ثقافة الـ

ثقافة الـ"Up": يوجد في الفضاء الأزرق ما لا يوجد في الواقع

وجه آخر للتضامن بين التونسيين في الفضاء الافتراضي

 

أعلى المجموعة الخاصة بالأشياء المفقودة في تونس "Lost & Found Tunisia" على فيسبوك، منشور يختصر الهدف من إنشائها، وهو الإشارة إلى أن تونس لا تزال بخير وأنه على المواطنين استعادة تونس وتحسينها، وذلك بفضل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في إيصال الصوت عبر حثّ أعضاء المجموعة لدعوة أصدقائهم وأسرهم للانخراط فيها.

انطلقت هذه المجموعة الفيسبوكية بإعلانات الضياع لمن فقد أشياء أو وجدها من أجل مشاركة المعلومة والمساعدة على إرجاع الأشياء لأصحابها. وهي انعكاس لمحاولة أخرى من محاولات توظيف الواقع الافتراضي في الواقع واستثمار العلاقات في الفضاء الأزرق إلى قناة لإيصال المعلومة ونشرها على نطاق أوسع ورجع صداها.

انطلقت المجموعة الفيسبوكية بإعلانات الضياع لمن فقد أشياء أو وجدها من أجل مشاركة المعلومة

 

تعدّ المجموعة المغلقة أكثر من 370 ألف عضوًا وتستقبل حوالي ألف طلب نشر في اليوم وآلاف تعليقات الـ "Up" على المنشور الواحد، والعبارة تعكس تعاطف أحد المشتركين مع المنشور على اختلاف مضمونه، وذلك لإعادة المنشور إلى أعلى الصفحة وبالتالي زيادة فرص وصوله إلى أقصى عدد ممكن من روادها.

لأغراض إنسانية بحتة، قرر أحمد بوشعير إنشاء مجموعة "Lost & Found Tunisia" على موقع التواصل الاجتماعي، وهي الأولى من نوعها في تونس، نسجًا على منوال نفس التجربة في دول أوروبية حيث كان يقيم في إحداها، بعد أن فقد يومًا ما أغراضًا تهمه ووثائقه لدى عودته إلى تونس.

تضم المجموعة الفيسبوكية "Lost & Found Tunisia" أكثر من 370 ألف عضو وهي تهدف لمساعدة المواطنين الذين فقدوا أشياء للعثور عليها ثم تطور دورها لتساهم في تنظيم المساعدات الاجتماعية

اقرأ/ي أيضًا: مواقع التواصل الاجتماعي.. بوابة إغاثة أنقذت حياة عدد من التونسيين

ويحمل الكثير من رواد "فيسبوك" ممن حاورهم "ألترا تونس" انطباعات إيجابية عن هذه المجموعة ودورها في إعادة مقتنيات أو وثائق هامة جدًا لأصحابها عبر نقل المعلومة والربط بين فاقد الشيء ومن يعثر عليه. وتتطلب الموافقة على طلب الانضمام للمجموعة الانصياع لشروط محددة، هي الاحترام المتبادل وقبول الآخر، والتعهّد بعدم إزعاج أو هرسلة أي عضو في المجموعة، أو القيام بأعمال إشهارية أو نشر مضامين مسيئة للأخلاق.

حفّزت النتائج الإيجابية التي حصلت بفعل هذه المجموعة وأعضائها المئات على تنزيل منشورات لما فقدوه من أشياء قيمة تختلف قيمتها المادية من حالة لأخرى.

منذ بدء نشاط المجموعة، آلاف المنشورات عن مفقودات متمثلة في قطع من المصوغ، ووثائق شخصية وشهائد علمية ومفاتيح وسيارات وهواتف وحواسيب ودراجات نارية ونظارات شمسية، وصلت لأصحابها في أغلب الحالات.

مساعدات اجتماعية وبحث عن أشخاص أيضًا

إلا أن المجموعة تطورت لتشمل نداءات المساعدة الاجتماعية وخاصة الصحية عبر توفير التجهيزات الطبية والأدوية المفقودة. كما لم تكن بمعزل عن الأحداث التي تمر بها البلاد، إذ تداول بكثافة على سبيل المثال بلاغ وزارة الداخلية حول العنصر الإرهابي أيمن السميري وصورته مع الدعوة للإبلاغ عنه، وذلك قبل ساعات من القضاء عليه في منطقة حي الانطلاقة بالعاصمة تونس.

