"الشرمولة".. سيّدة موائد عيد الفطر في صفاقس

أكلة أصيلة تتميّز بها خصوصًا مدينة صفاقس (Emna passions)

 

بين زحمة الأسواق، وحركيّة الشوارع، وأصوات الباعة، هكذا تكون الأجواء أينما تجوّلت في كامل أرجاء تونس قبيل أيّام من عيد الفطر. ولكن إن اعترضتك روائح البصل المقلّى منتشرة في أزقّة مدينة وشاهدت إقبالًا استثنائيًا على شراء الزبيب، فاعلم أنّك في عاصمة الجنوب صفاقس، المدينة التي اشتهرت بتنوّع موروثها الغذائي وعاداتها المميّزة في مختلف الأعياد والمناسبات. ولئن اندثرت بعض العادات، إلّا أنّ "الصفاقسيّة" حريصون على المحافظة على جلّ ما توارثوه من الأجداد.

ولا يمكننا الحديث عن عيد الفطر في صفاقس دون الحديث عن طبق "الشرمولة" الذي يجتمع عليه أفراد العائلة صبيحة العيد. وهي أكلة أصيلة من "قاع الخابية" تميّزت بها عاصمة الجنوب لمذاقها الذي تمتزج فيه حلاوة الزبيب وملوحة السمك. مذاق "الشرمولة" لا يفهم سرّه ولا يستشعر سحره غير أهالي المنطقة.

اقرأ/ي أيضًا: من القفة إلى الملوخيّة ...المطابخ التونسية بنكهة سياسية

أسطورة "الشرمولة"

يعتبر الطبيب الفرنسي آرنست غوستاف غوبير (Gobert Ernest Gustave) من أوّل الذين درسوا أكلة "الشرمولة" حينما خصّها بمقال منفرد بمجلّة "أبلا" (Ibla) كما أشار إليها في كتابه "العادات والطقوس الغذائيّة للتونسيين". وقد ورد فيه أنّ طبق "الشرمولة" ينسب لشارل مولا "Charles Mulla" وهو بحار يوناني تعرّض لعاصفة على شواطئ البحر الأسود فتحطم مركبه وغرق. وعندما هدأت العاصفة أخذ يبحث في حطام مركبته ووجد في زير بعض الزبيب فأشعل نارًا وصبّ الزبيب في قدر به ماء يغلي وعثر على بصلة قطعها قطعًا وأضاف لها ملحًا وزيتًا. ثمّ أخذ سمكًا كان قد اصطاده قبل العاصفة وكان هذا السمك مجففًا وطبخ جميع المكوّنات إلى أن تحصّل على طبق كان كافيًا لسد رمقه.

تشتهر مدينة صفاقس في عيد الفطر بأكلة "الشرمولة" وهي خليط من السمك والبصل والزبيب وتعود أصولها وفق إحدى الروايات إلى بحّار يوناني يُدعى "شارل مولا"

وبعد أشهر، وصل شارل مولا إلى سواحل تركيا، وتقول الرواية إنه عرّف مستقبليه بهذا الطبق الذي أنقذه من الموت بسبب الجوع، ومنذ ذلك العهد اتخذ السكان المحليون بمنطقة الأناضول طبق "الشرل مولا" كأكلة لهم. ثم وصلت هذه الأكلة من تركيا إلى سواحل شمال إفريقيا ومع مرور الزمن حُرّف اسمها من "شارل مولا" إلى "شرمولة" .

واختلف الباحثون والمؤرّخون حول مدى صحّة هذه الرواية، فيما تواترت الكتابات حول هذا الموضوع في عديد المراجع منها "من الأكل إلى العقل" للأستاذ عبد الواحد المكني، ومعجم الكلمات والتقاليد الشعبيّة بصفاقس للأستاذ يوسف الشرفي وغيرها من المؤلفات.

