أكوام النفايات الطبية بسبب

أكوام النفايات الطبية بسبب "كورونا".. أي تأثيرات على الصحة والبيئة؟

تخوفات من خطر الكمامات والمناديل الورقية المرمية في الشارع ومع النفايات المنزلية (Getty)

 

قيل إن الطبيعة التقطت أنفاسها بعد جائحة كورونا وما فرضته من حجر صحي وإن الكرة الأرضية تنفست هواء نقيًا بعد أن أثبتت ذلك صور القمر الصناعي التي بثتها وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" والتي رصدت تراجع انبعاث ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكربون بنسبة 25 في المائة. وقيل أيضًا إن القنوات المائية في فينيسيا الإيطالية -مثلاً- أصبحت صافية ونقية بل إن الأسماك عادت للحياة مجددًا على كوكب يعاني من الاحتباس الحراري ويعرف مناخه تغييرات تهدد هذه الأرض.

جائحة كورونا أوقفت محرك العالم الصناعي لفترة فهزت ميزانها التجاري وعدلت نظيره المناخي، لكن ماذا عن أكوام النفايات الطبية في وقت يفرض فيه فيروس كورونا استعمالاً واحدًا لبدلات طبية وأقنعة وكمامات؟ ماذا عن الأكياس البلاستيكية التي تجمع هذه النفايات؟ كيف يتم التعامل معها؟ وما حجم تهديدها للبيئة؟


"إننا نرى الكمامات والمناديل الورقية مرمية في الشارع ومع النفايات المنزلية تعبث بها القطط وأيادي البرباشة"، يقول حاتم حرز الله، أحد أعضاء تنسيقية جائحة كورونا في المنستير. ويُضيف لـ"الترا تونس" إن "كانت مراكز الحجر الصحي تعاقدت مع شركات خاصة تتعهد بنفايات المرضى المقيمين فيها فإن أغلب المصابين في ولاية المنستير مثلاً  (من بين الولايات الأعلى عددًا لمصابي كورونا) متواجدون في منازلهم وفضلاتهم تلقى بلا رقابة ولا متابعة ولا حتى توعية تلفزية أو إذاعية".

حاتم حرز الله، أحد أعضاء تنسيقية جائحة كورونا في المنستير لـ"الترا تونس": "إننا نرى الكمامات والمناديل الورقية مرمية في الشارع ومع النفايات المنزلية تعبث بها القطط وأيادي البرباشة"

"فضلات يجمعها عون البلدية بلا حماية وتكدس مع غيرها وهي قادرة على نقل العدوى وتلويث المحيط وهو جانب تتغافل عنه على ما يبدو وزارة الصحة"، بحسب حرز الله. ويواصل حديثه "نحن كمجتمع مدني نحاول لفت النظر لهذا الملف لكننا منشغلون بإنقاذ حياة الناس ونسعى لتوفير آلات الأكسجين للمصابين بالفيروس  والبحث عن دعم لمستشفيات تعاني نقائص كثيرة".

اقرأ/ي أيضًا: حرق نفايات طبية في القصرين دون احترام الإجراءات (صور وفيديو)

من جانب آخر، يقول الدكتور المختص في طب الأطفال خالد كبوس ورئيس جمعية البيئة والتنمية المستدامة إن "مخاطر بيئية حقيقية تنتظرنا"، مبينًا لـ"الترا تونس" أن الأكياس الطائرة التي نعاني منها في تونس سنرى معها في هذه المرحلة كمامات طائرة معلقة في الأشجار ومرمية في الأودية دون أي توعية أو  اهتمام من قبل الدولة".

وحذر الدكتور من تداعيات خطيرة للكمامات المرمية والتي نلاحظها في الشارع، قائلًا إن "دعوة المواطنين لوضعها وبقية النفايات الصحية في أكياس بلاستيكية ورميها في القمامة لا يكفي لأن هذا يحتاج إلى مرحلة فرز ورسكلة ومجموعة من المراحل غير متوفرة ولا يتم اتباعها".

