استنزاف المياه: بين أسطورة التصدير ومجتمع الاستهلاك

استنزاف المياه: بين أسطورة التصدير ومجتمع الاستهلاك

منذ سنوات دقت عدة مؤسسات كمنظمة الفاو الأممية ناقوس خطر الفقر المائي الذي يهدد تونس (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

يقول كارل ماركس: "الدولة رأسمال يحرسه رجال مسلحون". فجر الاستقلال، استرجعت الدولة التونسية من المحتل الفرنسي حوالي الـ 745 ألف هكتار، كما أمّمت أراضي الأوقاف والأحباس التي تبلغ مساحتها 83 ألف هكتار، لتكون الحصيلة، مع الجلاء الزراعي سنة 1964، 828 ألف هكتار(1). إلا أنه ومع انجلاء ظلام الاحتلال، عرفت الدولة الفتية صعوبات جمة حيث اجتمعت عدة عوامل: الاضطراب الذي سببه خروج المستوطنين الفرنسيين، الجفاف وانقطاع الأمطار، غياب الإستراتيجية والرؤية واحتدام الصراع داخل الصف الوطني، مقاومة النخب المخزنية للتجربة الاشتراكية "التعاضد" والكينزة المتونسة بقيادة أحمد بن صالح.

بمفعول العولمة وانتشار ثقافة الاستهلاك، تغيرت أنماط الإنتاج الفلاحي نحو غراسة الأشجار المثمرة الموجهة للتصدير، كما تغيرت الأنماط الاستهلاكية كمًا ونوعًا. وهو ما ساهم في تعميق أسباب أزمة القطاع الفلاحي

انفرجت أزمة الستينات مع هطول الأمطار التي صوتت للهادي نويرة (2) كما قال في إحدى استطراداته، والذي ساق البلاد إثر ذلك نحو المحفل الليبرالي العالمي والاقتصاد الموجه نحو الأسواق الخارجية. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، رابضت أرقام الميزان الغذائي على الشاطئ السلبي ولبثت تتعمق في السلبية حتى بلغت سنة 2017 الـ26%، في حين تراجع نصيب الفلاحة من الناتج الداخلي الخام إلى أقل من 10%.


نسبة تغطية الصادرات الفلاحية للواردات الغذائية بين 2000 و2014 (ONAGRI 2014)

عقب ثورة 17-14، تاهت البوصلة السياسية للسلطة وتقلص الامتداد القانوني والمعنوي للدولة. انعكس هذا التيه والانحلال سلبًا على مختلف المجالات والقطاعات من بينها الفلاحة. في المقابل، وبمفعول العولمة وانتشار ثقافة الاستهلاك واللذة، تغيرت أنماط الإنتاج الفلاحي نحو غراسة الأشجار المثمرة الموجهة للتصدير، كما تغيرت الأنماط الاستهلاكية كمًا ونوعًا. وهذا ما ساهم في تعميق أسباب الأزمة التي يعاني منها القطاع الفلاحي أساسًا منذ السنوات الأولى لدولة الاستقلال والتي نتناول أسبابها فيما يلي. 

  • احتكار الأرض وخوصصة الماء.. لأجل عيون "العكري"

من البديهي أن يرتبط الماء بالحضارة. على ضفاف الأنهار وحول الأودية، تشكلت أقدم الحضارات وأكبرها: البابلية حول دجلة والفرات، الفرعونية حول النيل، وشريان أوروبا الأعظم: الدانوب.. منذ سنوات، دقت عدة مؤسسات كمنظمة الفاو الأممية ناقوس خطر الفقر المائي الذي يهدد تونس. رغم هذا، زادت في السنوات الأخيرة المساحات السقوية وخاصة المخصصة للأشجار المثمرة الموجهة للتصدير والتي تستنزف المخزون المائي للبلاد بشكل مجحف. وكأننا إزاء عملية تصدير للماء الذي نفتقر إليه أساسًا.

اقرأ/ي أيضًا: منح أراض فلاحية للمعطلين عن العمل.. برنامج جاذب في واقع صعب

العامل الأول في معادلة إنتاج الهيمنة هو احتكار الأرض أو تكوّن أوليغارشية الفلاحة. وفق أرقام مرصد السيادة الغذائية والبيئة (OSAE)، في سنة 2004-2005، يشكل عدد مالكي أراض تتجاوز مساحتها الـ 100 هكتار 1% من مجموع الفلاحين، في حين أنهم امتلكوا 22% من المساحة الزراعية الإجمالية. من جهة أخرى وفي نفس السنة، لم تتجاوز حصة من يمتلكون أقل من 5 هكتارات، ويمثلون 54% من الفلاحين، الـ 11% من الأراضي المزروعة. وحسب دراسة لمجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية فإن 80% من الفلاحين يملكون 20% من الأراضي الفلاحية. 

