الوشم في تونس.. من سردية القبلية إلى روايات الذات

الوشم في تونس.. من سردية القبلية إلى روايات الذات

2126 مشاهدة
المختص فواز زهمول بصدد رسم وشم (فيسبوك)

الوشم علامات راسخة ترتسم على جسد الفرد عبر غرز ابرة في الجلد وتسريب الصبغ عبر الفتحات والجروح فيمتزج الدم والمواد الملوِّنة وتتحول خربشات الإبرة إلى رسم لا يزول. وتختلف تعبيرات الوشم بين الأجيال وبين الأفراد، ففي تونس ماضيًا كان يُعتبر زينة وتعبيرًا عن روح الجماعة والانتماء القبلي بل وتعويذة لطرد الأرواح الشريرة، أما حاضرًا فيُعدّ الوشم مجاراة لصيحات الموضة وتعبيرًا عن التحرّر والانعتاق.

وفي غياب مساحيق التجميل تزينت المرأة التونسية في الماضي بالوشم المنبثق عن الموروث الثقافي الأمازيغي، ورسمت على وجهها وعنقها ويديها ورجليها علامات تراوحت ألوانها بين الأزرق والأخضر.

فواز زهمول، أحد محترفي مهنة الوشم في تونس: "الوشم ليس حكرًا على جنس محدد وإنّما يلاقي إقبالاً كبيرًا من الجميع"

فواز زهمول أثناء أداء عمله (فيسبوك)

اقرأ/ي أيضًا: من يملك الآخر.. نحن أم أجسادنا؟

إقبال من النساء والرجال

اليوم، استشرت ظاهرة الوشم في تونس وشملت مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية، بعد أن كان الوشم مرتبطًا بصفة خاصة بالمرأة أو بعض الرجال المتمرّدين أو بخرّيجي السجون.

وإذا كان البعض يعتقد أنّ الرجال أكثر إقبالاً على الوشم على اعتبار أن المجتمعات العربية عمومًا، ذكورية تبيح للرجل ما لا تبيحه للمرأة ولا تنظر بنفس العين للمستوشِم والمستوشِمة، فإنّ المختص في الوشم وصاحب أوّل صالون مرخّص له في تونس فوّاز زهمول يؤكّد أنّ الوشم ليس حكرًا على جنس دون آخر وإنّما يلاقي إقبالاً كبيرًا من النساء والرجال على حدّ سواء ويشمل مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية.

ويضيف زهمول لـ"الترا تونس": " إلا أنّ القاصرين ممنوعون من الوشم إلا بعد إذن من الوالدين والتزام يوقعونه إضافة إلى حضور أحدهما عملية الوشم"، مشيرًا إلى أن الإقبال على الوشم ليس بالأمر الجديد وإنما النّظرة إليه هي التي تغيّرت ولم يعد حامل الوشم ينزعج من إظهاره.

ويتابع: " منذ عدت إلى تونس سنة 2006 لم يتغيّر الإقبال إذ نستقبل يوميًا من الساعة التاسعة صباحًا إلى حدود الساعة التاسعة مساء حرفاء تونسيين وأجانب على حدّ سواء"، مبيّنًا أن تعريفة الوشم تنطلق من 60 دينارًا تونسيًا وأنّ ارتفاع السعر يرتبط بحجم الرسم والألوان المستعملة.

وعن اختياره لهذه المهنة، يروي محدّثنا أن القصّة انطلقت منذ سنة 2002 عندما سافر إلى المغرب لإنهاء دراسته مهندسًا للصوت حيث عمل في أحد الصالونات المختصة في الوشم فبدأ عشقه للمجال. فكر سنة 2010 في مزاولة مهنة الوشم رسميًا، مشيرًا إلى أنه أسس أوّل نقابة لممتهني الوشم تضم 7 واشمين يعملون في منازلهم خاصة.

ويقول إنه تحصّل على ترخيص رسمي من وزارتي الصحة والتشغيل في تونس سنة 2016 أي بعد ستّ سنوات من انطلاقه في امتهان الوشم رسميًا، موعزًا عدم تفاعل السلطات الرسمية بسرعة مع مطلبه في الحصول على ترخيص إلى غياب قانون ينظّم مهنة الوشم المستجدّة في تونس.

وفيما يخصّ تقنيات الوشم، يفيد بأنّه سافر لإجراء تربّصات للتّمكّن أكثر من التقنيات. وشملت التربصات تركيا وتايلاندا وبلدان القارة الآسيويّة عمومًا وفي السنوات الأخيرة ضمّت البلدان الأوروبية. ولفت إلى أنّ التصاميم يعدّها الحريف في الأغلب ثم يطلب منه أن يضيف عليها بعض التعديلات. ويضيف زهمول لـ"الترا تونس" أن صيحة الوشم الأخيرة تتمثل في الأشكال الهندسية التي تتسم بالخطوط المستقيمة، مشدّدًا على أنّ الألم المصاحب للوشم خفّ مقارنة بالماضي نظرًا لتطوّر الآلات الخاصة بإدخال الحبر تحت الجلد.

