الحكواتي في تونس.. فن منسي يتجدد

الحكواتي في تونس.. فن منسي يتجدد

2397 مشاهدة
عرض للحكواتي خالد شنان في إحدى المكتبات العمومية سنة 2015 (مواقع التواصل الاجتماعي)

عند الحديث عن الحكواتي في تونس، تتعدد التجارب إلى درجة التناقض وتتنوع الآراء حول فن الحكاية أو الخرافة، كما يحلو للبعض تسميتها، لتحمل سياقات متباينة. البعض يربط هذا الفن بقصص الأجداد ويعتبرونه جزءًا من ثقافتنا كأمة تتفنن عادة في الحديث والبلاغة والوصف. يقوم الحكواتي عادة بحركات جسمانية، تجمع الجد بالهزل والفرح بالحزن، وتتماهى مع النص في نقل للحكاية مع توظيف الرموز والأحاسيس والعناصر التربوية حينًا والتشويقية أحيانًا أخرى.

يقوم الحكواتي عادة بحركات جسمانية، تجمع الجد بالهزل والفرح بالحزن، وتتماهى مع النص في نقل للحكاية مع توظيف الرموز والأحاسيس

الحكواتي في ذاكرة التونسيين مرتبط بعبد العزيز العروي (توفي 1971) الأشهر في هذا السياق، وهو من الأوائل في عالم الإذاعة التونسية، تعود شهرته إلى القصص الشعبية التي كان يرويها باللهجة الدارجة التونسية وقد صُورت بعض هذه الحكايات في سلسلة "حكايات عبد العزيز العروي" وعرضت على القناة التونسية وهي لا تزال تعرض بين الحين والآخر للآن رغم مرور عقود على تسجيلها وبثها.

 

ساهم التلفزيون في شهرة العروي وتقديمه للعموم وساعده لجوؤه للهجة يعتمدها معظم التونسيين بعيدًا عن الفصحى والعبارات العربية المنمقة أو الجهوية غير الواضحة، إضافة إلى قرب مواضيع قصصه من الواقع اليومي التونسي خلال فترة عرض هذه الحكايات.

بعد مرحلة العروي، اشتهر رشيد قارة بحكاياه التي اتجهت على عكس العروي نحو الأطفال أساسًا مع حفاظها على أسلوب جذاب ولغة سهلة الفهم، وقد عرضت معظم حكاياه على القناة العمومية التونسية خلال تسعينيات القرن الماضي.

مع بداية القرن الحادي والعشرين، ابتعد هذا الفن عن التلفزيون أو أبعد قسرًا، الأكيد أنه لم يعد متاحًا للعموم بشكل واسع وقلت شهرته بين الناس، وحافظ على حضوره خاصة في المهرجانات المختصة بفن الحكاية والمسرح أو في بعض المراكز والنوادي الثقافية لكن أسماء عديدة شابة آمنت بفن الحكاية واتخذت منه طريقها. معظم الأسماء الشابة، كانت بداياتها من عوالم أخرى قريبة لكنها وفي مرحلة محددة سحرها عالم الحكي والخرافة والقصة واتخذته وسيلتها ورسالتها للمتلقي، ومنها الحكواتي خالد شنان.

اقرأ/ي أيضًا: المدرسة التونسية.. مرحبًا أيّها الفن

عن تجربته، يقول الحكواتي خالد شنان لـ"الترا صوت": "بدأت مع هذا الفن في سنة 2002 عندما كنت أنشط في أحد المراكز الثقافية الجامعية، شاركت في بعض الأعمال المسرحية وجسدت في إحداها شخصية عبد العزيز العروي وطريقته في الحكي، ولإتقان ذلك قمت ببحث معمق عنه". ويضيف: "بعد تقمص دور العروي، راقني الأمر، وأحسست أن لدي الاستعداد والقدرة على الحكي ومن شاهدني في تلك المسرحية استحسن الدور أيضًا وقالوا إني ذكرتهم بشخصية العروي الحقيقية".

يسترسل شنان في الحديث عن تجربته، قائلًا: "بدأت بتقديم عروض دون مقابل مع بعض المدارس ورياض الأطفال ثم توجهت للمقاهي والفضاءات الثقافية فيما بعد، تدريجيًا تطورت لأقدم عرضًا حكواتي متكاملًا أشارك به في المهرجانات".  

أما الحكواتي والمسرحي كمال بوزيدي، من الجنوب التونسي، فبعد سنوات في عالم المسرح، توجه مؤخرًا إلى فن الحكي والخرافة من خلال عمله الأخير "جنات"، هو عمل يشبهه صاحبه بقصص قيس وليلى وروميو وجوليات، ويقول عنه إنه "عرض يحمل المتلقي إلى عوالم أخرى، قصة حب تظاهي أشهر القصص العالمية".  

عن عمله الجديد، يتحدث البوزيدي لـ"الترا صوت": "جنات عمل حكواتي أضفنا له الجانب المسرحي، أدرجت الحالات المختلفة، جرت العادة أن يكون الحكواتي محايدًا، يبلغ كلام القصة دون تبني مواقف وحالات لكني أندمج مع الكلام وأجسد الحالة وهذا ما يميزني، وربما يفسر ذلك بأنني أتجه مؤخرًا للحكاية والخرافة وأنا بالأساس مسرحي التكوين".