تطورت المجموعة لتشمل نداءات المساعدة الاجتماعية والصحية 

 

اقرأ/ي أيضًا: مواقع التواصل الاجتماعي.. الفضاء البديل تونسيًا

ويحيلنا تصفح المنشورات في المجموعة إلى قرار البعض البحث عن أفراد من أسرهم وأصدقاء لهم فقدوهم منذ عقود، حيث دفع الأمل عضوة إلى نشر إعلان ضياع ثلاثة من إخوتها التوائم عند الولادة منذ حوالي 25 سنة، بعد فشل عمليات البحث عنهم بالطرق التقليدية.

وفي السياق ذاته، نشرت في شهر جوان/ حزيران الماضي عشرات بلاغات الضياع لمفقودين أغلبهم من الأطفال إلى وجهة غير معلومة، إضافة إلى منشورات أخرى لأشخاص عثر عليهم في أماكن متفرقة فاقدين للذاكرة أو عاجزين عن العودة إلى ديارهم.

كيف يعمل مديرو المجموعة؟ المهمة الصعبة

لم يكن من اليسير على منشئ المجموعة ومساعديه إدارتها، وفق ما أفاد به المسؤول الثاني عن المجموعة محمد بوشعير "ألترا تونس"، إذ أصبح التطور السريع لعدد الأعضاء وعدد طلبات النشر يتطلب جهدًا كبيرا وتنظيمًا جيدًا يتماشى مع حساسية المنشورات ومستوى الثقة بين الأعضاء والإدارة، في مواجهة غايات سيئة وخبيثة قد تأتي بنتائج عكسية وتنسف الغايات النبيلة والخيّرة للمجموعة، وفق قوله.

محمد بوشعير (من المشرفين على مجموعة "Lost & Found Tunisia"): أصبح التطور السريع لعدد الأعضاء وعدد طلبات النشر يتطلب تنظيمًا جيدًا يتماشى مع حساسية المنشورات ومستوى الثقة بين الأعضاء والإدارة

يضيف محدثنا أنه للاضطلاع بدور رقابي قبل النشر للتحقق من صحة المنشورات، فرضت الحاجة الاعتماد على 3 فرق من مديري المجموعة يبلغون خمسون متطوّعًا.

وينقسم مديرو المجموعة إلى لجنة اجتماعية تتحقق في صحة المنشورات الاجتماعية قبل النشر لتفادي التحيل، ولجنة طبية من أطباء وإطارات طبية تنظر في الطلبات الصحية والطبية ولجنة الإغاثات الطبية مكونة من المندوبين الطبيين، بالإضافة الى الاعتماد على محامين ومختصين في القانون. 

تخضع المنشورات في المجموعة لرقابة داخلية قبل نشرها

 

وأكد بوشعير أنه يتم اتخاذ احتياطات كبيرة للحفاظ على الشفافية ومقاومة كل محاولة للتطفّل على المجموعة والاستثمار في حاجة الأعضاء للمعلومة والتحيل عليهم واستغلال المنشورات لأغراض سيئة.

في هذا السياق، عمد أحدهم الاتصال بمواطن ليبي ساعات بعد إعلانه ضياع جواز سفره في إحدى سيارات الأجرة، مستغلًا وضعه ومحاولة ابتزازه متظاهرًا بأن الجواز بحوزته. وفي شهر ماي/ أيار الماضي، اتصل بعض المتحيّلين بحمدي الذي أعلن العثور عن مبلغ مالي يفوق عشرة ألاف دينار ومجموعة من الأدوية.

تحت مجهر علم الاجتماع

ترى الباحثة في علم الاجتماع منال العبروقي أن لجوء التونسي إلى المجموعات الافتراضية لمساعدته هو تعبير ضمني على عدم ثقته في القطاع الخدماتي والسّلط المحلية في إنصافه وأخذ طلباته على محمل الجد.

منال العبروقي (باحثة في علم الاجتماع): الفضاءات الموازية للمؤسسات في الواقع تجعل المواطن يشعر بالرضا بعد انسداد الأفق في الواقع

وأضافت في حديثها لـ"الترا تونس" أن مثل هذه الفضاءات الموازية للمؤسسات في الواقع تجعل المواطن يشعر بالرضا بعد انسداد الأفق في الواقع.

وكان تقرير "Digital 2019" حدد أن عدد التونسيين الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي بلغ 7.5 مليون مستخدم أي بنسبة 64 في المائة من إجمالي عدد السكان.

وإن كانت هذه الظاهرة لا تخلو من المخاطر التي ترافق كل عملية افتراضية قد لا يتعامل فيها البعض بهوياتهم الحقيقية، إلا أنها تبقى حوارًا واسعًا يتماهى في جزء كبير منه مع حوار الخير والشر في مجتمعنا توظّف فيه التكنولوجيات الحديثة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التجارة الإلكترونية.. تسهيل للمعاملات وبوابة للغش أحيانًا

تونسيون أدمنوا "العالم الأزرق" ثم غادروه دون رجعة