الفروقات بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية في تونس.. محاولة للفهم

الفروقات بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية في تونس.. محاولة للفهم

بسام النيفر: الأرباح الصافية للقطاع البنكي في تونس سنة 2020، في حدود 857.9 مليون دينار (Getty)

 

تصدير: "إذا كنت تملك مبلغًا من المال قدره ألف دولار ولست بحاجة إليه لمدة عام مثلًا، وكنتَ ترغب في كسب دخل من هذا المال حتى يحين ذلك الوقت، أو إذا كانت لديك رغبة في شراء مسكن وكنت بحاجة لاقتراض مبلغ قدره 100 ألف دولار على أن تقوم بسداده على مدار 30 عامًا، فإنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يجد شخص بمفرده مقترضًا محتملًا يحتاج إلى ألف دولار بالتحديد لمدة عام واحد، أو مقترضًا يمكنه الاستغناء عن 100 ألف دولار لمدة 30 عامًا. وهنا يأتي دور البنوك". جين غوبات اقتصادي أول في إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي.


بات من البداهة أن يقول المرء إنه سيتّجه إلى أحد البنوك كي يودِع أمواله، أو أن يقترض أموالًا يسدّدها في وقت لاحق. فهذه الوساطة التي يلعبها البنك إذن بين المودِعين والمقترضين، هي جوهر عمله وصميمه. على أنّ الجدل كثيرًا ما يُثار في تونس وفي عديد المناطق الأخرى، بخصوص الفروقات التي قد تميّز نوعًا من الصيرفة عن غيره.. حديثنا يدور حول الفرق بين البنوك التقليدية (les banques conventionnelles)، والبنوك الإسلامية (les banques islamiques)، ومحاولة فهم آليات عمل كلّ منهما.

في هذا التقرير، يلقي "الترا تونس" الضوء على صنفين من العمليات المالية، فكان لزامًا التوجّه إلى المختصّين في المجال، في الجزء الأوّل يقدّم لنا المحلّل المالي بسام النيفر رؤيته لطريقة اشتغال البنوك التقليدية، ليشرح لنا في الجزء الثاني، المختصّ في المالية الإسلامية ماجد الغرسلي، مبادئ الصيرفة الإسلامية.

بسام النيفر (محلّل مالي) لـ"الترا تونس": البنوك الإسلامية لا تدخل في إعادة التمويل للبنك المركزي لأن ذلك يتم بنسبة فائدة هي لا تتعامل بها، وبالتالي هي بنوك مقصاة من إعادة تمويل البنك المركزي، فلا يمكن لها العمل إلا عبر التعويل على مواردها الذاتية

"إنّ هدف البنوك التقليدية واضح، إذ تسعى لتحقيق الربح عن طريق نسبة الفائدة من خلال عمليات القروض، وهي نسبة فائدة أساسية مع هامش ربح، أو نسبة فائدة قارة.. وبالتالي تكون نسبة الربح محددة مسبقًا، ويكون الحريف فيما بعد مطالبًا أيضًا بالدفع مهما كان وضعه، كما أنّ البنك الإسلامي يهدف إلى الربح المادي كذلك، لكنّه يضبط ذلك بجملة من القواعد والمبادئ يقول إنها متناغمة مع الشريعة الإسلامية" وفق قول المحلل المالي بسام النيفر.

ويضيف النيفر في حديثه لـ"الترا تونس": "الأموال ليست سلعة في البنك الإسلامي، وبالتالي لا يمكن أن نشتريها بثمن ونبيعها بثمن آخر، على عكس البنك التقليدي الذي يعتبر أنّ المال سلعة، يمكن أن يباع ويشترى.. في البنك الإسلامي المال مجرّد وسيط للتبادل ولتقييم الثمن، فهل هذا يعني أنّ البنوك الإسلامية لا تربح؟ قطعًا لا، لكن ربحها يكون عن طريق العقود التي تأتي في إطار حركة رأس المال" وفقه.

ولعلّ أبسط مثال يستحضره المرء كفرق أساسيّ لدى توقيعه عقد قرض الإيجار المالي "ليزينغ" (leasing) لشراء سيارة في البنك التقليدي، أنّه يوقّع عقدًا واحدًا، لكنّه في المقابل يوقّع عقدين في البنك الإسلامي، ذلك أنّ هذا الأخير، يشتري السيارة ثمّ يبيعها للحريف، وهو ما سيقع التطرّق إلى أسبابه في الجزء الثاني من مقالنا.

بسام النيفر (محلّل مالي) لـ"الترا تونس": نصيب أرباح الثلاثة بنوك إسلامية في تونس مجتمعة 61.6 مليون دينار، أي بنسبة 7.1% من إجمالي أرباح البنوك في تونس

"البنوك الإسلامية لا تدخل في إعادة التمويل le refinancement للبنك المركزي لأن ذلك يتم بنسبة فائدة وهي لا تتعامل بها، وبالتالي هي بنوك مقصاة من إعادة تمويل البنك المركزي، فلا يمكن لها العمل إلا عبر التعويل على مواردها الذاتية، ولهذا هي في حاجة دائمًا إلى قيمة مالية كبرى (des fonds propres)، أو رأس مال كبير تعتمده كل البنوك الإسلامية في العالم لأن ذلك هو ما يساعدها في القروض" حسب النيفر.

