27-سبتمبر-2020

مشهد دفن ضحايا كورونا في المنستير حوّل مدينة الشفاء إلى مدينة الألم (صورة توضيحية من المستشفى الميداني في الحامة/ناصر طلال/ الأناضول)

 

"مدينة الشفاء".. هكذا كانت تلقّب المنستير بعد استقبال المركز الوطني لإيواء المصابين بكوفيد 19 من مختلف ولايات الجمهورية والأجانب أيضًا خلال بدايات انتشار فيروس كورونا في تونس، مركز بلغ صيته الأرجاء بعد أن غادره الآلاف معافين ورجعوا إلى ديارهم سالمين. منذ الموجة الأولى كان مركز الإيواء ملاذًا لقطع حلقات العدوى ولحماية مدن بأسرها.

ليلة الخميس 24 سبتمبر/ أيلول 2020 كانت ليلة حزينة في المنستير بعد مراسم دفن ليلي لمواطنين أصيلي المنطقة بمقبرة المدينة وكان الوداع الأخير ممتثلاً للبروتوكول الصحي في الدفن. تكبيرات على جانبي الطريق وفي الظلمة الحالكة تلمح أعوان البلدية في لباسهم الأبيض يدفنون شهيد "الكورونا".

بؤر كورونا انتشرت بسرعة في ولاية المنستير وسجلت بعض المدن مثل قصر هلال ومنزل النور والساحلين والمنستير المدينة ارتفاعًا غير مسبوق في عدد المصابين

مشهد حوّل مدينة الشفاء إلى مدينة الألم، خاصة وأن الضحيتين لم يجدا طريقهما إلى سرير انعاش شاغر في ولاية تعتبر قطبًا صحيًا واستشفائيًا وطنيًا. وقد أثار هذا الوضع الصحي احتقانًا في صفوف المواطنين وانتشر إبان ذلك هاشتاغ "المنستير تنزف في صمت".

منذ إعادة فتح الحدود في 27 جوان/ يونيو الماضي، فاق عدد الإصابات في ولاية المنستير 1252 إصابة وبلغ مجموع حالات الشفاء 124 حالة في حين لا يزال 1123 شخصًا حاملين لفيروس كورونا، واستكمل 11353 شخصًا الحجر الصحي الذاتي والإجباري في حين لا يزال 3188 في الحجر الصحي الذاتي و46 شخصًا في الحجر الإجباري.

أرقام تصاعدت خلال الأسبوع الأخير وأنذرت بالخطر وكشفت عن مشاكل مجال الصحة في الولاية، بؤر كورونا انتشرت بسرعة في ولاية المنستير وسجلت بعض المدن مثل قصر هلال ومنزل النور والساحلين والمنستير المدينة ارتفاعًا غير مسبوق في عدد المصابين كما أمست حالات الوفاة يومية على نطاق الولاية وارتفعت إلى غاية الجمعة 25 سبتمبر/ أيلول الجاري إلى 13 حالة وفاة.

صيحة فزع أطلقها المجتمع المدني والهياكل الصحية في مختلف معتمديات الولاية بعد تسجيل عجز واضح عن الإيواء بأقسام الإنعاش ومحدودية أسرة الأكسيجين واضطراب ملحوظ في المستشفيات بعد تسجيل إصابات لدى الإطار الطبي وشبه الطبي فاقت الخمسين.

اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع الإصابات بكورونا في صفوف الأطباء والممرضين.. الخطر يتضاعف

هذا الانهيار المدوّي للمنظومة الصحية طرح تساؤلات كبرى حول مدى جاهزية المستشفى الجامعي فرحات حشاد والمستشفيات المحلية بالجهة خاصة بعد أن سجل مستشفى الحاج علي صوة بقصر هلال "حالة تمرّد" في صفوف الإطارات الطبية وشبه الطبية مما دعا وزارة الصحة إلى فتح تحقيق في الغرض. كما تم تسجيل قصور في الخدمات في كل من مستشفى منزل النور والساحلين وهذا ما دفع الأهالي إلى الاحتجاج إزاء النقص الحاصل في التجهيزات والمعدات والموارد البشرية وأثبتت هذه المرافق عجزها عن إدارة الأزمة الحالية.

مدير مستشفى فطومة بورقيبة، لـ"الترا تونس": بعض المصابين كوفيد 19 في حالة حرجة ولم يجدوا طريقهم إلى أسرة الإنعاش إذ سجل المستشفى ضغطاً شديدًا نظرًا لانتشار المرض في ظرف وجيز

في هذا السياق، أكد رضوان الحربي، مدير مستشفى فطومة بورقيبة، لـ"الترا تونس" أن "عددًا من المصابين كوفيد 19 في حالة حرجة ولم يجدوا طريقهم إلى أسرة الإنعاش إذ سجل مستشفى فطومة بورقيبة ضغطاً شديدًا وكان ذلك نتيجة انتشار المرض في ظرف وجيز جدًا بالمنطقة وبروز بؤر له في كل من المنستير وقصر هلال ومنزل النور والساحلين"، وتساءل الحربي عن جاهزية المستشفى لاستيعاب هؤلاء المرضى خاصة مع اشتغال الأقسام الأخرى بالطاقة القصوى التي يملكونها في معالجة جميع أنواع المرضى الآخرين. وأقرّ الحربي أن هناك مجهودات لتجهيز المستشفى بثلاثة أسرّة إضافية في قسم الأمراض الخمجية.

