هل تحتاج نساء تونس إلى إنقاذ؟

هل تحتاج نساء تونس إلى إنقاذ؟

1614 مشاهدة
نساء ملحمة الحوض المنجمي سنة 2008

بعيدًا عن حروب الأجندات الذكورية التي تتخذ من أجساد نساء تونس ساحة وغى.


منذ عشرة آلاف عام ساعة كان نمط الإنتاج والغذاء يعتمد الصيد، حيث كان الرجال يقطعون المسافات الطويلة وراء طرائدهم. عمدت النساء اللواتي بقين يحرسن الأطفال القصّر إلى تدجين الدجاج والنعاج لتوفير الطعام واستبقاء أزواجهن قربهن، فكانت الحصيلة الاستقرار بالمكان وتشييد علاقة خاصة بالأرض، زراعة وحفر آبار وتحويل مجارى أنهار ستتحول تدريجيًا إلى أوطان.. بدايات شيدتها النساء.

نساء بصمن تاريخ بلاد المغرب الكبير بنمط مجتمعي أمُومي طبع التاريخ اللاحق. أساطير التأسيس في بلدي عنوانها عليسة ومرافقاتها، ملاحم المقاومة في بلدي عنوانها الكاهنة تقود الرجال المحاربين. ملحمة كرامة المرأة في ألا يتزوج عليها زوجها وألا يتسرّى عليها وألا يتخذ عليها أمهات الولد دشنتها أروى القيروانية منذ قرون طويلة ساعة اشترطه والدها على هارون الرشيد على مذهب نساء القيروان قبلها، شرط خضع له الأمراء من المعز لدين الله الفاطمي وصولاً إلى عامة الناس على السواء. وقد عم شرط الصداق القيرواني بقية ربوع إفريقية حتى بلاد الأندلس، عقود نكاح فرضت فيها المرأة المسلمة على طالبي الزواج حقها في العصمة وتطليق من يتزوج عليها، وبقي الأمر ساريًا في البلاد التونسية حتى عام 1956 تاريخ منع تعدد الزوجات ووضع ممارسيه تحت طائلة القانون.

عم شرط الصداق القيرواني بقية ربوع إفريقية حتى بلاد الأندلس، عقود نكاح فرضت فيها المرأة المسلمة على طالبي الزواج حقها في العصمة وتطليق من يتزوج عليها

ملاحم النهضة العمرانية عنوانها الأميرة الحفصية عطف، تشيّد الجوامع والكنائس جنبًا إلى جنب. أكبر ملاحم الذاكرة الجمعية في بلدي سيرة هلالية تتصدرها "الجازية المخبّلة في شعرها" حكيمة قومها وبالكاد يظهر بوزيد الهلالي بطل الملحمة في ذاكرة شرقنا العربي. العمل الخيري في بلدي تتصدره عزيزة عثمانة التي كافأتها ذاكرة الفقراء برفعها إلى مقام الصالحين، وحق النساء في التعليم زمن الاحتلال الفرنسي تتصدره بشيرة بن مراد، واختبار صدقية بورقيبة في تحرير وأهلية النساء وكفاءتهن، تتصدره راضية الحداد الدستورية التي دفعت من حريتها وسمعتها الكثير لاختبار صدق الدعوة من وصاية الدعاية.

اقرأ/ي أيضًا: الحركة النسوية..بين الأبوة السياسية والحنين للماضي

ومعركة الحريات واستقلالية المنظمات زمن الفاشية النوفمبرية عنوانها نزيهة رجيبة وراضية النصراوي ومية الجريبي وسهام بن سدرين وزكية الضيفاوي وكلثوم كنو، أما ملحمة الحوض المنجمي 2008 التي دامت ستة أشهر وسط حصار سلطوي جائر مثلت الخالة علجية (رحمها الله) أبرز أبطالها، تقود النساء تحريرًا للفضاء العام من التأميم السلطوي ورفضًا لسياسات "الفسفاط في العواصم والشقاء والتلوث في بلدات حوض المناجم".

