على دفتر العود إلى مسرح قرطاج.. أمينة فاخت تكتب

على دفتر العود إلى مسرح قرطاج.. أمينة فاخت تكتب "سجّل.. أنا الديفا"

12361 مشاهدة
طريقة أمينة فاخت في الغناء متفرّدة ورقصها متمايز عن رقص غيرها من الفنّانات (الصفحة الرسمية لمهرجان قرطاج الدولي)

"سجّل.. أنا الديفا، أصلي في الفن ثابت وفرعي في السماء"، هكذا ردّدت حركات أمينة فاخت وسكناتها النادرة على ركح المسرح الأثري بمهرجان قرطاج في السهرة الثانية لعرض "عودة الروح".

في ثاني ليالي "البعث"، كان مدخل المسرح الأثري بقرطاج أشبه بباب الجنّة يوم الحشر، طوابير الأنام تكاد لا تنتهي، والمد البشري لا يتوقّف وكأن أمينة فاخت تقدّم عرضًا للمرّة الأولى بعد قطيعة مع المسارح. تشير الساعة إلى العاشرة ليلًا، حينما انبعث النشيد الوطني التونسي، وردّدته الجماهير في المدارج، بعضهم رفع شارات النصر وبعضهم لوّح بيده. وقف الجميع لتحيّة العلم الذي رفرف في الشاشة التي انتصبت على المسرح. قد يختلف التونسيون ويسيرون في سبل متفرّقة، ولكنّهم يجتمعون على حب راية تونس التي تحتفل بعد ساعات من العرض بالذكرى الواحدة والستين لعيد الجمهورية.

كان مدخل المسرح الأثري بقرطاج أشبه بباب الجنّة يوم الحشر، طوابير الأنام تكاد لا تنتهي والمد البشري لا يتوقّف

بعد أن دوّى صدى "حماة الحمى يا حماة الحمى.. هلموا هلموا لمجد الزمن" في محيط المسرح، خفتت الأضواء منبئة باعتلاء عازفي الفرقة الوطنية المسرح، عازفون بقمصان بيضاء حرّرتهم من الياقات وربطات العنق. وهاهو قائد الفرقة الوطنية محمّد الأسود، يعلن بعصاه عن انطلاق تهويد الجمهور الذي بدا متعطّشًا لسماع صوت الديفا أمينة فاخت التي أطلّت من خلف الفرقة كآلهة الرقص "تيربسيكوري"، تمايلت وفتحت ذراعيها وكأنها تبتهل، انحنت للجمهور وانبرت تغنّي "موعدنا أرضك يا بلدنا" فألهمت نفوس الجمهور نشوتها.

اقرأ/ي أيضًا: كامل برمجة الدورة 54 لمهرجان قرطاج الدولي

بإطلالة زاوجت بين البساطة والأنوثة الصارخة، تحرّكت أمينة فاخت على ركح مسرح قرطاج وراودت الجمهور فنيًّا فردّد معها كلمات الأغنية وكان الـ"الكورال" الذي أثبت أنّ الديفا ليست مجرّد فنّانة بل هي فكرة في عالم الفن، فكرة مدادها الجنون. "الديفا" لم تتوان عن مدح الجمهور الذي قالت إنّ لقاءه كان بعد معاناة ووصفته بالرائع بلكنة فرنسية، وما أجمل وصفها لو كان بالعامية التونسية، وهذا لا ينفي أنّ الجمهور تفاعل كامل السهرة مع حديث أمينة فاخت الذي غلبت عليه اللكنة الفرنسية.

وفيما "الديفا" تغازل جمهورها، يقف محمّد الأسود وجهًا لوجه مع عازفي الفرقة الوطنية، بدا الأسود كإله الموسيقى "أبلو" وهو يلوّح لهم بعصاه التي يهزّها يمينًا وشمالًا بأنساق مختلفة. خطاب ليس كغيره من الخطابات أعلن ميلاده على ركح مسرح قرطاج، خطاب لغته الموسيقى وحروفه الإيقاعات. واصلت أمينة وجمهورها رحلتهم في ثنايا ليلة موسيقية يصعب عنونتها لأنها ضمّت فيضًا من المشاعر والرسائل العميقة، ويتشاركان في غناء " نحبّك يا بلادي"، التي أعقبتها "الديفا" برسالة مفادها أن الجيل القادم قادر على تجاوز ما تعيشه تونس اليوم.

أمينة فاخت والانضباط خطّان متوازيان لا يلتقيان، وفي توازيهما ولادة لعرض فرجوي يسري فيه حديث روح أمينة لأرواح جمهورها

ولئن كان جمهور أمينة فاخت على موعد عرض "عودة الروح" على مسرح قرطاج يوم السبت الماضي، فإنّ العرض الثاني مثّل العودة الحقيقة لأمينة فاخت بجنونها وعفويتها على المسرح. فأمينة فاخت والانضباط خطّان متوازيان لا يلتقيان، وفي توازيهما ولادة لعرض فرجوي يسري فيه حديث روح أمينة لأرواح جمهورها، جمهور رقصت له وتمايلت على وقع تفاعله وهي تغني " سكّة التايهين"، جمهور خاضت معه تحديّ الجنون وشهدت أنه ربحها وإن خسرت أشياء في حياتها.