من جهته، قال حمودة الببة، المدير الجهوي للصحة بالمنستير، في تصريح خص به مراسل "الترا تونس" بالساحل إن "وزارة الصحة قد أعطت الإشارة للإدارة الجهوية من أجل إنجاز عقود مع إطارات طبية وشبه طبية بلغ عددها الأربعين".

تسارعت الاحتجاجات بتركيز خيمة اعتصام أمام مقر ولاية المنستير وتحوّل الوضع إلى حالة من الاحتقان في المعتمديات الموبوءة التي يرتفع فيها عدد المصابين باطراد

لم تكن هذه الوعود والاستثمارات المبرمجة لترضي سكان ولاية المنستير فتسارعت الاحتجاجات بتركيز خيمة اعتصام أمام مقر الولاية وتحوّل الوضع إلى حالة من الاحتقان في المعتمديات الموبوءة التي يرتفع فيها عدد المصابين باطراد وتعددت المطالب العاجلة لمحاربة انتشار الوباء.

تلخصت أغلب المطالب في إنشاء مركز جهوي لإيواء المصابين من كافة معتمديات الولاية إلى جانب المركز الوطني للإيواء وتوفير العدد الكافي من الإطارات الطبية وشبه الطبية في المراكز المذكورة.

اقرأ/ي أيضًا: المنستير: قرارات عاجلة للحد من انتشار فيروس كورونا

وطالب المجتمع المدني ونواب ولاية المنستير خلال اجتماع بمقر الولاية حضره وزير الصحة، مساء الجمعة 25 سبتمبر/ أيلول الجاري، بقرارات حاسمة من أجل حصر النتائج الكارثية للجائحة مما دفع سلطة الإشراف إلى إقرار جملة من الإجراءات من بينها: الترفيع في عدد أسرّة الإنعاش بالمستشفى الجامعي فطومة بورقيبة بالمنستير من سريران إلى 18 سريرًا و من 40 سرير أكسيجين إلى 60 سريرًا وإحداث وحدة إنعاش جديدة بطاقة استيعاب 20 سريرًا ووحدة عزل بالمستشفى الجامعي فطومة بورقيبة بالمنستير لمصابي كوفيد 19 بطاقة استيعاب 10 أسرة ومستشفيين ميدانيين بكل من مدينة منزل النور والمنستير المدينة ومركز جهوي للحجر الصحي بأحد نزل المنستير بطاقة استيعاب 200 سرير انطلق السبت 26 سبتمبر/ أيلول الجاري في استقبال مصابي كورونا من أبناء ولاية المنستير ودعم المركز الوطني لإيواء مصابي كورونا بالمنستير بسيارة إسعاف بداية من الأسبوع المقبل فضلاً عن التعهد بدعم ولاية المنستير بموارد بشرية وبمستلزمات طبية ووقائية والشروع في رقمنة المستشفى الجامعي فطومة بورقيبة بالمنستير".

المنسق العام لمراكز إيواء المصابين بفيروس كورونا لـ"الترا تونس": "النقص الحاصل في الإطارات الطبية وشبه الطبية لا يخص المنستير فحسب وإنما هو إشكال وطني ونحن نقر بأننا نعاني مشكلاً في الموارد البشرية"

يُذكر أن وزارة الصحة قد أقرّت مجموعة من القرارات على مستوى وطني وذلك "بالانطلاق في انتداب 3000 إطار طبي وشبه طبي لتعزيز المستشفيات بالموارد البشرية وتعويض النقص في بعض الأقسام لضمان توفير الخدمات الطبية لمصابي فيروس كورونا وللمرضى العاديين ومنع الكراسي والشيشة في المقاهي بداية من يوم الاثنين 28 سبتمبر/ أيلول 2020 والتقليص في نسبة الحضور في الأعراس والجنائز بنسبة 30 % وتسليط عقوبات صارمة على كل من لا يحمل كمامة في وسائل النقل وإقرار مبدأ الحجر الصحي الشامل لكل معتمدية تتجاوز 250 حالة إصابة بالفيروس على 100 ألف ساكن لمدة أسبوع".

وأكد وزير الصحة الحالي فوزي مهدي إمكانية فرض حظر الجولان على كامل تراب الجمهورية إن تواصل ارتفع عدد حالات الإصابة بالفيروس. وفي تصريح لـ"الترا تونس"، قال الدكتور شوقي الوصيّف، المنسق العام لمراكز إيواء المصابين بفيروس كورونا، إن "النقص الحاصل في الإطارات الطبية وشبه الطبية لا يخص المنستير فحسب وإنما هو إشكال وطني ونحن نقر بأننا نعاني مشكلاً في الموارد البشرية".

وأضاف الوصيّف أنه "لابدّ لمواجهة الأزمات من حسن الاتصال والتواصل وتفسير معنى التعايش مع الفيروس للمواطنين وتفعيل دور المجتمع المدني وتحويل القرارات والإجراءات إلى واقع باعتبار أن عدم التنفيذ سيرافقه حتمًا التراخي والتسيّب"، مؤكدًا "أننا أمام عدّة إشكالات وتساءل عن مدى ثقة المواطن  في السلطة والهياكل الصحية؟ كما تساءل عن مدى الجاهزية لتخطي الأزمة؟ واعتبر الحلّ في دراسة الواقع جيدًا والقيام بمراجعات مهمة من أجل حوكمة  إدارة هذه الأزمة الصحية" .

 

اقرأ/ي أيضًا:

غياب أقسام إنعاش الأطفال يعمّق أزمة الوضع الصحي في بعض الجهات

كورونا تنعش الهجرة عبر الحدود الغربية.. سؤال المقاربة الإنسانية