"الشرمولة" سحر عيد الفطر

"الشرمولة هي سحر العيد نتوارثها جيلًا بعد جيل وحسب ما يقول الأجداد فهي أكلة مفيدة وتحتوي على مكوّنات غذائيّة أساسيّة يحتاجها الجسم بعد صيام شهر كامل خاصّة بعد أن خسر كميّة كبيرة من الأملاح "، هكذا عبّر الباحث في التراث وليد العش لـ"ألترا تونس" عن مدى تأصّل هذه الأكلة لدى العائلات الصفاقسيّة وعن ثرائها الغذائي. وأضاف قائلًا: "الشرمولة هي أكلة وطنيّة وليست جهويّة إذ نجدها في عديد الولايات الأخرى كجربة وبنزرت والمنستير ولئن تشابهت الأسماء إلّا أنّ الاختلاف يكمن في المكوّنات".

وليد العش (باحث في التراث): الشرمولة هي سحر العيد نتوارثها جيلًا بعد جيل وحسب ما يقول الأجداد فهي أكلة مفيدة وتحتوي على مكوّنات غذائيّة أساسيّة يحتاجها الجسم بعد صيام شهر كامل 

اقرأ/ي أيضًا: من خلال "الكسكسي الشمسي" و"الفرفوش": طهاة تونس يستعيدون نكهة أطباق أصيلة

وأمّا عن التسمية، يقول العش إنّ أصل كلمة "شرمل" بالبربرية من "الشرم" أيّ القصّ، والأكلة تقوم على قصّ أو تقطيع السمك والبصل، و"قد كانت تسمية الشرمولة قديمًا تجمع الصلصة والخبز والسمك المالح ولكنّ مع مرور الزمن أصبحت مقتصرة على الصلصة فقط" وفق قوله. وأشار إلى أنّه يوجد نوعان من الشرمولة وهي المطهاة والنيئة إضافة إلى أنه قد يكتفي البعض بمكوّن واحد إمّا الزبيب أو البصل.

ويقول الباحث في التراث وليد العش إنّ الإشكال يكمن في أصل هذه الأكلة بين أنها يونانية أو تركية أو رومانية، مستبعدًا رواية الطبيب غوبير التي ينزّلها منزلة الخرافة ويعتبرها ليست مبنيّة على أسس علميّة على حدّ قوله.

ويرجّح محدثنا وجود تفسيرات أخرى أكثر واقعيّة، ويروي أنّ لـ"الشرمولة" أصولًا قديمة لكنّها رجعت منذ ثلاث قرون حينما ازدهرت الفلاحة وأصبح إنتاج الزبيب والسمك وفيرًا لذلك جاءت الفكرة لاعتماد "الشرمولة" كأكلة أساسيّة في عيد الفطر. وفي تفسير آخر، يقول العش إنّ صفاقس مشهورة بالسمك مشيرًا إلى أنّ أكلات عيد الأضحى ترتكز على اللحم مقابل تخصيص السمك لعيد الفطر.

وصفة الشرمولة لا تكتمل إلاّ بجودة عناصرها

عناصر أكلة الشرمولة متوفّرة ومتواجدة في كامل الأسواق إلّا أنّ هناك بعض الشروط التي يجب أنّ تتوفّر في بعض مكوّناتها ليكون مذاقها مميّزًا، وهو ما يحدثنا عنه الباحث في التاريخ يوسف الشرفي قائلًا:" يغيب عن عديد الناس أنّ للزبيب شروطًا محدّدة لتنجح وصفة الشرمولة وهي أن يكون من نوع العنب العسلي ويجب أن يكون مقطوعًا (بمعنى مجموعًا) في شهر "ياغشت" وهي الفترة الممتدّة بين 14 من أوت إلى 14 من سبتمبر إذ أنه في هذه الفترة التي تجمع فصلي الصيف والخريف يكون الزبيب في أوج نضجه".

 للزبيب شروطًا محدّدة لتنجح وصفة "الشرمولة" (Emna passions)

 

وعن السمك المالح الذي يرافق هذه الأكلة، يقول الباحث في التاريخ إنّ عادة تصبير السمك متواجدة منذ عهد الرومان في مكان يدعى "الشقّاف" في "سيدي منصور" بصفاقس حيث توجد أحواض رومانية كانت مرسى للسمك من عهد الرومان تسمّى "الباروم". ويضيف أنّها عادة متأصلة في المجتمع الصفاقسي خاصّة وأنّ المدينة كانت تصدّر السمك المالح إلى الشرق عبر جالية من الطلبة والتجار في القرنين 18 و19.