وتستعمل البنوك الإسلامية صكوكًا بنسبة فائدة بـ 8% مثلًا كحد أدنى، مع نسبة من الأرباح غير معلومة، لتكون لها هذه الطريقة وسيلة لإعادة التمويل، فعلى عكس البنك الإسلامي الذي ربما لا يملك رأس مال ضخم، يتمتع البنك التقليدي بإمكانية حصوله على الأموال في كل وقت بطلب من البنك المركزي. 

وحول الأرباح الصافية للقطاع البنكي في تونس في سنة 2020، يؤكد بسام النيفر أنها في حدود 857.9 مليون دينار، ليكون نصيب الثلاثة بنوك إسلامية في تونس مجتمعين 61.6 مليون دينار كأرباح، أي بنسبة 7.1% من إجمالي أرباح البنوك في تونس وفقه.

ولاحظ النيفر أنّ البنوك الإسلامية تُقرض بعقلانية أكثر من البنوك التقليدية، لأنها تشتري بنفسها ثم تبيع للحريف، فهي تشتغل بأموالها، على عكس البنك التقليدي الذي يشتغل بأموال ليست أمواله، وقال: "أصحاب رؤوس الأموال يتعاملون مع من يرون أنه يحقق لهم ربحية مهما كان، وطريقة التعامل مع كلا النوعين من البنوك يؤدي إلى النتيجة نفسها، ففي حال لم تدفع الأقساط سواء في البنك التقليدي أو الإسلامي، وأيًا كان العقد الذي تحصّلتَ به على سيّارة (ليزينغ أو إجارة)، فإنّ البنك سيستردّ السيارة في الأخير إن لم تدفع، ليطبّق جميع التتبعات القانونية والمالية" حسب تأكيده.

بسام النيفر (محلّل مالي) لـ"الترا تونس": طريقة التعامل مع كلا النوعين من البنوك يؤدي إلى النتيجة نفسها، وأصحاب رؤوس الأموال يتعاملون مع من يرون أنه يحقق لهم ربحية مهما كان

من المهمّ في حديثنا عن المالية الإسلامية بعد هذا، أن نفهم أنها مبنية على 5 مبادئ أساسية تميّزها عن المالية التقليدية. المبدأ الأول يتمثّل في تحريم الربا وعدم استعمال الفائدة لا أخذًا ولا إعطاءً، إذ لا توجد قروض بفائدة لدى البنوك الإسلامية، لكن توجد صيغ تمويل أخرى مثل المرابحة والإجارة والسلم والاستصناع وغيرها، فهي إذن عقود بيع وخدمات وليست عمليات إقراض بفائدة، وفق ما أكده المختصّ في المالية الإسلامية ماجد الغرسلي.

واعتبر الغرسلي أنّ المبدأ الثاني يتعلّق بتحريم الغَرَرـ والغرَر يعني الدخول في معاملة مالية وبعض مسائلها غير واضحة كأن تكون عملية بيع دون تحديد الثمن مثلًا أو أن يكون الثمن مرتبطًا بمؤشر متغير، وقال: "عدد من الماليين الغربيين يقرّون بأنّ العمليات المالية في البنوك التقليدية مرتبطة بالمراهنات.. فكأنّه نوع من المقامرة أن نشتري خيارًا في بنك تقليدي على فرضية أن يرتفع سعر البترول بعد أشهر مثلًا، وهو شبيه بالمضاربات التي تحدث في الأسواق.. ما جعل أحد الماليين العالميين يقول (إنّ ما يحدث في الأسواق المالية العالمية شبيه بما يحدث في كازينوهات لاس فيغاس)" على حد تعبيره.

ماجد الغرسلي (مختصّ في المالية الإسلامية) لـ"الترا تونس": المالية الإسلامية تقوم على تحريم الربا وعدم استعمال الفائدة وتحريم الغَرَر واستبعاد كل العمليات المحرّمة وتقاسم الأرباح والخسائر والارتباط بالاقتصاد الحقيقي

ويستبعد المبدأ الثالث في المالية الإسلامية "كل العمليات المحرّمة وغير المقبولة إسلاميًا مثل الخمر والخنزير والعمليات الربوية.. كما أنّ هناك أنواعًا من البيوع غير المقبولة مثل بيع العِينة، أي أن يبيع الطرف الأول (الذي يكون في حاجة إلى سيولة) السلعة بثمنٍ حال، ويشتريها الطرف الثاني بثمن مؤجل، وهي حيلة للحصول على النقود حالًا مقابل ثمن أعلى يُدفع لاحقًا"، ويتعلّق المبدأ الرابع بتقاسم الأرباح والخسائر، وهو المبدأ الذي تقوم عليه عقود مثل المشاركة، أو المشاركة المتناقصة، والمضاربة. 