وعن المضار التي من الممكن أن ترافق عملية الوشم، يؤكّد زهمول أنّ المواد غير مضرّة لأن توريدها يتم عبر وزارة الصّحة حيث تخضع إلى عدّة تحاليل للتأكّد من سلامتها ومن أنها لا تشكّل أيّة خطورة على الحريف، مشيرًا إلى أنّ ما يروج عن أنّ الوشم يمكن ان يكون وقتيًّا عار عن الصحة وأن الوشم يرافق صاحبه مدى الحياة ولا تتمّ إزالته إلا بتقنية الليزر.

إيناس العياري (تضع 12 وشمًا): "الألم الذي يرافق عملية الوشم متعة تتحوّل إلى نشوة حين يكتمل الرسم"

إيناس العياري شابة تونسية مغرمة بالوشم (الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: "النشطاء المهرجون" في تونس.. شكل احتجاجي جديد يلفت الأنظار

وسيلة للتعبير عن الذات

إذا كان للوشم أو "التكاز" بلسان الأمازيغية بعد هوّياتي اجتماعي في الماضي، يضمن التناغم بين النساء داخل القبيلة الواحدة، ويعدّ من أهم وسائل الزينة لدى المرأة فإنه اليوم يمثّل وسيلة للتعبير عن الذات والتمايز عن الآخر. إيناس العياري، شابة تونسية تحمل على جسدها 12 وشمًا تراوح بين الكتابات والصور، تقول لـ"الترا تونس" إنّ هوسها بالوشم انطلق منذ الصغر من خلال متابعتها للفنانين والممثلين وخاصة الممثلة وعارضة الأزياء الأسترالية روبي روز.

وبالنسبة إليها، الوشم ليس مجرّد زينة بل هو فنّ تحبّه وتتحمل من أجله ألم غرز الإبرة في جلدها للحصول على رسم يترجم أحاسيسها ويتطلب أن تتحلى من أجله بالشجاعة والجرأة الكافيتين لتجاوز نظرة المجتمع الدونية للمستوشمة.

وتضيف العياري أنّ الألم الذي يرافق عملية الوشم متعة تتحوّل إلى نشوة حين يكتمل الرسم وتصير الفكرة التي كانت تجول بخيالها واقعًا، مشيرة إلى أنّ الرسوم التي تزيّن جسدها تنبع دائما من رغبتها في التعبير عن فكرة ما تدور في رأسها على اعتبار أن الواشم ومهما علا مقدار مهنيته فإنه لا يستطيع أن يعبر عن أفكار الآخرين.

وتتابع: "عندما أحس برغبة في الرسم على جسدي أحاول ترجمتها في صورة تقريبية أحملها إلى الواشم الذي يضفي عليها تعديلات وفق رغبتي"، لافتة إلى أنّها مختلفة عن غيرها من الفتيات وتريد أن يكون وشمها متفرّدًا نابعًا من شخصيتها لذلك تحبّذ الرسوم الكبيرة.

ويحمل جسد محدّثتنا رسومًا مختلفة بعضها ظاهر والآخر مخفي تراوحت بين رسوم لرؤوس موتى تقول عنها إنها وضعتها لأن الموت بالنسبة إليها بداية مرحلة أخرى وكتابات باللغة الإنجليزية على غرار "لا أخاف من السير في هذه الحياة" و"اضحك الآن وابك لاحقًا" واسم مجموعة موسيقية تُحبها إضافة إلى عدّة رسوم أخرى تستمدّ دلالاتها من تجاربها الذاتية.

وتقول إيناس العياري إنها تعيش حالة إدمان لذيذ بالوشم يجعلها تفكّر في إضافة رسوم جديدة على جسدها رغم الانتقادات التي تتعرّض إليها يوميًا ووصفها بالفتاة السيئة التي لا تصلح للزواج. كما أن الوشم كان سببًا لطردها من عملها بأحد مراكز النداء حينما تفطّن المراقبون إلى الرسوم التي تغطّي يديها.

وتؤكّد العياري أنها لا تفكّر في نزع أي وشم رسمته على جسدها وتريد أن ترى التجاعيد تزينه على اعتبار أنه أصبح يشكّل جزءًا من يومها ومن حياتها وتعدّى الزينة ليصبح جزءًا من هويتها وأسلوب حياة ووسيلة للتعبير عن الذات وليس للزينة وإلا لما كانت رسمته في أجزاء مخفية من جسدها، مشيرة إلى أن الوشم يتطلب عناية فائقة على اعتبار أنه جرح من الممكن أن يتعرض الى الالتهاب والتعفن لذلك يجب اختيار واشم ذو سمعة طيّبة إضافة إلى المواظبة على استعمال الأدوية التي ينصح بها المختص في الوشم.

