التباعد الاجتماعي يعزّز الهجرة إلى الريف زمن الكورونا

التباعد الاجتماعي يعزّز الهجرة إلى الريف زمن الكورونا

تحوّل الريف إلى مكان محبّذ لمواجهة فيروس كورونا (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

هجروا الرّيف بخضرته وهدوئه وسلامه نحو اكتظاظ المدينة وضجيجها، هم سكان الأرياف ممن هاجروا إلى المدن سواء بصفة وقتية أو نهائية بحثًا عما يسدّ الرمق أو طلبًا للعلم أو ربّما تأثرًا بحياة التمدّن. وقد ارتفعت وتيرة هذه الهجرة الداخلية طيلة السنوات الأخيرة، وخلّفت اختلالًا في توازن التوزع العمراني، فغصّت المدن الكبرى بالهاربين من حيف الخصاصة والباحثين عن العمل، فيما بقي الريف وطنًا هامشيًا لمن مازال يقطنه وفضاء ترفيهيًا لزواره الوقتيين.

لكنّ اليوم يبدو أنّ فيروس كورونا غيّر نمط الحياة وقلب بعض المعادلات حتى ولو بصفة وقتية، إذ بات التباعد الاجتماعي أو الجسدي يطرح نفسه حلًا للوقاية أكثر من هذا الفيروس. فابتعاد الإنسان بجسده عن الإنسان الآخر حقيقة وقائية فرضها اليوم وباء كوفيد-19، فعزز هذا التباعد وتفادي الاكتظاظ الهجرة العكسية نحو الأرياف بحثًا عن الأمان من هذا الوباء.

 خيّر العديد من المواطنين لا سيما ممن لديهم عائلات في الأرياف الهرب من المدن بسبب الحجر الصحي والخوف من الإصابة بفيروس كورونا

ففي الأيام الأولى لانتشار الفيروس في تونس، ومع توقف الدروس في الجامعات، انطلقت رحلة عودة جميع الطلبة إلى عائلاتهم في المناطق الداخلية قبل أن يقع فرض حجر صحي شامل، وقبل توقف وسائل النقل بين الولايات. ولم تقتصر هذه الرحلات على عودة الطلبة أو التلاميذ إلى بيوتهم الأولى في الأرياف، بل خيّر العديد من المواطنين لا سيما ممن لديهم عائلات في الأرياف الهرب من المدن بسبب الحجر الصحي والخوف من الإصابة بفيروس كورونا.

اقرأ/ي أيضًا: يوميات التونسي في زمن الكورونا.. الدفء العائلي في مواجهة كآبة الحجر الصحي

وأعادت هذه الرحلات الحياة لبيوت كان بعضها خاليًا من السكان لسنوات، لتبرز ظاهرة هجرة جماعية عاجلة ومؤقتة نحو الأرياف من جديد. هجرة يبدو أنّها أعادت الحركية إلى بعض المناطق النائية وبعض القرى والمساكن المهجورة، وأعادت الروح إلى مساكن كانت مقفرة.

تقول فائزة (41 سنة) لـ"ألترا تونس" إنّها هجرت الريف منذ أكثر من 20 سنة وتزوره فقط في بعض المناسبات القليلة، لكنّها عادت منذ أسبوعين إلى بيت والد زوجها الذي كان مغلقًا منذ أكثر من 10 سنوات. لم تحتج إلى الكثير من الأثاث أو أي شيء من الكماليات مكتفية ببعض الأثاث البسيط الموجود منذ سنوات، مبينة أنه يكفيها ما حملته من ملابس لها ولعائلتها، وزادها من المواد الغذائية الأساسية التي قد تكفيها لأسبوعين.

تبيّن محدثتنا أنّها خيّرت العودة إلى الريف مخافة إصابة عائلتها بالوباء إثر تسجيل حالات إصابة بفيروس كورونا في ولاية نابل قرب مقر سكنها قائلة: "طالما الهجرة إلى مكان دون اكتظاظ أو تزاحم قد تحميني من خطر الإصابة بهذا الفيروس، لم أؤجل الفكرة خاصة وأنّ المدّة قد تطول، وهي فرصة أيضًا لتغيير الجوّ والابتعاد عن ضغط المدينة".