وملحمة سبعطاش ديسمبر 2010 بصَمتها خالة محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد عشية لحمه المشوي، ساعة كانت تستنفر بالصوت العالي غضب قومها، موقظة ذاكرة أجدادهم، تدك عروش البايات لدك عروش "البايات" الجدد، ملحمة سبعطاش ديسمبر 2010 وقودها ملاحم نساء بوزيان وتالة، يد ترمي البطش النوفمبري بحجارة من سجيل وشفاه تزغرد ساعة اندحار جحافل البطش وانسحاب ذليل ويهتفن عاليًا: "آمس خرّجنا فرانصا واليوم نخرّجوا الاستقلال" (لص الاستقلال). نساء بلادي يعمرن تونس بجبالها وصحاريها وسهولها، ومصانع 72 تسرق أعمارهن وجهدهن.

ملحمة سبعطاش ديسمبر 2010 بصَمتها خالة محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد عشية لحمه المشوي، ساعة كانت تستنفر بالصوت العالي غضب قومها موقظة ذاكرة أجدادهم تدك عروش البايات لدك عروش "البايات" الجدد

هزني مساء 13 أوت/أغسطس 2018 هتافهن الذي يكثّف كل تاريخ النساء في بلدي وهن يهتفن عاليًا "حريات حريات ضد كل الرجعيات" تدعيمًا وتحصينًا وتوسيعًا لمربعات كرامتهن. أما أن تكون رسائل محفل قصر قرطاج في صبيحة اليوم نفسه، مرتهنة لتعاليم كريستين لاغارد رسولة الإذلال الوطني والاجتماعية، وتتصدر المشهد بشرى بلحاج حميدة مناشدة بن علي ليلة هروبه. فقد أدمى ذلك قلبي وحفزني إلى امتشاق قلمي والرد بالكتابة writers Back ولسان حالي يصرخ مع المفكرة النسوية الديكولونيالية الفلسطينية ليلى أبو لغد ساعة: "هل تحتاج المسلمة إلى إنقاذ" (?Lila Abu Lughod: Do Muslim Women need saving). صرخة إدانة وفضح لجريمة تدمير وإبادة الشعب الأفغاني تحت راية "الرجل الأبيض يحرر نساء الشرق من غطرسة الرجال"!!!، وقبلها صرخت المفكرة النسوية اليسارية، غاياتري شاكرافورتي سبيفاك (Gayatri C. spivak): "هل بمقدور التابع الكلام؟" (?can the subaltern speak). صرخة احتجاج يفضح أيديولوجيا تدمير الإنجليز بلدها الهند تحت شعار تحرير نساء الهند من جريمة الساتي الذكورية!!! شاركتهن الرد بالكتابة المقاومة المفكرة النسوية الجذرية شاندرا موهانتي "دراسات نسوية وخطابات كولونيالية" (Chandra Muhanty: scholarship and colonial discourse) حذرت فيه من ارتباط النضال النسوي في الأمم المضطهدة من ربط نضالاتهن بالأجندات الكولونيالية لأن ذلك يزيد من حدة الاضطهاد الذكوري المحلي الذي يضاعف هيمنته على النساء ظنًا منه أنه يحميهن مجالاً خارج السيطرة والاستباحة الكولونيالية.

هل تحتاج نساء بلادي إلى كريستين لاغارد وسفير "فرانصا" برتبة مقيم عام، لإنقاذهن من رجال هن من أنقذنهم من مخاطر صيد الضواري منذ ألاف السنين؟

باسم الإرث الأمومي في تونس وباسم تاريخ بلدي وأساطير بلدي المطبوع بأنفاس وعرق ودماء نسائه وعطرهن من حقي أن أصرخ: هل تحتاج نساء بلادي إلى كريستين لاغارد وسفير "فرانصا" برتبة مقيم عام، لإنقاذهن من رجال هن من أنقذنهم من مخاطر صيد الضواري منذ ألاف السنين واستبقائهم إلى جانبهن يصنعون معًا خبز وأغنيات الماضي والحاضر والمستقبل!!!.