زادت في السنوات الأخيرة المساحات السقوية وخاصة المخصصة للأشجار المثمرة الموجهة للتصدير والتي تستنزف المخزون المائي للبلاد بشكل مجحف، وكأننا إزاء عملية تصدير للماء الذي نفتقر إليه أساسًا

في كتابه "الاستعمار الداخلي"، يوضح الصغير الصالحي الانعكاسات السلبية لتجربة التعاضد في الستينات، والتي تسوق أكاديميًا كآثار جانبية، حيث بادرت الدولة إلى الافتكاك القسري للأراضي المشاع، الأراضي الجماعية للقبائل والعروش، ما سبّب تدهور المجتمع القروي أو الريفي. وفي الأشهر القليلة التي سبقت إنهاء التجربة من قبل الحبيب بورقيبة وانتشار أخبار عن استيائه من وزيره أحمد بن صالح، بادر عدد من كبار الملاّك والموظفين والحرفيين والتجار (مستفيدين من قربهم من مواقع القرار)، إلى شراء أراضي صغار الفلاحين بأثمان بخسة، حيث فوّت هؤلاء في أراضيهم مخافة أن تشملها الماكينة الاشتراكية آنذاك.

وقد أدى هذا إلى موجات نزوح حادة وبداية تشكل الحزام الهامشي للمدن الكبرى، أو "الكرذونة فيل" كما يسميها الكاتب توفيق بن بريك، و"البيدون فيل" كما سبق أن أسماها الطبيب محمود الماطري غداة موجة نزوح سابقة في الثلاثينات لأسباب مشابهة (الكساد الأعظم الذي ضرب الولايات المتحدة في العشرينات وارتد على بقية دول العالم في الثلاثينات وكان من الأسباب غير المباشرة للحرب العالمية الثانية). 

اقرأ/ي أيضًا: هل يستنزف الاستثمار الفلاحي الأجنبي الثروة المائية في تونس؟

وفي بداية السبعينات، عدلت السلطة عن الاشتراكية وانتهجت اللبرلة الاقتصادية القائمة على: تحفيز الاستثمار الأجنبي+ تشجيع التصدير+ الإنتاج المكثف. وانطلقت عملية خوصصة الأراضي الفلاحية العمومية، بضغط خارجي وتواطىء داخلي، حيث بلغت نسبة الأراضي المفوّت فيها نسبة الثلث، أي حوالي 320 ألف هكتار، تحت مسميات عديدة كشركات الإحياء الفلاحي، مقاسم للشبان والباعثين وبيع للخواص. 

تستهلك الفلاحة نسبة الـ 80% من المخزون المائي، وهو ما يمكن أن يوحي بأننا إزاء اقتصاد الماء المعروف في مناطق آسيا الشرقية القائمة على زراعة الأرز لولا أننا في شمال إفريقيا

ومثّل هذا موضوع مهمة رقابية لمحكمة المحاسبات في تقريرها 31، حيث يشير التقرير إلى عدة شبهات، إخلالات بالالتزامات وعدم احترام للعقود المبرمة: 1700 حالة لتواصل استغلال الأرض بعد انتهاء مدة العقد، 400 حالة استغلال دون سند قانوني، 18 ألف هكتار أسندت على خلاف الصيغ القانونية.

تستهلك الفلاحة نسبة الـ 80% من المخزون المائي. وهو ما يمكن أن يوحي بأننا إزاء اقتصاد الماء المعروف في مناطق آسيا الشرقية القائمة على زراعة الأرز. لولا أننا في شمال إفريقيا حيث يبلغ نصيب الفرد من الماء أقل من 500 لترًا (المعدل العالمي 100 لتر/للفرد). عوّلت الدولة منذ السبعينات على تصدير القوارص، تحديدًا البرتقال المالطي التونسي. وكان هذا من أسباب إحداث كانال مياه الشمال.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة ريّ تلوح في الأفق في جندوبة.. أي مستقبل للزراعات الصيفية؟

حسب ما جاء في دراسة "غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا"، عن موقع waterfoodprint.org، نحتاج إلى 80 لترًا من الماء لإنتاج برتقالة واحدة، و560 لترًا لإنتاج كيلوغرام واحد من البرتقال. في المقابل، لا تتجاوز حصة تونس الـ 0.1% من السوق العالمية. كما أن التصدير لا يتجاوز الـ 5% من الإنتاج الوطني. نصف أراضي الوطن القبلي تخصص لإنتاج القوارص. ومنذ 2016، تسمح السلطة بالريّ فقط لغراسات القوارص دون غيرها من الخضروات والبقول. وهو ما أدى إلى: ارتفاع أسعار هذه المواد، وبالتالي تدهور المقدرة الشرائية للمواطن، وتفكك النسيج الفلاحي لعجز صغار الفلاحين عن تغطية تكاليف الري والكهرباء، أي خسارة مواطن شغل ويد عاملة. 


