أي مصير للفلاحة التونسية بعد اتفاقية

أي مصير للفلاحة التونسية بعد اتفاقية "الأليكا"؟

تحذيرات من تضرر القطاع الفلاحي بعد إمضاء اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

أمضت تونس، قبل أكثر من 20 سنة، اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي لإلغاء الرسوم الجمركية أمام المنتجات الصناعية. وهي اتفاقية "كارثية" في عيون البعض، في حين يقدّر البعض الآخر أنها ساعدت الصناعة التونسية على التطور والاستفادة من تكنولوجيات الدول المتقدمة لتطوير جودة المنتجات وترفيع الإنتاج.

اقرأ/ي أيضًا: الأزمة المستمرة: هل ينقطع إنتاج الحليب في تونس مع بداية 2019؟

اليوم وبعد جولات تفاوضية أجرتها الحكومات السابقة، تعود حكومة يوسف الشاهد إلى طاولة المفاوضات من أجل الإعداد لاتفاقية جديدة هي اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق "الأليكا" ستشمل قطاعي الفلاحة والخدمات. ويحذر خبراء من مخاطرها وضررها المنتظر على عديد القطاعات الاقتصادية بالنظر إلى المشاكل الهيكلية التي تعانيها وبالخصوص قطاع الفلاحة. في حين يرفض بعض الخبراء ما يسمونه الانغلاق على النفس، ويرون في هذه الاتفاقية ملاذًا سينقذ الفلاحة.

اتفاقية 1995.. أين كشف الحساب؟

تنص اتفاقية الشراكة ين تونس والاتحاد الأوروبي لسنة 1995 على إلغاء جميع المعاليم الجمركية على توريد وتصدير المنتجات الصناعية مع استثناء قطاعي الخدمات والفلاحة. تلاقي هذه الاتفاقية انتقادات حادة من عديد الخبراء الاقتصاديين من بينهم لسعد الذوادي الذي اتهم في مقال نشره على موقع "نواة" النظام السابق بالتواطئ مع الاتحاد الأوروبي لتدمير النسيج الصناعي التونسي من خلال تقديم تونس كهدية دون مقابل، متحدثًا عن العدد الهام من المؤسسات الصناعية التي أغلقت أبوابها وسرحت عمالها في مجال الجلود والأحذية على سبيل المثال لا الحصر خاصة في ظل إطلاق العنان للتهريب والتوريد الوحشي للبضائع المغشوشة والمسمومة وغير الصحية من الصين دون تفعيل قانون الإجراءات الوقائية للتوريد.

تحذيرات من تأثيرات سلبية ووخيمة لاتفاقية "الأليكا" مع الاتحاد الأوروبي على قطاع الفلاحة التونسية

ولذلك منذ إعلان الاتحاد الأوروبي عن نيته افتتاح جولة جديدة من المفاوضات للاتفاق على بنود اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع تونس، دعا خبراء وناشطون في المجتمع المدني إلى القيام بعملية تقييم شاملة لاتفاقية سنة 1995 من أجل التعرف على مواطن ضعفها، ونتائجها وانعكاساتها على النسيج الصناعي للدخول في المفاوضات الجديدة بمعايير واضحة.

لكن يرى الخبير الاقتصادي عزالدين سعيدان في تصريح لـ"الترا تونس" أن اتفاقية 1995 كانت "ناجحة جدًا" قائلًا: "بُعثت مشاريع جديدة، وتطور الاستثمار بشكل كبير، وتطورت هيكلة الاقتصاد التونسي كما تطور الصادرات بنسق هام إضافة إلى اعتماد برامج إصلاحات اقتصادية وتشريعية، لا يمكننا القول أن كل هذه الإيجابيات أتت بفضل اتفاقية 95 ولكنها كانت مفيدة للاقتصاد إلى حد كبير".

وإضافة للتقييمات المختلفة للخبراء، يبقى السؤال الأهم: هل قامت الدولة التونسية بتقييم شامل لاتفاقية 1995 قبل الدخول في مفاوضات جديدة؟

يخبرنا رامي الصالحي، مدير مكتب الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الانسان، أنه لا يوجد أي تقييم رسمي إلى اليوم لاتفاقية عام 1995، ويضيف لـ"الترا تونس" قائلًا: "هناك تقييمات عبارة عن مجهود أحادي الجانب من بعض الجهات السياسية وجمعيات المجتمع المدني ولكن الدولة التونسية إلى اليوم لم تقم بتقييم رسمي ومستقل يسمح بالدخول في مرحلة جديدة من التبادل الحر. الحكومة عبرت على استعدادها لإعداد دراسة تقييمية لاتفاقية 1995 لكن لازلنا ننتظر".