ويا باحثًا عن سر الجنون والمتعة شاهد عرضًا لأمينة فاخت بقيادة المايسترو محمّد الأسود وأنت قطعًا ستتحرر من سجن الزمان والمكان وتحملك أوتار الكمنجات بعيدًا ويتلو عليك الناي تراتيل السلام الداخلي. "أعضاء الفرقة التي تصاحبني مجانين وهم نجوم ستضيء سماء تونس هذه الليلة"، كلمات قالتها "تيربسيكوري" في مدح الفرقة الوطنية للموسيقى، قبل أن تلعن الانضباط وتطلق العنان للجنون الكامن فيها.

راوحت "الديفا" بين تعبيرات الرقصات الشرقية والفولكلور التونسي في عرض "عودة الروح" الذي اكتمل فيه البعث في إطلالتها الثانية على قرطاج

"تيربسيكوري"، إحدى آلهات الإلهام التسع في الميثولوجيا الاغريقية والتي عنيت بالرقص والغناء الجماعي، تجسّدت من جديد على ركح قرطاج على هيئة أمينة فاخت التي رقصت بعفوية وبساطة وضربت بأقدامها على الركح حتى اهتزّت المدارج. رقصت أمينة من أخمص قدميها حتّى أعلى رأسها، حتّى تكاد تجزم أن مسامها تتمايل وشرايينها تتراقص على وقع دقات قلبها التي قالت إنّه ينبض بشدّة فرحًا بجمهورها.

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان قرطاج الدولي.. السّياق التاريخي ومراكمة الذاكرة الثقافية

وأنت تشاهد "الديفا" على المسرح تغنّي " سلطان حبّك"، حرّة طليقة متحرّرة من كل العقد والنواميس، ستتيقّن أنّها خلقت من طين مسقي بإكسير الحياة بما تحويه من حب وحرية وجنون وهوس وتمرّد، هي لا تشبه إلا نفسها، وهي فكرة لن تتكرّر. يطالعك وجه إله الخمر ديونيسوس، الذي ألهم الجميع طقوس النشوة والابتهاج فتماهوا مع إيقاعات الفرقة الوطنية للموسيقى وصوت أمينة وجنونها. وطريقة أمينة فاخت في الغناء متفرّدة، رقصها متمايز عن رقص غيرها من الفنّانات هي في الحقيقة لا ترقص هي تغنّي بجسدها، هي تخاطب جمهورها بلغة الجسد، لغة فهمها جمهورها وأحبّها.

حتّى القمر الذي أخفته الأشجار الشامخة في المسرح الأثري بقرطاج، تسلّل ليتوشّح برؤية " تيربسيكوري" ابنة السماء التي حلّقت بالجمهور بين ثنايا مزحاتها التي قسّمتها بينه وبين الفرقة الموسيقية والفنان مارسيل خليفة. وراوحت الديفا بين تعبيرات الرقصات الشرقية والفولكلور التونسي في عرض "عودة الروح" الذي اكتمل فيه البعث في إطلالتها الثانية على قرطاج حيث هزّت خصرها وضربت بأقدامها على الأرض واستلقت على المقعد المخصّص للـبيانيست، وهي تغني على الجبين عصابة وعلى الماشينة واش خصني. كان جسدها يردّد " هذه الديفا بجنونها وعفويتها".

لم تنس أمينة فاخت أن تحيي الفنان بلغيث الصيادي الذي يصارع المرض وطالبت بتوفير فضاءات ملائمة لذوي الإعاقة ليواكبوا عرضها

"تيربسيكوري"، آلهة الرقص والغناء، جعلت من عرضها ملاذًا للشمس والقمر والكواكب، أما الكواكب فهي الجمهور الذي جاءها عاشقًا لصوتها وجنونها، وأما الشمس فابنتها ملكة عويج التي غنّت بلغة موليير، وأما القمر فمحمّد علي شبيل الذي غنّى ليام كيف الريح في البريمة. و"الديفا" التي تنحاز دومًا إلى التفرّد والتمايز، لم تكلّف نفسها عناء تقديم الشاب محمد علي شبيل وابنتها التي بايعتها على مسرح قرطاج للجمهور، وإن ألقت بالشابين مباشرة في عرض الجمهور، فإنّها لم تتخلّف عن حواراتها العفوية معه، مع الجمهور الذي سمّته "حبّي".

وهي تطلّ على جمهورها بعد غياب دام حوالي عشر سنوات، غنّت أمينة فاخت سلطانة غرام وهو إنتاج جديد، وسمت به عودة الروح ووجّهت به رسالة إلى منتقديها الذين يعيبون عليها شحّة إنتاجاتها الخاصة. وفي غمرة حديثها الروحي مع جمهورها، وطفرة الانفعالات التي تراوحت بين الهتاف والزغاريد، لم تنس أمينة فاخت أن تحيي الفنان بلغيث الصيادي الذي يصارع المرض وطالبت بتوفير فضاءات ملائمة لذوي الإعاقة ليواكبوا عرضها.

جنون أمينة فاخت وعفويتها وتفرّدها في التخاطب مع جمهورها وشدّه، محاسن لن تحجب أن أمينة كرّرت نفسها في عرضي قرطاج مع استثناء واحد تمثل في تحرّرها المطلق على المسرح في السهرة الثانية وعودتها الحقّ إلى نفسها وروحها العفوية المتفرّدة. ورغم أنّها لم تنضبط إلى الفرقة الوطنية للموسيقى في عدّة مواضع إلا أن ذلك لا ينفي أنها كتبت بصوتها على دفتر العود إلى مهرجان: "سجل.. انا الديفا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

قيل إنها موجهة للشباب الموهوب: برمجة الدورة 54 لمهرجان الحمامات الدولي

مارسيل خليفة، أمينة فاخت وصبري مصباح نجوم مهرجان دقة الدولي