ويعزو رئيس جمعية البيئة والتنمية المستدامة أسباب هذا الوضع وتأثيراته البيئية الممكنة إلى غياب دور الدولة والمجتمع المدني والإعلام ويتساءل "هل نحن بصدد توعية المواطن بخطورة رمي الكمامات في الشارع مثلاً؟"، مضيفًا أننا سنشهد خلال موسم الأمطار انسدادًا في البالوعات بسبب تجمع الكمامات وسنلاحظ وقتها إشكاليات غياب العمل على هذا الملف، وفق تقديره.

ويعتبر الدكتور كبوس أن "التوعية ليست عملاً سهلاً بل تحتاج إلى استراتيجية اتصالية يشارك فيها الإعلام العمومي والخاص من أجل تربية جيل كامل على احترام البيئة".

الدكتور خالد كبوس (رئيس جمعية البيئة والتنمية المستدامة) لـ"الترا تونس": دعوة المواطنين لوضع الكمامات وبقية النفايات الصحية في أكياس بلاستيكية ورميها في القمامة لا يكفي لأن هذا يحتاج إلى مرحلة فرز ورسكلة ومراحل أخرى"

"إن الأمور يتم النظر لها بسطحية كبيرة ويغيب التنسيق بين كل المتدخلين. بالنسبة لنا كجمعية سعينا بالتعاون مع برنامج يوم سعيد في الإذاعة الوطنية مع الإعلامية نبيلة عبيد لتقديم ركن أسبوعي لتوعية المواطنين ونحن متطوعون نحاول بكل جدية أن نعمل على هذا الملف".

وينوه الدكتور كبوس إلى أن "الأمم المتحدة تقدم برنامجًا كاملاً لدعم البيئة والمناخ وكذلك الطاقات المتجددة وبإمكان البلاد أن تستفيد منها وتعمل على هذه البرامج من أجل حق الأجيال القادمة في الحياة". 

وكان الخبير في الهيدرولوجيا الدكتور عمر موسى قد نبه في حوار سابق مع "الترا تونس" إلى مخاطر انتشار فيروس كورونا عبر مياه الصرف الصحي وإمكانية إصابة العاملين في محطات التطهير بالفيروس خصوصًا وأنهم يمارسون وظيفتهم بلا وقاية، كما نبه أيضًا إلى أن الأساليب المعتمدة في معالجة مياه الصرف الصحي لا تقضي على كل الفيروسات باعتبار أنها تعتمد فقط على تحاليل كيميائية. 

اقرأ/ي أيضًا: عمر بن موسى (خبير في الهيدرولوجيا): مخاطر لانتشار كورونا في مياه الصرف الصحي

مخاطر جديدة تهدد البيئة بسبب نفايات جائحة كورونا وصيحات فزع يطلقها بعض الخبراء والمهتمين بالتنمية المستدامة، لكن في المقابل تؤكد المكلفة بمتابعة برامج التصرف في نفايات الأنشطة الصحية بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات راضية العرفاوي أن هناك خطة خاصة بالجائحة تم العمل عليها منذ فيفري/ شباط 2020.

الخبير في الهيدرولوجيا الدكتور عمر موسى قد نبه في حوار مع "الترا تونس" إلى مخاطر انتشار فيروس كورونا عبر مياه الصرف الصحي وإمكانية إصابة العاملين في محطات التطهير بالفيروس 

وتبيّن العرفاوي في حديثها لـ"الترا تونس" أن هذه الخطة وضعت بالتعاون مع وزارة الصحة وترتكز بالأساس على مبدأ معالجة كل النفايات ذات العلاقة لضمان عدم تفشي العدوى والسيطرة على الفيروس وترتكز على ما يلي: 

ـ تسليم كل النفايات الصحية للمرضى والنفايات اللصيقة بهم والتي يمكن أن تكون حاملة للفيروس (نفايات الغرفة والملابس وغيرها) للشركات المرخص لها للتصرف في نفايات الأنشطة الصحية دون غيرها بعد وضعها في أكياس صفراء مضاعفة وإحكام غلقها

ـ يقع تعقيم كل النفايات الأخرى المتأتية من مراكز الحجر والتي لا علاقة لها بالمقيم  في الحجر الصحي  بمحلول مادة الجافيل لتعقيمها قبل التخلص منها.

