"أجمل الذّنوب".. جدل حول جنس المؤلف وتغريبة للطلبة التونسيين

672 مشاهدة
غوص في علاقة الكاتب بكلية الآداب بمنوبة

"أجمل الذّنوب" من ناحية أجناسية لم تكن رواية بالمعنى المتعارف عليه وإن كانت تقدّم على أساس أنّها من جنس الرواية، فهي "سيرة مكان" كما أراد لها صاحبها الشاعر والكاتب عبد الرزاق المسعودي. وقد كانت هذه النقطة محل نقاش وخلاف بين الكاتب والأستاذ الراحل توفيق بكار الذي انشدّ للعمل وأراد له النشر ضمن سلسلة "عيون المعاصرة" التي كان يديرها ضمن "دار الجنوب"، لكن الكاتب رفض أي تغيير في نصه فلم يقع نشره بالنهاية عن الدّار الشهيرة.

كتب المسعودي هذا العمل الفنّي والإبداعي بداية الألفيّة، ونُشر ضمن طبعة أولى سنة 2008 على نفقة الكاتب وأُعيد نشره خلال هذه الأيّام ضمن طبعة ثانية معدّلة بعض الشيء عن "دار ورقة للنشر".

"أجمل الذّنوب" من ناحية أجناسية لم تكن رواية بالمعنى المتعارف عليه وإن كانت تقدّم على أساس أنّها من جنس الرواية

والمسعودي ابن سيدي بوزيد، متخرج من كلية الآداب بمنوبة وهو شاعر وكاتب نشر مجموعتين شعريتين بعنوان "بل نزرع الياسمين" و"دعني أمتلئ بك"، ومجموعة قصصية بعنوان "صلاة"، وله إسهامات في الصحافة الأدبية التونسية والعربية.

اقرأ/ي أيضًا: سفراء الثقافة التونسية: آمال مختار تمثّل الأدب التونسي في أسبانيا

أثار، في الأثناء، الإصدار الجديد والمباغت لـ"أجمل الذّنوب" في حلّة أنيقة ومغايرة، موجة جديدة من الجدل بخصوصها في الوسط الثقافي والأدبي التونسي. إذ عاد الحديث عن تحديد جنسها وجرأتها والمواضيع التي أثارتها. وصف المعجبون العمل بالنوعي لأنّه يروي جيلًا طلابًيا بكامل تفاصيله خاصة الوجدانية منها، ويقدم الجامعة على أساس أنّها فضاء للحب وصناعة أمجاد صغيرة خالدة. في المقابل، قيّم المنتقدون العمل بأنه غير منضبط تقنيًا وأخلاقيًا يمسّ من صورة الأساتذة الجامعيين والفضاء الجامعي ويسيء إلى العلاقات الإنسانية بين الطلبة.

دفعنا هذا الجدل لاقتناء "أجمل الذنوب"، ويبدو أن هذا العمل هو سيرة الكاتب في علاقة بالمكان، ويظهر هذا المكان متعددًا مبثوثًا في ثنايا السّرد لكن مكان كلية الآداب بمنوبة هو الأبرز بل هو المنطلق لباقي الأمكنة التي يستعيدها الكاتب.

أثار الإصدار الجديد  لـ"أجمل الذّنوب" موجة جديدة من الجدل بخصوصها في الوسط الثقافي والأدبي التونسي بعودة الحديث عن تحديد جنسها وجرأتها والمواضيع التي أثارتها

تلبّست كلية الآداب بمنوبة بالبطل/الراوي وسكنته وحلّت في داخله وخاتلته ذات ليلة مقمرة وأغوته كسيرانة، إذ يقول: "هذا المكان المغزول من الضحكة اليائسة والمبتلّ برذاذ الخلود والموت، حيث الyمكانات جميعها تجوز وحيث الخير والشرّ صديقان أكثر من الازم... في هذا المكان أيّة خطى يمكن أن نثق بها؟ وأيّة لحظة جميلة يمكن أن نعيشها بامتلاء كامل؟".

هذا السحر وهذا الانشداد للمكان لم يكن للجغرافيا فحسب، وإنما لمكونات جمالية بسيطة وعفوية تلتقطها عين الشاعر دون غيره. فالمسعودي كان من زمرة شعراء الكلية في التسعينيات، وقد طبعها بحضوره في الأماسي واللقاءات الشعرية، وانصبغت هي على شعره.

