08-ديسمبر-2020

مسألة تخفيف البرامج المدرسية تثير جدلًا في تونس (فتحي بلعيد/ أ.ف.ب)

 

غالبًا ما تتهم التيارات الإسلامية في تونس بالرغبة في تغيير النمط الاجتماعي والثقافي من المسارات الحداثية والتقدّمية إلى المنحى السلفي الأصولي. ولأنّ آراء هذه الأطراف تبدو في جانب منها متناغمة مع مشروع الإخوان المسلمين في مصر، فقد تعمّد العديد من خصومهم توصيف كلّ موقف يصدر عنهم بكونه ينطوي على رغبة في "أخونة" هذا القطاع أو ذاك، ولئن بدت بعض تلك التوصيفات موضوعية حمّالة لحجج يمكن البرهنة عليها من خلال الخطابات والتصريحات والمبادرات التشريعية، فإنّ الكثير منها يبدو متهافتًا متعسّفًا يبلغ أحيانًا مرتبة "الفوبيا" أو الخوف العُصابيّ من الظلامية والرجعية.

تعالت بعض الأصوات التي ترى أنّ التخفيف في المحاور التعليمية قد شمل عن قصد وإضمار مضامين تحثّ على الثورة والتحرّر وتدرّب الناشئة على النقد وإعمال العقل

هذا الخوف عاد إلى النفوس خلال السنة الدراسية 2020-2021، فقد اقترنت بدايتها ببعض الضوابط والترتيبات الاستثنائية التي شملت الزمن المدرسي وتخفيف البرامج الدراسية وطرائق الاختبار والتقييم.

وتعالت حينها بعض الأصوات التي ترى أنّ التخفيف في المحاور التعليمية قد شمل عن قصد وإضمار مضامين تحثّ على الثورة والتحرّر وتدرّب الناشئة على النقد وإعمال العقل وتزرع في أذهان المتعلمين وأنفسهم الجرأة على إخضاع المقدّسات وبعض التصوّرات الدينية إلى التساؤل والشكّ والإنكار. 

من هذه المحاور التي تمّ حذفها الثورة البلشفية في مادة التاريخ والمنزع العقلي ورسالة الغفران في مادة العربية وبعض المحاور ذات البعد الحسّي العاطفي في مواد أخرى. هذه الهواجس أوحت لعدد من اليساريين والتقدميين أنّ المدرسة التونسيّة مهددة بفقدان جوهرها الحداثيّ، ولأنّ المسألة دقيقة حرص "ألترا تونس" على حماية هذا المشغل العلمي التربوي من التداول العامّي السطحي والتعاطي الإعلامي الباحث عن الإثارة، فكان أن استأنسنا بأصوات ثلاثة من المختصّين. 

اقرأ/ي أيضًا: العودة المدرسية زمن كورونا: المسؤول يطمئن والوليّ متوجّس

إيمان بالصالح (أستاذة مبرزة في الانجليزية): بعد التخفيف غلب المنحى الوعظي والتلقيني

تقول الأستاذة المبرزة في الانجليزية إيمان بالصالح لـ"الترا تونس": "أحترم المجهود الذي قام به المتفقدون فيما يتّصل بالتخفيف، ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ نصوصًا ذات أهمية فائقة تمّ حذفها من درس الانجليزية، هذه النصوص في رأيي تبدو وثيقة الصلة بغايات النظام التربوي في تونس، إذ تساهم في بناء شخصيّة التلميذ وتدريبه على اكتساب ثقافة الاختلاف وتمكينه من الفكر النقديّ، من تلك السندات ما ينتمي إلى نمط السرد ومنها ما يرتبط بالشعر وبالسيرة الذاتية، ومن النصوص التي وددتُ أن يطّلع عليها التلميذ في مساره التعليمي الثانوي نظرًا إلى عمقها وطرافتها وقيمتها الفنية Are Neighbour's Necessary Love Boat John Grisham  وقصيدة طويلة عنوانها Me and R'kid ".

إيمان بالصالح (أستاذة انجليزية): ما أخشاه على المدرسة التونسية السقوط في المنحى الوعظي التلقيني والإعراض عن النزعة النقدية والمهارة التأويلية

توضح بالصالح رؤيتها "هذه النصوص تقوم على الإيحاء والترميز ويقتضي فهمُها القدرة على التبصّر والتأويل والاستنتاج ، فهي تراهن على ذكاء التلميذ في استخلاص مزايا الصداقة والإخلاص ومخاطر الانحراف والإدمان، ما أخشاه على المدرسة التونسية السقوط في المنحى الوعظي التلقيني والإعراض عن النزعة النقدية والمهارة التأويلية". 

