ultracheck
رأي

أزمة الحكومة وسياسة "السّرايا"

31 أغسطس 2020
GettyImages-1177730241_0.jpg
لسنا في هذه المرحلة بمعزل عن صراعات الأجنحة والأمزجة (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)
وليد حدوق
وليد حدوق باحث من تونس

مقال رأي

 

منذ سحب الثقة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ وما بدا أنّه فشل للطّبقة السياسيّة الحزبيّة برمّتها، بدا أنّ الأحداث تتّجه لتأكيد وتثبيت أطروحة رئيس الجمهورية القائل بسياسة غير حزبيّة أو "ما بعد حزبيّة". وبسرعة قصوى، تمّ تكليف السيد هشام المشيشي بتشكيل الفريق الحكومي دون استشارات سابقة أو لاحقة مع "الآخرين"، تلك الكيانات السياسية الحزبية المتصارعة فيما بينها والتي لا يهمّها إلاّ التّموقع. كان تكليف المشيشي الذي لقي بعض ترحيب لدى المزاج العامّ المحكوم بالملل من السياسة والسياسيين مؤشّرًا على أنّ نظريّة قيس سعيّد بخصوص ممارسة سياسيّة لا لوثة حزبيّة فيها وتربط الصلة المباشرة بالشّعب قد بدأت تجد طريقها للواقع الملموس. وعلى نفس النّحو، ربّما كانت الضبابية المستجدّة في العلاقة بينهما مؤشّرًا علي تهافت المنهج وعقم المقاربة.

هل يمكن تدبير السياسة أيّا تكن السياسة وأيّا يكن البلد دون فريق وتجربة جماعيّة ممتدّة في الزّمن وخبرة في النّساء والرّجال؟

هل يمكن تدبير السياسة أيّا تكن السياسة وأيّا يكن البلد دون فريق وتجربة جماعيّة ممتدّة في الزّمن وخبرة في النّساء والرّجال؟ ماذا يعني أن تكون كفاءة لإدارة الملفّ التربوي أو الاجتماعي في هذا الظّرف الصّعب المستصعب؟ ولو كان ثمّة معايير ووصفات سحريّة لتدبير الأمور بشكل علمي تقني مجرّد عن الرؤية والتجربة الجماعيّة المنطلقة من حلم جماعي – وهذه هي السياسة كما نفهمها – فهل كانت بقيّة الأمم لتلجأ للانتخابات وللإجراءات الديمقراطيّة وغيرها؟

هذا التّململ – إن لم نقل عبثًا – يحيلنا على ما هو أعمق وأكثر راهنية وامتدادًا في التّاريخ أيضًا. فهو أوّل دليل ملموس على سطحيّة تقزيم الأحزاب وما ينطوي عليه من إنشائيّات شعبويّة تفضي إلى تعيين الكفاءات الإداريّة والقضاة – وتلك بدعة غير محمودة – على رأس السلطة التنفيذية.

اقرأ/ي أيضًا: تونس: أزمة حكومة لم تبدأ بعد

إنّ ما تعمد إليه الرئاسة، بنيّة وباسم التعفّف عن الحزبيّة والفئويّة وسلوك طريق الإرادة الشعبيّة الصافية، إنّ ما تعمد إليه الرئاسة من تدبير غير سياسيّ لشؤون الدّولة ليس بصدد إنتاج نموذج سياسي تاريخي بديع أو "ما بعد حزبيّ " وإنّما يعود بتونس إلى ظاهرة "السرايا" في تدبير الأمور والتي يكشف لنا التّاريخ المعاصر لتونس قبل الثورة عن سيرورتها المؤسفة بعد الاستقلال. نتحدّث هنا عن دور وسيلة بورقيبة "الماجدة" في السياسة التونسية وتشكيل الحكومات وإسقاطها وتصعيد الوزراء أو إخراجهم من اللّعبة.

ويوثّق البحث التاريخي لنور الدقي بعنوان "اليد الخفيّة"1 عن سيرة وسيلة بن عمّار بورقيبة موقع "السّرايا" أو المجال الشخصي والخاص لرئيس الجمهوريّة بورقيبة في صنع السياسة أو في تجفيف منابع الممارسة الحزبيّة المؤسّساتيّة. ويتقاطع كلّ ذلك مع مذكّرات رجال الدّولة التونسية الذين كانوا بمنأى عن سياسة السّرايا على غرار الباهي الأدغم وشهادته القيّمة في "الزّعامة الهادئة".

لسنا في هذه المرحلة من تاريخ تونس أو رئاسة الجمهوريّة فيها على الأقلّ بمنأى عن هذا المرض الخبيث: غياب الصراع السياسيّ المؤسساتي لصالح صراعات أجنحة وأمزجة وأهواء شخصيّة مخفيّة يُلمّح لها همزًا ولمزًا في كواليس الإعلام والسياسية. يبدأ ذلك بدور مديرة الديوان السيدة نادية عكاشة في التفاوض والتعاطي شبه السياسي والتّقريب والتّبعيد، ولا ينتهي عن تعيين القضاة في حكومة المشيشي المقترحة صادف أنّ بعضهم كان يرأس دوائر قضائية عملت فيها حرم الرئيس.