وختمت إيناس العياري حديثها لـ"الترا تونس" بالقول إن "الرغبة في وضع الوشم على الجسد يجب أن تكون نابعة عن قناعة لا عن تقليد أعمى للآخرين لأن التقليد عادة ما يتوج بالندم"، مذكرة بن الوشم جزء من هوية التونسيين وموروثهم الثقافي.

وإن كان الوشم في الماضي يُستعمل أيضًا للحماية من العين والحسد وإبطال السحر وطرد الأرواح الشريرة والشفاء من الأمراض، حسب اعتقاد كبار السن في التجمّعات السكنية، فإنّ غايات الوشم تختلف اليوم من فرد إلى آخر. وتطويع الحبر وتسريبه إلى مسام الجلد بأنامل الواشم الذي يحوّل الأفكار والأحاسيس إلى رسوم وكتابات، هو بالأساس تفاعل مع الحالة النفسية للراغب في الوشم، لتكون الوشوم تعبيرات عن مختلف المشاعر الإنسانية.

نوفل  اليعقوبي، رسم أوّل وشم على جسده منذ 5 سنوات: "من جرّب رسم وشم على جسده مرّة لن يتوقّف عن ذلك"

وشم "ذئب" على ذراع الشاب التونسي نوفل اليعقوبي (الترا تونس)

رمز لحفظ الذاكرة

نوفل اليعقوبي، شاب تونسي رسم أوّل وشم على جسده منذ 5 سنوات على هيئة شجرة أخفت آثار ندوب علقت بيده، ثمّ أعقبها بكتابة كلمات في فترة كان فيها على علاقة مع فتاة إيطالية ليردف وشمًا مؤخرًا برسم ذئب. ويعتبر اليعقوبي الوشم رمزًا يحفظ الذاكرة مدى الحياة ويعكس شخصية الفرد وهويته، ويخلّد مراحل من حياته ذلك أنه يرافقه ولا مجال للتخلّص منه لأنه حتى في حال محوه بتقنية الليزر تبقى آثاره راسخة.

ويقول إنه يعبّر عن نفسه وعن أفكاره بالوشم "لأن الرسوم التي يحملها تعبّر عنه أحيانًا أفضل من الكلمات كما أنه يعطي رمزية للجسد وأبعادًا ومعان". وينوي محدث "الترا تونس" إضافة وشم رابع لكنه يأخذ وقتًا للتفكير في الرسم الذي سيخطّه على جسده مدى الحياة لأنه لا يفعل ذلك بهدف التقليد وإنّما بهدف تخليد فترات من حياته، حسب تعبيره. ويختم بالقول إنّ من جرّب رسم وشم على جسده مرّة لن يتوقّف عن ذلك وسيضيف رسوما أخرى على جسده توثّق لمراحل مختلفة من حياته.

أدوات عمل فواز زهمول أحد محترفي مهنة الوشم (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

الوشم الذي تراوحت دلالاته بين روح الجماعة والانتماء القبلي وتمييز خريجي السجون في فترات سابقة من تاريخ تونس تأثر بالعولمة والمتغيرات التقنية التي انبثقت عنها وفقد خصوصيته التقليدية وبعده الاجتماعي. ولئن اقتصر الوشم في الماضي على اللونين الأزرق والأخضر وبصفة أقل اللون الأسود الذي استعمل قديمًا لطرد الأرواح الشريرة فإن الوشوم اليوم تلوّنت بكل ألوان الحياة.

وكانت النساء في الماضي يرسمن رموزًا على أجزاء ظاهرة من أجسادهن مبتكرين لغة جسد تخاطب الآخر وتنبؤه بمرحلة نضجها، وبعض الرجال يخطون في الماضي أول حرف من اسم المحبوبة فيما رواد السجون يخطون كتابات تحيل إلى حب الأم التي تتكبّد عناء زياراتهم في السجن أو يكتفون بثلاث نقاط خضراء على المعصم في إشارة إلى التمرّد على الجميع وأنه لا خطوط حمراء إلا الربّ والدين والوالدين.

واليوم ومع انتشار ممتهني الوشم لم تعد الرسومات حكرًا على جنس دون آخر وباتت تشمل كل أجزاء الجسد والوجه بصفة أقل على عكس وشم النساء في الماضي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تونس.. مصادرة موسيقى الشارع

مهرجانات تونس.. الخروج إلى الحياة