ويختم الشرفي حديثه لـ"ألترا تونس" أن السمك كان يُباع قديمًا بـ"الشك"، وهي كمية من السمك مشدودة بسعفة نخل، وذلك عن طريق المزاد العلني ما يُعرف بـ "الدلالة" مشيرًا إلى أن عديد أنواع السمك التي تؤكل مع "الشرمولة" منها "المناني"، و"البوري"، و"الكرشو"، و"الغراب"، و"الفار"، و"الغزال"، و"الحناش" و"القاروص".

عادة الدلالة على الحوت المالح

سوق الحوت من العوالم التي لا تستطيع أن تكتشف سحرها إلا عندما تزور أروقتها وهي من الأماكن التي تمثّل وجهة دوريّة لأهالي صفاقس لشراء "المرقة". ويعيش هذا السوق أجواء احتفاليّة استعدادًا لقدوم عيد الفطر ومازال إلى يومنا هذا يحافظ على عادة "الدلالة" أي المزاد العلني الذي يُباع فيه الحوت المالح.

"دلّال" في سوق السمك (Getty)

 

ويحدّثنا العم زهيّر القبّي عن هذه العادة قائلًا: "يستعدّ باعة السمك قبل العيد بأربع أشهر وذلك بتمليح الحوت ووضعه في صناديق وتخبئته ثم مع انتصاف رمضان يُقام المزاد الذي يجمع الشراة أمام الدّلال الذي ينتدب خصيصًا لهذه المناسبة وهو ليس بمالك للأسماك".

العمّ زهيّر: يستعدّ باعة السمك قبل العيد بأربعة أشهر وذلك بتمليح الحوت ووضعه في صناديق وتخبئته ليُباع عبر المزاد العلني عن طريق "الدلّال"

ويصف لنا المشهد قائلًا إنّ الدلّال يصعد فوق رخامة ليكون على مرأى من الجميع ويبدأ بضرب السمكة على بطنها وعرض مزاياها. وتتواصل "الدلالة" إلى أن يصل إلى السعر الحقيقي للسمكة فيقع بيعها. ويضيف العم زهيّر أنّ السمكة ذات القيمة تُباع بسعر قد يفوق سعرها الأصلي حينما يتسابق عليها الشراة وتصل أحيانًا للمشاحنات. ويؤكّد محدّثنا أنّ الأسعار تتراوح من 50 حتى 300 دينار حسب مدى جودة السمكة المعروضة.

ويسترجع العم زهيّر ذكرياته متحدثًا إنّه كان يذهب للسوق مع والده منذ كان طفلًا صغيرًا وكان مبهورًا بالأجواء التي شبّهها بمباراة كرة قدم بسبب التسابق للحصول على الأفضل.

لا تسأل عن الأصول بل اسأل عن المذاق

"لا تسأل عن أصولها إن كانت تركية أو رومانية أو يونانيّة. اسأل فقط عن المذاق فالعيد لا يسمّى عيدًا إلّا بالشرمولة الصفاقسيّة" هكذا أخبرتنا آمنة القبّي إحدى الشابّات الصفاقسيات اللاتي توارثن إعداد طبق الشرمولة عن أمّهاتهنّ. ورغم أنّها تقطن في العاصمة إلّا أنها حريصة على التمسّك بهذه العادة وطهو كميّة صغيرة من "الشرمولة" لتشعر بمذاق العيد، مشيرة إلى أنه تبدأ بطهوها منذ ليلة السابع والعشرين من رمضان.

ونظرًا لأنّ تعلّم فنّ الطبخ من مقوّمات التنشئة الاجتماعيّة للفتاة في صفاقس، فقد دأبت آمنة على ملازمة والدتها في المطبخ لتعلّم أصول هذه الأكلة. والتزمت بهذه العادة بعد زواجها رغم أنّ أطفالها لا يستسيغون المذاق إلّا أنها أصرّت على أن لا تقطعها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

البريك.. الشمس التي لا تغيب عن مائدة رمضان

حلويات عيد الفطر.. عادة تواكب تطورات العصر