هل تحتاج نساء بهذا الإرث أن ينقذهن سفير "فرانصا" ورسولة الإذلال الاجتماعي والوطني كريستين لاغارد مما يسمونه "غطرسة رسالة الإسلام" التي دشنتها خديجة باحتضان نبيها وتدثيره ساعة بواكير التلقي، ودشنتها أم سلمة بأول صرخة نسوية مخاطبة زوجها ونبي الإسلام قائلة: "يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟" فخصها القرآن الكريم بآية "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ".

هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي التحرري إلى من يحررهن من عقيدتهن أم هن مدعوات إلى مواصلة تأويل نصوص عقيدتهن وفق مرايا وأفق كرامة النساء بعيدًا عن سطو ذكور القبيلة؟ هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي التحرري إلى وصاية ومزامير كهنوت الملأ الجاهلي، المتهافتين المتخمين نفطًا، المدججين بفتاوى الاستباحة والتوحش القبلي؟! هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي الضارب في أغوار التاريخ إلى تعاليم كريستين لاغارد ووصاية سفير فرنسا، مفسديْ حساء معارك في نبل النبوّات؟!

هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي التحرري إلى من يحررهن من عقيدتهن أم هن مدعوات إلى مواصلة تأويل نصوص عقيدتهن وفق مرايا وأفق كرامة النساء بعيدًا عن سطو ذكور القبيلة؟

باسمكن جميعًا، أهدي هذا النص إلى ثلاث شابات من تونس (مها عبد الحميد، عائدة بن كريّم، خولة الفرشيشي) ثالوث أراهنّ عناوينًا لمعارك نساء تونس التنوع والأعماق لا معركة أدلوجة المرأة التونسية المنمّطة في مرايا وأجندات وكلاء الاغتراب الزماني والمكاني. ثالوث اختلفن في مناهج التحرر فاتفقن في التعبير عن مطالب نضالات نساء تونس في مسار 17 ديسمبر المفتوح النهايات.

إحداهن تفضح توحش السوق المعولم الذي يستبيح عرق وأعمار عاملات مصانع "loi 72"  ومزارع الاستثمار الفلاحي المتوحش الزاحف على مجالات المفقّرات المضطهدات، وأخرى لا تكتفي بالدفاع عن نساء تونس الأعماق في مواجهة سياسات التفقير السوقي لهن، بل تفضح أيضًا امبريالية ثقافية عاتية تسلبها حقها وحريتها في سلوك لباسي مختلف عما تفرضه صرعات وموضات أسواق امبريالية غازية لا تكتفي بالنهب والاستتباع بل تفرض الإسكات وتطمس التنوع، وثالثتهما تشارك فرانسيس م. بيل صرختها "شقاء مزدوج أن تكوني سوداء وأنثى" (Frances M. Beal : Double Jeopardy: To Be Black and Female).

ثالوث تمايز عن سطوة نخبوية نسوية محلية لبرالية تستهلك دونما أدنى مسافة نقدية سرديات وأجندات النسوية الغربية البرجوازية المروّجة لحداثة كولونيالية متمركزة متحيزة بلا رحمة ضد نساء حيز اللاوجود المستباح حيث انسانيتهن منقوصة وكل أشكال وجودهن وتفكيرهن ورموزهن مدانة في مرايا نسوية حيز وجود الامتياز العرقي الغربي.

كُتب في صيف العام الثامن من الزمن الديسمبري المفتوح النهايات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أبعاد العنصرية: تابوه التمييز العرقي في تونس

من أجل حوار وطني حول المساواة والحريات الفردية