شكري السلطاني (متفقد اللغة العربية وآدابها بنابل): لا خوف على النزعة العقلية في البرامج المدرسية

يتحدث شكري السلطاني، متفقد اللغة العربية وآدابها بنابل، لـ"الترا تونس": "إن الخوض في مسالة تخفيف البرامج الموصولة بمادة العربية لا يتطلب الانفعال واللغط والمهاترات السياسية التي نخرت الأخضر واليابس وصارت حياتنا مريضة بسبب تورم العقل وفساد المزاج والتعصب وادعاء العلم دون نظر عميق وتواضع ودراية، فالذين صاحوا وضجوا لا يريدون التخفيف ولا يعنيهم حتى التجفيف ولو سألتهم عن محتويات برامج العربية ما أخبروك عنها، فالأمر أكبر منهم ومن جهلهم بالجهد الجبار الذي يبذله زملاؤنا المتفقدون والمدرسون الذين يواجهون الوباء ومنهم من لقي نحبه وهو يحارب بالطباشير عدوًا خفيًا ولكل ذلك كان التخفيف في البرامج ناتجًا عن اجتهاد موضوعي لا علاقة له بالأحزاب والمذاهب والطوائف". 

شكري السلطاني (متفقد اللغة العربية وآدابها بنابل): التخفيف في البرامج ناتج عن اجتهاد موضوعي لا علاقة له بالأحزاب والمذاهب والطوائف

وأكد السلطاني لـ"الترا تونس" أنه "ينبغي أن لا نبالي بالأصوات الناعقة خارج السرب لأن المتعلمين يدرسون موادًا متعددة كشرح النص والإنشاء واللغة والتواصل الشفوي وكلها موصولة بالنزعة العقلية والنقدية بعيدًا عن الانفعال والتسرع في الأحكام دون روية أو إحاطة بالأهداف الإجرائية التي ينجزها المدرسون، مستخدمين في ذلك طرائق تنشيط تراعي الشواغل الذهنية والوجدانية للمتعلمين الذين يبنون المعارف دون تلقين أو حشو أدمغة فمهما كان المحور موضوع الاشتغال فالعقل رائده والحجاج سبيله وأرجو أن لا يكتفي الناعقون بشعار هذا على الحساب ريثما أقرأ الكتاب وفي هذا السياق يأتي قول الصديق متفقد اللغة العربية عماد بن ابراهيم: "العقل ليس محتوى يدرس إنما هو طريقة في المعالجة وأسلوب في التناول.. وهذا ما تنهض به كل تعلمات العربية من السابعة إلى البكالوريا". 

سامي التبرسقي (أستاذ تاريخ وجغرافيا مميز درجة استثنائية): الثورة البلشفية ليست درسًا للتلقين

من جانبه، يرى سامي التبرسقي، أستاذ تاريخ وجغرافيا مميز درجة استثنائية، أن "المتفقدين الذي أشرفوا على مشروع التخفيف في البرنامج أعلم بالأسباب الموضوعية التي جعلتهم يحذفون هذا المحور ويحافظون على ذاك وفق رؤية شمولية تراعي الجانب البيداغوجي والمعطى الزمنيّ".

وأضاف لـ"الترا تونس" "مع ذلك يحقّ لنا القول إنّ اللغط الذي حصل والسجال المتواصل حول حذف محور الثورة البلشفية يبدو مبالغا فيه نسبيا، فالتخفيف الحاصل بصرف النظر عن المضامين الملغاة ظرفيّ استثنائيّ، والعودة إلى البرنامج الأصلي بكامل محتوياته لن تتأخّر،  من جهة  أخرى لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الرهان لا يرتكز في درس التاريخ على المضامين بقدر ما ينهض على دفع التلميذ نحو اكتساب مهارات منهجية تتمثل في امتلاك القدرة على التفكيك والبناء والترتيب والتبويب أمّا المضامين فهي ملقاة في مراجع وسندات شتّى، وإن شئنا الخوض في الشأن الفكري قلنا إن كل الدروس ذات خلفية إيديولوجية، ومع ذلك فإن دراستها لا تخضع إلى التلقين إنما تخضع إلى النقد والتقييم فمن يظن أنّ تدريس هذه التجربة يهدف إلى الترويج لها فهو مخطئ، فقد خضعت هذه الثورة إلى مراجعات أكاديمية وقد خفت صوت المتغنين بها، ومن العلامات الدالة على ذلك رفض رئيس روسيا سنة 2017 الاحتفال بمائوية الثورة البلشفية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما يجب أن تعرفه عن إدماج مادة الصحة الجنسية في البرامج التعليمية التونسية

صفحات قدماء المعاهد بتونس.. حديث حنين وغبن وجدل