تونس: أزمة حكومة لم تبدأ بعد

تونس: أزمة حكومة لم تبدأ بعد

رئيس الجمهورية أصبح في خلاف عميق مع رئيس الحكومة الذي كلفه

 

مقال رأي

 

منذ أزمة انتخابات 2019 ونتائجها "المفاجئة"، يتقدم الوضع السياسي إلى منعرجات أهم سماتها مأزق إيجاد تفاهمات وترتيبات سياسية مهمة. الأطراف المنتخبة سنة 2019 كانت خليطًا من أحزاب سياسية بتمثيل غير حاسم وهي متنافرة بينها أصلاً يُضاف إلى ذلك أطراف جديدة ليس لها علاقة بالمشهد التقليدي، وكان على الأحزاب أن تتأقلم معها خاصة أن ليس لها ذات "الغرائز السياسية" ومنهجيتها في صناعة القرار مختلفة في العمق. وكلما تصاعدت الخلافات كان من الصعب إيجاد ترتيبات وتفاهمات مناسبة للخروج من الأزمة.

الآن توجد أزمة جديدة وهي أن رئيس الجمهورية أصبح في خلاف عميق مع رئيس الحكومة الذي كلفه وأصبح سعيّد غير معني بمرور حكومة المشيشي

الآن توجد أزمة جديدة وهي أن رئيس الجمهورية أصبح في خلاف عميق مع رئيس الحكومة الذي كلفه قبل ذلك. وأصبح رئيس الجمهورية غير معني بمرور حكومة المشيشي في حين أصبحت بعض الأحزاب في حالة حيرة: هل تصعّد مع الرئيس وتحاول استمالة المشيشي، وحركة النهضة هنا بعضها يفكر باستعادة سيناريو الشاهد، أم تحاول إيجاد ترتيبات مع الرئيس لبقاء الحكومة الحالية مع تغييرات إضافية.

التحكيم سيكون صعبًا خاصة بالنسبة للنهضة التي تعقد هذا المساء اجتماعًا لمجلس الشورى "عن بعد" حيث لن تكون هناك نقاشات وسجالات مباشرة. الأهم قبل ذلك هو دعوة رئيس الجمهورية رؤساء عدد من الأحزاب للحضور في اجتماع سيطرح فيه بشكل صريح ومباشر مأزق حكومة المشيشي وأن من مصلحة البلاد أن لا تمر وأن الأفضل إيجاد ترتيبات تحافظ على الحكومة السياسية مع تغييرات يتم الاتفاق عليها سواء في رئاستها أو في حزامها.

مبدئيًا الكتلة الديمقراطية (التيار وحركة الشعب)، الكتلة الثانية في البرلمان، تتجه لموقف منسجم مع الرئيس ليس فقط لأسباب سياسية أي التموقع طيلة الأشهر الأخيرة مع الرئيس في مواجهة حركة النهضة، بل أيضًا لأسباب تتعلق بالوضع العام، خاصة أن سيناريو الباجي-الشاهد وخلافًا عميقًا بين قرطاج والقصبة سيعني أزمة مضاعفة: حكومة بإداريين دون إسناد سياسي يضاف إليها قطيعة مع راعيها أي الرئاسة، خاصة أن الكتلة الديمقراطية في الحكم حاليًا وتفهم جيدًا الصعوبات المالية والاقتصادية التي ستعرفها البلاد على خلفية استتباعات أزمة كورونا.

اجتماع اليوم سيطرح فيه سعيّد أن من مصلحة البلاد أن لا تمر حكومة المشيشي وأن الأفضل إيجاد ترتيبات تحافظ على الحكومة السياسية مع تغييرات

يبقى موقف الكتلة الأولى في البرلمان أي كتلة حركة النهضة والتي تواجه خيارًا حاسمًا. الفرضية الأولى أن تميل إلى الموقف "الثأري" من قيس سعيّد وتمرر الحكومة بتفاهم مع المشيشي ومع حلف "120 نائب" (أي الحزام الذي يحمي كرسي رئاسة البرلمان) وهو موقف يضعها في موضع أقرب لعلاقتها بالشاهد معه، ويعدها، أي المشيشي، مع حلفائها الحاليين (خاصة قلب تونس) في المقابل بتغييرات لاحقة، أي تعديل وزاري لاحق يعفي "وزراء قيس سعيّد" ويضع وزراء قريبين منها.

وهذا التوجه ربما يشبع غريزة الثأر لكنه مخاطرة كبيرة إذ كما "غدر" المشيشي سعيّد يمكن أن يفعل ذات الشيء مع النهضة ويمكن أن تعود العلاقة بين الرئيس والمشيشي إلى سابق عهدها، علاوة على أن صراعًا مؤسساتيًا بين إداري ضعيف سياسيًا ورئيس غير سياسي (أي مختلف عن السبسي وحذره ويمكن أن يستعمل كل أوراقه) يعني أننا إزاء أزمة محققة. البعض يمكن حتى أن يذهب إلى تأويل دستوري يمنع أي تعديل وزاري دون موافقة الرئيس وهو ما يمكن أن يصيب الدولة بشلل حقيقي. يُضاف إلى ذلك أن النهضة ستبقى فعليًا خارج الحكومة إذ ستبقى الحكومة عمليًا غير حزبية.

نحن إزاء فلسفتين للحكم، إما التموقع التكتيكي واللعب على صراعات الخصوم لتحقيق ذلك، أو إيجاد ترتيبات سياسية تسمح بتجاوز الأزمة

الفرضية الثانية، أن تميل أكثر إلى صوت العقل وتوظف أزمة الرئيس الحالية إلى فرصة لإصلاح العلاقة معه وللقيام بترتيبات شاملة تبدأ بالحكومة لتصل إلى تصور للوضع ككل وخريطة طريق تخص القضايا الكبرى بما في ذلك المحكمة الدستورية والقانون الانتخابي. وتعود من ثمة إلى الحكم في حكومة حزبية سياسية سواء برئيس الحكومة الحالي أو الأرجح بالتفاهم على بديل.

في الحقيقة، يبقى قيس سعيّد رغم تراجع وضعه الآن بسبب خطأ اختيار المشيشي رئيس الدولة بسند شعبي معتبر وبوصفه الأقوى في الساحة والصراع معه لن يكون مشابهًا للخلاف مع السبسي. الحفاظ على الاستقرار يجعل التفاهم مع قيس سعيّد أفضل وأهم من التفاهم مع ربيبه "الغادر".

هنا نحن إزاء فلسفتين للحكم، إما التموقع التكتيكي واللعب على صراعات الخصوم لتحقيق ذلك، أو إيجاد ترتيبات سياسية تسمح بتجاوز الأزمة العامة للبلاد حيث الربح ليس حزبيًا سياسيًا حصرًا بل يخص مصير الديمقراطية والدولة. في كل الحالات فإن موقف الأحزاب الثلاثاء سيكون حاسمًا ليس في حسم وضعها ومستقبلها بل أيضًا في تحديد مصير البلاد عمومًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حكومة المشيشي بأرجل من طين

لماذا لا يجب أن يكون إنعاش الاقتصاد أولوية؟