يضيف البوزيدي: "نص جنات أسرني، فتبنيته، صرت أعيشه، ألغيت الجدار المعروف بين الباث والمتلقي، أحببت أن يعيش المتلقي القصة معي وأتمنى أن أكون قد وفقت في ذلك". عن انتقاله لعالم الحكاية، يقول كمال البوزيدي: "بدأت تراودني الفكرة منذ مهرجان "القوّال" في السنة الماضية وهو مهرجان يتعلق بالموروث الثقافي الشفوي للجنوب التونسي وقد جمع فنون الشعر بالمسرح والموسيقى واللباس والأكل التقليدي".

يُذكر أن التراث الشفوي في الصحراء التونسية، جنوب البلاد، غني وإن كانت كلماته صعبة الفهم على غير سكان الجنوب. يعلق الحكواتي خالد شنان: "الحكواتي في الجنوب التونسي يعتمد عادة لهجة تلك المنطقة وبذلك تكون القصص أقرب للمتلقي من منطقته لكنها مستعصية على سكان الشمال والساحل". أما البوزيدي، فيعتبر أن "لأي حكواتي تجربة فردية، ولكل حكواتي أسلوبه الخاص ولهجته وتعابيره وأنها ميزة هذا الفن".

بعد تجربة حوالي 15 سنة في هذا المجال، يعلق خالد شنان لـ"الترا صوت": "شرائح واسعة من الجمهور تهتم بالحكواتي في تونس لكن الإشكال يكمن في أن العروض في تونس بقيت مناسباتية، في بعض المهرجانات الخاصة بهذا الفن أو على هامش مهرجان مسرحي أو خلال شهر رمضان أو مهرجانات صيفية أساسًا".

في ذات السياق، يتحدث البوزيدي لـ"الترا صوت": "أحبذ أن تتنوع مساحات العرض الحكواتي وأن لا تقتصر على دور الثقافة والمسارح، قدمت عرضًا منذ فترة في السجن المدني بقفصة وقبل ذلك بإحدى المدارس في منطقة ريفية وأميل لتنشيط الشوارع خاصة". يوضح: "عندما تدخل لمقهى والجميع يتوقفون عن لعبهم ومشروباتهم ويهتمون بما تقول، هذا خلاصة كل شيء، دور الثقافة يتوجه لها المثقف لكن حين يلمس الحكواتي أن قصته وصلت للشاب المراهق أو الشيخ المسن في المقهى فهذا الأهم في نظري، أنا أرى الحكواتي في الفضاءات المفتوحة، المساحات العمومية، المقهى، السجن، مأوى العجزة، المستشفيات، وهذا ما يصنع الفرق".

بقي حضور الحكواتي مناسباتيًا في تونس رغم محاولات الجيل الجديد تصديره للفضاءات المفتوحة وتقريبه من المواطن

في دول عربية أخرى، ينتشر هذا الفن بشكل أوسع. يحضر في بعض المقاهي كمقهى النوفرة في دمشق مثلًا بشكل مكثف ويبرز في الإعلام، خاصة الموجه منه للأطفال، لكنه بقي في تونس "مناسباتيًا"، حسب شنان، كما ابتعد عن التلفزيون. في هذا السياق، يقول الحكواتي شنان: "التلفزة التونسية ابتعدت عن الحكواتي في السنوات الأخيرة في مقابل توجه قنوات عربية نحو الحكايا والتي أثبتت أنها تجذب الأطفال وجميع الشرائح العمرية بشكل عام"، ويؤكد: "من الضروري أن تعود هذه البرامج للقنوات العمومية خاصة لفوائدها العديدة للأطفال".

اقرأ/ي أيضًا: زقاق المدق: الرواية والسينما!

يضرب شنان مثلًا من تجربته في سرد الحكايا في بعض المكتبات العمومية، التابعة لوزارة الثقافة التونسية، ويوضح: "تفطنا إلى مدى اهتمام الأطفال بالقصص التي نحكيها والتي عادة لا نكملها، لندعو الطفل إلى قراءة القصة واكتشاف الخاتمة بنفسه، ساهم ذلك في ترغيبهم في المطالعة، تشعرهم طريقة الحكواتي أنهم جزء من القصة، يتفاعلون مع طريقة النطق وتتفاعل كل حواسهم مع الحكاية".

تختلف أساليب الحكواتي واللغة أو اللهجة المعتمدة والمواضيع المطروحة، وهذا ما يجعل من هذا الفن متغيرًا ومتنوعًا ومحل اهتمام شرائح عمرية مختلفة. لا يرى الحكواتي شنان في هذا التنوع إشكالًا ، يقول لـ"الترا صوت": "لا إشكال في لهجة أو أسلوب الحكواتي، المهم أن يعتمد رموزًا لإيصال الرسالة للمتقبل، ثم تختلف الكلمات المعتمدة حسب سن المتلقي وتكوينه، تختلف الطريقة أيضًا بالنسبة لي حسب سن المتلقين"، ويضيف: "أميل للدارجة مع اعتماد كلمات عربية فصحى حسب سن المتلقي، أرى أن هذا الجمع مفيد ويمثل الخليط الأنجح".

العرض الحكواتي جنات

اقرأ/ي أيضًا:

قناديل ملك الجليل.. أصل الفلسطيني حصان

في صالون العقاد