصلية. وقد أمعنت كاميرا المخرجة الشّابة في تصوير الهشاشة الداخلية لهذه الشخصية من خلال التركيز على النظرات التأملية ولحظات الصمت العميقة.

سلّط شريط "غزالة" الضوء على مادة خصبة من قبيل الأغاني والأهازيج التي يرددها أهالي الريف بالكاف وخاصة الأساطير التي تحف بسير الأولياء الصالحين

اقرأ/ي أيضًا: 9 أفلام تونسية في مهرجان أيام قرطاج السينمائية 2018.. تعرّف عليها

لكن بيدو أن غزالة هي تعلّة روائية  للولوج إلى جغرافية الكاف كعنوان من عناوين الشمال الغربي التونسي. الكاف ضمن هذا الشريط يظهر وجهها المنسي حيث السفوح يينع منها الحرمان والأسى. مازال الفقر هو الشمس التي لا تغيب عن وجوه الناس هناك.

وقد حاولت الكاميرا التقاط ذلك من حوارات الشخصيات ومن ظروف العيش الصعبة التي يخيم عليها التقشف في كل شيء بما في ذلك التقشف في الكلام. وفي هذا الصدد أظهر الفيلم أن البدائل التي وجدها الأهالي هناك في أقاصي الريف الكافي هي بدائل ماورائية عبر التلهي بقصص الأولياء الصالحين، هذه الشخصيات القديمة التي مازالت تسكن الوجدان الجمعي لتلك المناطق وماكينة الحرمان والنسيان هي التي تغذيها.

ومن زاوية أنتروبولوجية، سلّط شريط غزالة باعتباره يحمل وجهًا وثائقيًا، الضوء على مادة خصبة من قبيل الأغاني والأهازيج التي يرددها أهالي الريف بالكاف وخاصة الأساطير التي تحف بسير الأولياء الصالحين الذين يرقدون بسلام في حضن تلك الطبيعة الآسرة وخاصة سيرة "سيدي عمر" و"للا حفصة"، وطرق التذرع لهم وطقوس الذبائح والولائم المنذورة لزيارتهم.

كاميرا المخرجة هاجر النفزي بدت كاميرا محلّقة حيث تشبع العين بجمال المكان والطبيعة الفاتنة لجهة الكاف وخاصة تصويرها المرموق لمائدة يوغرطة، هذا المعلم الطبيعي الفريد من نوعه في العالم وغير المستغل سياحيًا إلى الآن، وربما هذا ما حاولت النفزي إبرازه من خلال شريطها الوثائقي الروائي الأول.

شريط "غزالة" ينقل هشاشة ناصعة وواضحة لشخصية المولدي الحناشي، الإنسان المنكسر المتستر بالرقص والبهجة، وأيضًا للشمال الغربي التونسي عمومًا.          

المخرجة هاجر النفزي

مخرجة العمل هاجر النفزي

اقرأ/ي أيضًا:

أيام قرطاج السينمائية.. وديكتاتورية السجّاد الأحمر

رغم التفجير الانتحاري: أيام قرطاج السينمائية ستنعقد في موعدها ودعوة للاحتفاء