فائزة (41 سنة): لم أؤجل فكرة الانتقال إلى الريف طالما الهجرة إلى مكان دون اكتظاظ أو تزاحم قد تحميني من خطر الإصابة بــ"كورونا"

حرّك فيروس "كورونا" إذًا رحلات العودة إلى الريف، فتوقف الدروس إلى جانب توقف العمل في العديد من المؤسسات وغلق أغلب المصانع إلى جانب صعوبة التنقل لتوفير بعض المواد الغذائية، كان سببًا لهروب العديد إلى الأرياف والمكوث مع الأقارب، مخافة الإصابة بالعدوى أو هروبًا من الملل وعدم القدرة على تحمّل البقاء في فضاء مغلق طيلة أسابيع أو حتى أكثر.

وقد اختارت بعض العائلات هذا الخيار خاصة بعد توسع دائرة المصابين بهذا الفيروس في عدّة جهات. ولم تقتصر رحلات الهجرة على التنقل بين الولايات بل في وسط الولاية الواحدة، بالابتعاد عن مركزها نحو القرى والأرياف التي تكون أكثر أمانًا وأقل خطرًا.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يعيش الموظف يومه في البيت زمن "الكورونا"؟

تعوّد عبد الكريم وزوجته على قضاء أغلب العطل في الرّيف وتحديدًا في منطقة الدخانية بولاية سليانة، التي تبعد عن العاصمة قرابة ثلاث ساعات فقط. وقد خيّر، بعد توقف الدروس والعمل وفرض الحجر الصحي الشامل، العودة إلى بيت العائلة، ولم يحتج للكثير ليحمله معه فقط بعض الحاجيات الضرورية والمواد الغذائية.

يقول لـ"ألترا تونس" إنّه خيّر التنقل في هذا الظرف الخطير ليحمي عائلته من خطر الوباء، لاسيما وأنّ منزل والده في الريف بعيد حيث تقلّ الزيارات واللقاءات، كما يوجد ما يحتاجه من مواد غذائية كالخضر والغلال. وأكد أن الظرف الحالي لا يدفع المرء إلى التفكير في بعض الكماليات، مشددًا أنه يكفي حاليًا تأمين بعض ما يسد الرمق ويفي بالحاجة إلى أن ينتهي خطر الوباء وتعود الحياة إلى مجراها العادي.

الطالب عمر غالبي (25 سنة) بدوره لم يعد إلى منزل العائلة منذ التحاقه بالدراسة في مدينة صفاقس منذ قرابة ثلاث سنوات، باعتبار أن عائلته هي من تزوره لتزويده بما يحتاجه في كل مناسبة. ولكنّه عاد هذه المرّة إلى مسقط رأسه منذ إعلان توقف الدروس في الجامعات إلى بيت العائلة في ريف الروحية بولاية سليانة، قبل حتى الإعلان عن تسجيل أي إصابة في صفاقس.

 حوّلت الكورونا الريف اليوم من مكان منبوذ لدى البعض بسبب عزلته إلى مكان محبّذ هربًا من الوباء

يقول محدثنا إن الحجر الصحي قد يطول، مضيفًا أنّه يتابع باستمرار ما ينشر من أخبار حول انتشار الفيروس في العالم، مؤكدًا أنه كان على قناعة أنّ تونس لن تكون بمنأى عن هذا الوباء، ولذا كان خيار العودة إلى الريف أفضل خيار بالنسبة إليه. وأضاف قائلًا: "يبدو أنني محظوظ لأنّ عائلتي تملك منزلًا في الريف، فهنا على الأقل لا قلق ولا ملل من سجن وقتي بين جدران المنزل".    

ختامًا، يبدو أن الكورونا حوّلت الريف اليوم من مكان منبوذ لدى البعض بسبب عزلته إلى مكان محبّذ هربًا من الوباء، فكم يتمنى كل شخص اليوم في الحجر الصحي المنزلي أن يسكن بيتًا على سفح جبل، حاجته سوى بعض الزاد والهواء النقي بعيدًا عن تزاحم المدينة وضيق مساكنها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 عاملات بلا أجور يستغثن: كورونا أرحم من قطع أجورنا ومورد رزقنا!

"مدرسة العطلة".. طقوس ثقافية زمن الكورونا