لسنا في هذه المرحلة من تاريخ تونس أو رئاسة الجمهوريّة فيها على الأقلّ بمنأى عن هذا المرض الخبيث: غياب الصراع السياسيّ المؤسساتي لصالح صراعات أجنحة وأمزجة وأهواء شخصيّة مخفيّة

وتوخّيًا للوضوح، فإنّه من حقّ الرئيس أن يتخيّر في صنع قراره كرئيس مستشاريه من أهل ثقته أو الأقارب وإن كانت زوجة أو أخًا أو ابنًا أو مستشارًا مقرّبًا. لكنّ الفيصل والمهمّ في كلّ هذا هو ألاّ تُختصر السياسة والمؤسّسات في صنع قرار الرئيس عبر أقاربه وأهل ثقته. وأقصر الطّرق لهذا التشوّه، تشوّه "السرايا"، هو نفي الطّبيعة السياسية لدور رئيس الجمهوريّة باسم التعفّف عن التفاوض والتشاور والنّقاش. يغدو رئيس الجمهوريّة حينئذ كائنًا مبهمًا منعزلًا ويقيه ذلك شرّ محاسبة الرأي العامّ أو الاختلاط بالسياسيين، ويحيطه ذلك بهالة الأستاذ أو الملك الذي يوجّه ويلقي الدروس ولا يتلقّاها.

وإذ لا يمكن إنكار أنّ ذلك الإبهام عنصر قوّة لقيس سعيّد بالمعنى الانتخابي وبمعنى البحث عن الشعبيّة أيّا يكن الثمن، فإنّه يفضي مباشرة لممارسة غير مهيكلة أو موازية للسياسة فيما يمكن تسميته بسياسة "السّرايا" حيث تطغى الشائعات حول الأهواء والأمزجة والصّراعات المتعدّدة والمعقّدة على كلّ مفاهيم الحوار والتفاوض السياسيّين في إطار نظام سياسيّ شبه رئاسيّ شبه برلمانيّ.

ربّما كان تغيّر اتّجاه الرياح في قرطاج بخصوص المشيشي والتخبّط في تشكيل الحومة والأسماء مؤشّرًا على ذلك، وربّما أدّى كلّ ذلك بقيس سعيّد الذي حمل شعار "الشعب يريد" إلى مطبّات التأسيس لسرايا جديدة، ظنّ التونسيّون أنّهم قطعوا معها ومعه ترسّباتها منذ الثّورة.

 

المصادر:

1  Wassila Bourguiba : La main invisible ; Noureddine DOUGUI, Sud Editions, 2020

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تترنح الديمقراطية في تونس؟

لماذا لا يجب أن يكون إنعاش الاقتصاد أولوية؟

الكلمات المفتاحية

حرية التعبير حرية الصحافة المرسوم 54.jpg

10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام

"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"


المرسوم 54 الشاذلي بن إبراهيم  Getty NurPhoto

المرسوم 54 ليس أصل الدّاء

بالعقيدة الزّجريّة ذاتِها، لنظام زين العابدين بن عليّ بادر الرّئيس، قيس سعيّد، في خريف عام 2022، بإصدار المرسوم 54.. وسرعان ما تحوّل هذا النّصّ إلى سيف مسلّط على رقاب كلّ نَفَسٍ نقديٍّ في البلاد


شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

شرف هذا الطفل التونسي السجن من أجل فلسطين

تلفيق التهم بتعلّة الفساد المالي وسوء التصرف في التبرعات، فهذا النوع من التهم قد يصدق في مسائل الشأن العام الداخلي والمحلي، لكنه لا يصلح في التعامل مع موجات التطوع والتبرع بالدم والمال لأجل فلسطين


شارع الحبيب بورقيبة LIONEL BONAVENTURE AFP.jpg

السلطة في مواجهة نفسها.. تحديات العام السياسي القادم في تونس

يربط خيط واحد بين هذه النقاط، ويكشف أن السلطة، في كل واحدة منها، تصنع بيدها الأسباب التي تُضعفها. فلا يوجد خصم يمنعها من حل أزمة الكهرباء، ولا مؤامرة تفرض عليها ملاحقة مناضلي الأسطول ومسانديهم..

طقس تونس.. أمطار متفرقة مع استقرار في درجات الحرارة
منوعات

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية


إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.

طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

الأكثر قراءة

1
منوعات

جوائز "إندا العالم العربي".. تتويج 3 مبادرات بيئية تونسية


2
سیاسة

حزب تونسي يستنكر ما رافق محاكمة رياض بن فضل ويطالب بالإفراج الفوري عنه


3
مجتمع

الكراء المملك في تونس.. كل ما يجب أن تعرفه لاقتناء مسكن


4
منوعات

البطولة التونسية..الترجي يتألّق بثلاثية والإفريقي والصفاقسي يتعرضان للهزيمة


5
مجتمع

وقفة احتجاجية رابعة أمام وزارة التربية.. متظلّمو مناظرة "الكاباس" يوضحون مطالبهم لـ"الترا تونس"