"أجمل الذنوب" تروي تغريبة جيل الطلبة زمن التسعينيات

لذلك أعتبر هذا العمل صوغَا لمشاعر جيل طلاّبي بأكمله مرّ من تلك الكليّة التونسية التي حولها الكاتب إلى "حالة شعرية"، لكأننا إزاء قصيد مطول حيث الصور البديعة وحدائق المعنى تغمرك من كل جانب وهو ما حيّر النقاد الذين أرادوا تحديد جنس هذا العمل الإبداعي.

وجعلت روح الشعر الكاتب ملمّحًا غامزًا، وغير مباشر خاصة في وصفه لغربة الطالب التونسي في التسعينيات، والغربة هنا بكل ثقلها ومعانيها وتفاصيلها. وقد تبدو الغربة العاطفية هي البارزة والحديث عن الحب في نص نثري يعدّ مجازفة لغوية، لكن هناك آلام صغيرة قد تبدو قصيّة في النص لكنها أساسية والتفطن إليها يتطلب أحيانًا بعض الجهد والتأمل. "أتذكر أغنية كانت تثير اهتمام الجميع وتوحّد كل الطلبة وتجعلهم منتمين إلى وجدان واحد ووطن واحد أغنية "طير الحمام ولد القمري"، هذه الأغنية كانت الوحيدة التي تجمع جداول أحزاننا في نهر واحد وتشعرنا أنّ رابطة الألم أقوى بكثير من رابطة الدّم أو أيّ رابطة أخرى".

اقرأ/ي أيضًا: يوم الحنين بكلية الآداب بمنوبة: طلاب هزهم الشوق لأرض البدايات وأمجد الكليات

عبد الرزاق المسعودي في "أجمل ذنوبه" يروي تغريبة جيل طلابي، جيل التسعينيات حيث الجامعة تحاصرها السلطة ولا تسمح للطلبة بالتعبير وممارسة أنشطتهم الثقافية والنقابية والسياسية بكل حرية كغيرهم من طلبة العالم. قد لا نجد جملًا صريحة في الكتاب تقول ذلك، لكن الإمعان في وصف الحزن على الوجوه ووصف تلك الانكسارات والأحزان تشي بذلك "الكل يحتج والكل يحتفي بنزول المطر".

وتقوم هذه التغريبة أساسًا على مقولة "الحرمان" وهي الأرض التي كان يقف عليها ذاك الجيل الحزين، تقريبًا الحرمان من كل شيء، من الحب، والحرية، والحلم والأمل.

 تبقى "أجمل الذنوب" من المؤلفات القليلة التي تحدثت عن الحياة الجامعية التونسية في فترة التسعينيات وحّولت بعض مساحاتها إلى إبداع باق للأجيال

كما تحدث المسعودي عن الأساتذة الجامعيين ووصف غطرستهم وتنفذهم وهيمنة بعضهم على الحياة العلمية وإقصاء ومحاصرة المجددين منهم، فيأتي الدرس الجامعي باهتًا ورتيبًا، "الكل لا يحضر حصص الدروس، لقد كنا جيلًا يحبّ أن يغيّر العالم وأن يعيد الى الشّاعر موقعه القيادي على الأرض".

كانت رواية "أجمل الذنوب" حين صدرت لأول مرّة سنة 2008، مفاجأة في الساحة الأدبية التونسية التي تهيمن عليها أسماء بعينها لا تسمح بمرور الأعمال الجديدة التي من شأنها أن تنال الاعجاب وتحجب بعض الأضواء عن تلك الزمرة من الكتّاب والأدباء التي كانت تحتكر المساحات الشاسعة في الإعلام التونسي وهو ما حدا ببعض الأقلام إلى محاكمة الكتاب وصاحبه محاكمة أخلاقية قصد إزاحته.

ولكن تبقى "أجمل الذنوب"، الكتاب/السيرة، من المؤلفات القليلة التي تحدثت عن الحياة الجامعية التونسية في فترة التسعينيات، وحولت بعض مساحاتها إلى إبداع باق للأجيال، ليظهر المؤلَف، نهاية، بأسلوب آسر، وعفوية شعرية وصدق إنساني جليّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اتحاد الكتّاب التونسيين.. هل بات إرث الماضي عبئًا نحو المنشود؟

ضياع حقوق الكاتب التونسي.. مأزق للثقافة يبحث عن حل