عن دراسة "غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا: تحليل للسياسات التونسية على ضوء مفهوم السيادة الغذائية"

يمثل ثلاثي: زيت الزيتون، التمور والقوارص عماد أسطورة التصدير الفلاحي التي تتبناها الدولة منذ ما يزيد عن أربعة عقود. في تقرير محكمة المحاسبات عدد 32 الصادر في فيفري/ شباط 2021، "التصرف في مياه الري"، بلغ عدد الآبار العشوائية الـ 24000 ألف بئرًا، ما يرفع نسبة استغلال المياه الجوفية (30% منها غير متجددة) إلى 126%. في ولاية قبلي مثلًا، أين يتم إنتاج أكثر من 75% من دقلة النور في موسم 2015-2016، وقع استغلال 407 مليون متر مكعب من المياه الجوفية في مقابل 236 مليون متر مكعب متوفرة في المائدة العميقة.

ليلى الرياحي (ناشطة في مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية) لـ"الترا تونس": يجب المراجعة الفورية لسياسات وتوجهات الدولة في المجال الفلاحي

"مجموع موارد صادرات التمور بالكاد يغطي قيمة توريد البذور المعدلة جينيا". هكذا أفادتنا الناشطة في مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية ليلى الرياحي. تواصل: "لماذا نستنزف مواردنا المائية، إذا كنا سنصدر تمورًا لنستورد حبوبًا للزراعة؟ في حين كان يمكن التعويل على الحبوب المحلية القادرة على التأقلم مع مناخنا (بعلية بالأساس) دون الحاجة إلى الأسمدة والأدوية؟، مؤكدة: "يجب المراجعة الفورية لسياسات وتوجهات الدولة في المجال الفلاحي".


قيمة توريد البذور مقابل قيمة تصدير دقلة النور بين 2005 و2014 بالمليون دينار

(المصدر السابق عن أرقام المعهد الوطني للإحصاء)

  • مجتمع الاستهلاك وثقافة "البنين"

حسب دارسة للمعهد الوطني للإحصاء صادرة سنة 2013، تغيرت الأنماط الاستهلاكية للأفراد، بين 1985 و2010، نحو مزيد من الاستهلاك النوعي الموجه نحو السكريات كالغلال واللحوم، مع انخفاض نسبي في استهلاك الحبوب. تعد الغلال من أكثر الزراعات استهلاكًا للمياه وذات قيمة ربحية مرتفعة مقارنة مع غيرها من الزراعات والغراسات. ارتفع نصيب استهلاك الفرد للغلال من 36.5 كغ/السنة (1985) إلى 69.5 كغ/سنة (2010).

ليلى الرياحي لـ"الترا تونس": لماذا نستنزف مواردنا المائية، إذا كنا سنصدّر تمورًا لنستورد حبوبًا للزراعة في حين كان يمكن التعويل على الحبوب المحلية القادرة على التأقلم مع مناخنا دون الحاجة إلى الأسمدة والأدوية؟

"في هذه الحالة، القيمة الغذائية والسعرات الحرارية تختلف بين الماضي والحاضر". هكذا كان تعليق ليلى الرياحي على هذا الارتفاع. تضيف: "القيمة الغذائية لجزء (بُرْج) من برتقالة السبعينات تساوي قيمة برتقالة هذه الأيام". لكن لا يبدو أن هذا العامل يثير اهتمام المستهلك أو المنتج على حد السواء. من جهة هناك ارتفاع الاستهلاك الفردي، ومن جهة أخرى نجد اتساع مساحات غراسة الأشجار المثمرة على حساب أنماط فلاحية أخرى بعلية بالأساس كالحبوب والزراعات الكبرى بالشمال الغربي، وما يعنيه بذلك من استتباعات كحفر الآبار العميقة (تسمى "صونداج" في الوسط الريفي الفلاحي) واستنزاف للمائدة المائية.