ـ أما بالنسبة للمرضى في المنازل فلابد من تعقيم نفاياتهم بمادة الجافيل مع الوضع في أكياس مضاعفة وإحكام غلقها.   

راضية العرفاوي (الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات) لـ"الترا تونس": "تم إقرار بروتوكول خاص بنفايات جائحة كورونا ويفرض جملة من الإجراءات"

وبيّنت مسؤولة الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات راضية العرفاوي أن "بروتوكولاً خاصًا بنفايات جائحة كورونا تم إقراره ويفرض جملة من الإجراءات منها أن تتولى الإدارات الجهوية للصحة التأطير وتسهر على ذلك تحت إشراف الولاة، كما يتوجب على مراكز الحجر الصحي الإجباري التعاقد مع الشركات المرخص لها للتصرف في النفايات الصحية الخطرة (قائمة الشركات المرخص لها والمنشورة بموقع الواب للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات)".

وأضافت، خلال حديثها لـ"الترا تونس" أنه "يقع استعمال أكياس وحاويات مطابقة للمواصفات المعتمدة في الغرض، مع ضرورة عدم استعمال دورات المياه المشتركة بمراكز الحجر من قبل المقيمين، كما يتعين اتخاذ كافة إجراءات الوقاية والسلامة الضرورية بالنسبة لكل المتدخلين من أعوان وعملة ومشرفين من حيث مستلزمات الوقاية الشخصية (ارتداء اللباس الواقي والقفازات والكمامات...إلخ) واحترام قواعد حفظ الصحة الشخصية (غسل اليدين بالماء والصابون، استعمال المحلول الكحولي، احترام قواعد حفظ الصحة أثناء العمل..)، بالإضافة إلى ضرورة مسك دفاتر متابعة عملية التصرف في النفايات والوثائق والمؤيدات ذات العلاقة ووضعها على ذمة مصالح المراقبة والمتابعة. 

وأشارت المكلفة بمتابعة برامج التصرف في نفايات الأنشطة الصحية بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات راضية العرفاوي لـ"الترا تونس" إلى أن هذه الإجراءات يقع إعلام كافة الإدارات الجهوية للصحة بها، موضحة أن كميّة نفايات الأنشطة الصحية في تونس تقدر بـ18000 طنّ/سنة منها حوالي 8000 من النفايات الخطرة.

الدكتور الحبيب غديرة، عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا لـ"الترا تونس": الكمامات متكونة من أنسجة وليست مادة بلاستيكية وبالتالي رسكلتها وتحللها ممكن ولا يشكل خطرًا على البيئة

أما عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا المستجد الدكتور الحبيب غديرة فقد أكد لـ"الترا تونس" أن "الكمامات متكونة من أنسجة وليست مادة بلاستيكية وبالتالي رسكلتها وتحللها ممكن ولا يشكل خطرًا على البيئة". واعتبر أن "التخوف الحقيقي بيولوجي من باب نقل العدوى فلا يعقل أن تُرمى أرضًا بل يجب أن توضع في أكياس تعقم بالجافيل وتغلق بإحكام قبل رميها".

وحذر غديرة من وضع فضلات مريض كورونا داخل الحاويات المنزلية وتركها داخل المطبخ، داعيًا إلى ضرورة التخلص منها خارج المنزل. وأشار عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا إلى أن مسألة المحافظة على البيئة أساسية وتقوم على وعي المواطن سواء داخل المنزل أو خارجه بعدم رمي الكمامات أو قوارير التعقيم وغيرها من النفايات الصحية وغير الصحية عشوائيًا في الطريق، مذكرًا بضرورة الالتزام بغسل اليدين واستعمال مواد التعقيم بعد لمس الأكياس التي يفترض أن تعقم بدورها بمادة الجافيل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعافي الطبيعة في زمن الكورونا.. هل هو "عام السعد"؟

كورونا وانحباس الأمطار... 2020 سنة بلا ربيع