وبيّن الغرسلي أنّ كل عملية في المصرف الإسلامي يجب أن تكون حقيقية، وأن تكون العملية قائمة على أصل أو عين (un bien)، بما يعني أنّ المبدأ الخامس يتعلّق بالارتباط بالاقتصاد الحقيقي، مفسرًا أنّ المضاربات وما يتداول في الأسواق العالمية للبترول هي أكبر بمرات من الإنتاج العالمي، بما يعني أنّ الكثيرين يضاربون في سلع غير موجودة حقيقةً، وهو ما يؤدي إلى أزمات مالية عالمية كأزمة 2008 التي اكتشف فيها الماليون أنّ هذه الخصائص الخمس للمالية الإسلامية هي التي جنّبت بنوكها في العالم الأزمة، ودعوا إلى مراجعة النظام المالي التقليدي، وفقه.

وحول الفروقات الجليّة التي تظهر في المعاملات بين البنك الإسلامي والتقليدي، أوضح الغرسلي أنّ تمويل عقار في بنك تقليدي على سبيل المثال، يكون عبر إعطاء البنك للحريف قرضًا وكفى، على عكس البنك الإسلامي الذي سيشتري هذا العقار ويعيد بيعه للحريف، وقال: "ربما تكون التكلفة المالية هي نفسها، لكن الفرق يظهر حين تظهر إشكالية قانونية في هذا العقار أو في هذه السيارة.. حيث يتحمل المصرف الإسلامي المسؤولية القانونية عن العيوب الخفية التي تظهر حتى بعد عمليات البيع خلافًا للبنك التقليدي الذي لا يتحمل أيّ مسؤولية لأنه اكتفى بإقراض المال" حسب وصفه.

ماجد الغرسلي (مختصّ في المالية الإسلامية) لـ"الترا تونس": حصر البنوك الإسلامية في أنّها موجهة فقط للشريحة المقتنعة بأحكام المالية الإسلامية، غير دقيق.. وماليون حول العالم يدعون إلى مراجعة النظام المالي التقليدي

واعتبر ماجد الغرسلي أنّ الإطار التشريعي للمالية الإسلامية في تونس تطور بشكل كبير، فقد أصدر البنك المركزي عدة تشريعات تخص المالية الإسلامية منها المنشور المتعلق بالصيغ وعمليات المالية الإسلامية، وهذه التشريعات إنما تعكس تطور أرقام المالية الإسلامية في تونس ومساهمتها في تمويل الاقتصاد من خلال جلب الموارد وإقحامها في الساحة المالية بعد أن كانت ربما خارج السوق النقدية.

وأجاب المختصّ في المالية الإسلامية ماجد الغرسلي عن سؤال لـ"الترا تونس" بقوله: "حرفاء البنوك الإسلامية يعدّون بمئات الآلاف، إن لم يتجاوزوا المليون فعلًا.. منهم المقتنع تمام الاقتناع بأحكام المالية الإسلامية، ومنهم من جذبته جودة الخدمات ووضوح العمليات، إذ لديها حرفاء من الأجانب المقيمين بتونس أيضًا ممّن جذبهم ربما القرب الجغرافي، أو الخدمات التنافسية والأسعار، وبالتالي فإنّ حصر البنوك الإسلامية في أنّها موجهة فقط للشريحة المقتنعة بأحكام المالية الإسلامية، غير دقيق" وفق تقديره.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ الأعمال المصرفية وفق إحدى خبراء الاقتصاد "تقوم أساسًا على الثقة -أو القناعة- أي الإيمان بأن البنك لديه الأموال الكافية للوفاء بالتزاماته. وأي صدع في هذه الثقة يمكن أن يترتّب عليه حدوث سحب جماعي للأرصدة واحتمال حدوث فشل مصرفي، وربما يؤدي حتى إلى انهيار مؤسسات.."، وبالتالي فإنّه يمكن اعتبار الثقة التي يبنيها بنك ما مع حرفائه، -بغضّ النظر عمّا إذا كان تقليديًا أم إسلاميًا- تظلّ الأساس الذي يفضّل على إثره الحريف بنكًا عن غيره. 

ولئن كان أيّ بنك يعنيه أن يربح قبل كلّ شيء، فإنّ الحريف يبحث عن ملاذ آمن لإيداع أمواله واقتراض ما تيسّر بعد ذلك، فهو أيضًا يسعى لتحقيق توازن ماليّ يكون مربحًا أولًا وآخرًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فاعلون اقتصاديون: بنوك ترفض تأجيل الديون وباعثو مشاريع مهدّدون بالإفلاس والسجن

الدين الخارجي: خرافة "الإفلاس" والسيناريوهات المفترضة من خلال تجارب مقارنة