اقرأ/ي أيضًا: ثقافة المقاطعة لدى التونسي.. هل غلبتها ثقافة الاستهلاك؟

يتميز النمط الغذائي التونسي بإقبال مفرط على الخضراوات المروية (السقوية) كالطماطم، الفلفل، البصل والبطاطا، حيث بلغ الاستهلاك الإجمالي لهذه الخضراوات 2.5 مليون طن، أي ما يعادل 72% من إجمالي استهلاك الخضر. كذلك، يستهلك التونسيون سنويًا حوالي نصف مليون طن من البطيخ بأنواعه، يعني 15% من إجمالي الخضار. وحسب نفس الدراسة لمعهد الاستهلاك، يبدو الاستهلاك مستقرًا طوال أشهر السنة. لا فرق بين وفرة الصيف وشح الشتاء.

في الضفة المقابلة للمتوسط ومنذ سنة 2019، تمنع الدولة الفرنسية بيع خضر وفواكه الصيف، كالطماطم، في الشتاء وذلك لأسباب عدة منها الثقافي: احترام نوعية الفصول، والاقتصادي كالمحافظة على الأراضي والمياه. وبهذا ترى تدخل الدولة الفرنسية في النمط الغذائي لمواطنيها، لكن لا نرى ذلك في تونس. كذلك، تتّبع عدة بلدان أوروبية إجراءات حمائية. رغم وفرة المياه، تشجع هذه الدول على استيراد المنتجات الفلاحية المكلفة مائيًا بقصد المحافظة على مخزوناتها الجوفية والسطحية، باللجوء إلى التوريد غير المباشر للمياه من بلدان تعاني أساسًا من فقر مائي.

ما فتئت الأيام تبرهن فشل الخيارات التي اتبعتها الدولة منذ السبعينات وبالتالي تحثّ على ضرورة مراجعتها

بعد أفول السرديات السياسية الكبرى، يميل المنظّرون السياسيون المعاصرون إلى الفرز: "عولميون مقابل حمائيون". ما فتئت الأيام تبرهن فشل الخيارات التي اتبعتها الدولة منذ السبعينات وبالتالي تحثّ على ضرورة مراجعتها. لكن ككل مراجعة وككل سؤال سياسي عام، تطرح أسئلة في المقابل: من سيقوم بهذه المراجعة؟ وفق ماذا؟ وفي أي اتجاه؟ في أطروحاته الفلسفية، يتحدث نيتشه عن الكائن الرخو: الذي يؤثر الأمان والراحة، وما يعنيه هذا من أمن غذائي وراحة في الاستهلاك وبالاستهلاك، ولو على حساب السيادة الغذائية.

يُرجع فيلسوف المطرقة أسباب ارتخاء الإنسان المعاصر إلى الحداثة واستتباعاتها. يوافقه في هذا ألان دونو في كتابه "حُكم الرداءة". يتهدد تونس خطر فقر مائي في أفق 2030-2040، ما قد يترتب عنه من إجراءات كنظام حصص وغيره. فهل سيقدر هذا الإنسان الرخو على مواجهة هذه التحديات إذا ما استمر العولميون، أحباء النيوليبرالية، في سياساتهم؟ من جهة أخرى، لو انتفض الحمائيون، فهل سيقدر هذا الإنسان الرخو، على تحمل تكلفة الخيارات الحمائية؟ الأمر أشبه بدعوات التنوير زمن أوروبا القروسطية: الملكيون مقابل التنويريون. ولم تكن مهمة هؤلاء، دعاة التنوير، سهلة على كل حال. 

 

المصادر والمراجع:

1/ وردت هذه الأرقام بمقال عبد الله بنسعيد بموقع الحوار المتمدن بعنوان: "كيف السبيل لإعادة هيكلة الأراضي الدولية خدمة لجماهير الكادحين في الريف التونسي؟" بتاريخ 12/11/2015. كذلك أورد الصغير الصالحي أرقامًا مشابهة بكتابه "الاستعمار الداخلي"، ووردت أيضا بدراسة لجمعية "مجموعة العمل من أجل السيادة الغذائية"، بعنوان "تحليل للسياسات التونسية على ضوء مفهوم السيادة الغذائية" جوان 2019. من الجهة الرسمية، لا تملك الدولة حصرًا واضحًا لمساحة أملاكها العقارية والفلاحية. كما تتضارب الأرقام المطروحة بين الإدارات. 

2/ عبارة للهادي نويرة الذي تصادف توليه الوزارة الأولى خلفًا لأحمد بن صالح مع نزول أمطار غزيرة بعد سنوات من الجفاف. حيث قال: "la pluie a voté pour moi." تذكر هذه العبارة في كثير من أدبيات السلطة ورائجة في الذاكرة السياسية الشفوية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

منسّق المرصد التونسي للمياه: الدولة تتجه لخوصصة قطاع المياه (حوار)

تونس العطشى: عن أزمة المياه من خارج صندوق أيديولوجيا المساواة