رامي الصالحي (مدير مكتب الشبكة الأوروبية المتوسطية): الدولة التونسية لم تقم بتقييم رسمي ومستقل لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي

وكان قد أعد الخبير الاقتصادي سامي العوادي تقريرًا تناول فيه آثار اتفاقية 1995 مبينًا أنها تسببت في تفاقم الدين الخارجي، وتراجع الحصص التونسية في الأسواق العالمية، وضعف تدفق الاستثمارات الأجنبية إضافة لتسببها في ضعف الالتزام الأوروبي والتعاون المالي وذلك إضافة لآثار سلبية أخرى.

ناقوس خطر من تضرر قطاع الفلاحة

صادق مجلس نواب الشعب، ضمن قانون المالية لسنة 2019، على مقترح فصل إضافي قدمته وزارة المالية يتعلق بتوقيف العمل بالمعاليم الديوانية والأداءات على القيمة المضافة على منتوج الزبدة، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا في أوساط الناشطين، مسلطًا الضوء على قطاع لطالما أهملته الدولة وهو القطاع الفلاحي. ويأتي السؤال حول مدى جاهزية هذا القطاع الحيوي لإقحامه ضمن اتفاقية التبادل الحر المنتظرة مع الاتحاد الأوروبي.

اقرأ/ي أيضًا: اتفاقية "الأليكا" مع أوروبا.. منافع ومخاطر

يقول الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان إن عدم جاهزية القطاع الفلاحي ليست سببًا في عدم التفاوض حول هذه الاتفاقية متساءلًا: "القطاع الفلاحي ليس جاهزًا أو مهيئًا لهكذا اتفاقية اليوم، فهل سيكون جاهزًا خلال 5 أو 10 سنوات أو حتى 20 سنة؟".

لكن عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عبد الخالق العجلاني لا يوافق كثيرًا سعيدان، ويؤكد لـ"الترا تونس" أن اتحاد الفلاحة يقوم بحملة للتنبيه من مخاطر اتفاقية التبادل الحر مضيفًا: "أشعر بأن هناك سرية وتكتم حول جلسات التفاوض، وهو ما يثير الاستغراب. لقد أصبحنا ممنوعين من المشاركة في المفاوضات، ولاحظنا وجود إرادة لمناقشة هذا الملف في الغرف المغلقة".

قطاع الفلاحة.. الرجل المريض الفاقد للسند

تمتد الأراضي الفلاحية في تونس على 10 مليون هكتار أي ما يقارب 65 في المائة من مساحة البلاد، وتؤمن الفلاحة 9.42 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وتساهم في تشغيل 16.3 في المائة من اليد العاملة. ويبلغ مجموع الاستثمارات الفلاحية ما يقارب 1.2 مليار دينار، كما بلغت القيمة المضافة لقطاع الفلاحة والصيد البحري سنة 2016 ما يقارب 8 مليار دينار.

عبد الخالق العجلاني (اتحاد الفلاحة): توجد إرادة لمناقشة ملف قطاع الفلاحة في مفاوضات "الأليكا" في الغرف المغلقة

لكن يعاني قطاع الفلاحة من مشاكل جمة، إذ تراجعت مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي من 17 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 9.5 في المائة سنة 2016.  كما يعرف القطاع ظاهرة التهرم إذ يمثل الفلاحون الذين تجاوز سنهم 60 عامًا نسبة 43 في المائة. ويوجد تراجع ملحوظ في إيرادات الفلاحة إضافة إلى العجز المتواصل في تغطية الواردات الغذائية، عدا عن تراجع مردوديّة القطاع بالنسبة للفلاحين وملاك الأراضي مع تضخم ديون الفلاحين إذ ناهز الحجم الجملي للتعهدات البنكية في القطاع 2445 مليون دينار في موفى أوت/أغسطس 2016.

يؤكد خبراء، في الأثناء، أن اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق المنتظرة ليست إلا امتدادًا للاتفاقية الموقعة مع الاتحاد الأوروبي قبل 23 سنة، تلك الاتفاقية التي لازالت محل جدل على ضوء عديد التحفظات عليها، وهو ما يجعل الدخول في اتفاقية جديدة قد تعرض قطاعات حساسة تتعلق بالأمن الغذائي إلى خطر المنافسة غير المتكافئة بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الخطر الزاحف.. تهريب شتلات زيتون وفسائل نخيل إلى تونس

قطاع الدواجن في تونس يواجه التهميش وخطر التوريد "المشبوه"