ultracheck
رأي

الحركة النسوية..بين الأبوة السياسية والحنين للماضي

13 أغسطس 2018
GettyImages-930160620.jpg
يبدو أن حرب التأصيل للحركة النسوية طويلة الأمد في ظل مجتمع مازال مشدودًا بحبال الماضي (ياسين القايدي/ الأناضول)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي

 

يتزامن عيد المرأة لهذه السنة مع النقاش المجتمعي الحاصل هذه الأيام بخصوص محتوى تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وهي لجنة أنشأها رئيس الجمهورية في أوت/ آب 2017 وأوكل إليها مهمة إعداد تقرير عن الإصلاحات التشريعية الممكنة والمتعلقة بالحريات الفردية والمساواة وفقًا لدستور الجمهورية الثانية وبما يتماشى أيضًا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والتي قدّمت جملة من الاقتراحات نزلها البعض أيضًا في سياق أحد المطالب الرئيسية للثورة التونسية وهو الحرّية.

وقد انقسم بخصوص هذه الاقتراحات تقرييًا كل أطياف المجتمع التونسي من مختصّين وسياسيين وناشطين حقوقيين ومثقفين وفنانين، إلى مؤيد ورافض ولكل شق دعائمه وسنداته في ذلك.

بإسناد الرئاسة الشرفية للاتحاد النسائي الإسلامي، الذي تأسس سنة 1936، للأميرة عائشة، ابنة الباي، انخرطت السلطة في تونس في دعمها للحراك النسوي

هذا النقاش والجدل الحاصل الآن داخل المجتمع التونسي حول ما سمي بـ"تقرير بشرى بالحاج حميدة"، نسبة إلى رئيسة اللجنة وبقطع النظر عمّن يستغلّه لصالحه، فإنه يحيلنا على مسألة شبيهة في تاريخ تونس المعاصر وتعود إلى النصف الأول من القرن العشرين وتحديدًا إلى سنة 1930 عندما نشر المصلح التونسي الطاهر الحداد كتابه الشهير "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، والذي أعتبر جرأة استثنائية داخل مجتمع محافظ ويرزح في نفس الوقت تحت الاستعمار، وقد أسفر ذاك النقاش المجتمعي الذي وصل إلى حد تكفير الحداد والدعوة إلى عدم السير في جنازته وثمة من دعا من المتشددين إلى عدم دفنه في المقابر الإسلامية، عن تشكّل "حركة نسوية " أصيلة كانت تدافع عن الأفكار التحررية للحداد ومن قبله الشيخ عبد العزيز الثعالبي في كتابه "الفكر التحرري في الإسلام"، الذي أصدره سنة 1906 ويدعو فيه بشكل واضح إلى ضرورة تعليم المرأة واستشارتها عند الزواج، وأيضًا المؤرخ والمثقف حسن حسني عبد الوهاب كانت له مواقف مساندة للمرأة عبّر عنها في مقدمة كتابه "شهيرات تونسيات" الذي أصدره سنة 1917.

اقرأ/ي أيضًا: "كيد الرجال كيدين وكيد النساء 16".. عن الأمثلة الشعبية الساخرة من المرأة

هذا الاعتمال الفكري والثقافي أثمر في بدايته سنة 1936 عن تأسيس هيكل واضح وهو "الاتحاد النسائي الإسلامي"، وكانت تترأسه بشيرة بن مراد، ابنة الشيخ بن مراد الذي ناهض الحداد وشحن أطيافًا عديدة من المجتمع ضده وألّب عليه مؤسسة الزيتونة بشقيها الديني والتعليمي. وانخرطت في هذا الاتحاد سيدات المجتمع منهن سارّة بلخوجة ابنة علي بلخوجة، وهو من أشهر المدرسين بالجامع الأعظم، وتوحيدة بن الشيخ أول طبيبة تونسية ووسيلة بن عمار وراضية الحداد. وأسندت رئاسته الشرفية للأميرة عائشة ابنة الأمين باي.

وبهذه الرئاسة الشرفية انخرطت السلطة في دعمها ومساندتها للحراك النسوي وتبنى العديد من السياسيين حينها أفكار هذا الاتحاد ودافعوا عنه وعن أهمية حضوره داخل المجتمع خاصة وأن مطالبه الأساسية تتمثل في حق المرأة في التعليم وحقها في اختيار زوجها وحقها في الصحة الإنجابية وحقها في السفور إن أرادت ذلك.

بعد الحرب العالمية الثانية انبثق عن جمعية الشبان المسلمين فرع نسائي يدافع عن حرية المرأة وأدوارها في المجتمع وفي الحياة السياسية. كما تم تركيز العديد من النوادي المهتمة بقضايا المرأة لعل أشهرها نادي الفتاة الإسلامية. كما قام الحزب الدستوري المناهض للاستعمار الفرنسي بتسييس العديد من الوجوه النسائية وكان يعوّل على العديد منهن في الجهات.

إن هذه المناخات والسياقات المجتمعية والسياسية التي أصلت للحركة النسوية في تونس أدت مباشرة بعد الاستقلال إلى صدور مجلة الأحوال الشخصية، وذلك في 13 أوت/ آب 1956 والتي اعتبرت تتويجًا فريدًا لنصف قرن أو أكثر من النقاش والتفكير حول حقوق المرأة وأدوارها الرائدة داخل المجتمع، حيث بيّنت هذه المجلة القانونية أهم مطالب الحركة النسوية على غرار منع تعدد الزوجات، جعل الطلاق بيد المحكمة، منع إكراه الفتاة على الزواج، منع الزواج العرفي، سحب القوامة من الرجل.

مجلة الأحوال الشخصية كانت بقرار سياسي من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ولم تكن بضغط قوي من الناشطين في الحركة النسوية أو مؤيديها

اقرأ/ي أيضًا: أهنئ كل اللواتي يحتفلن بعيد المرأة

لكن هذا التتويج كان بقرار سياسي من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ولم يكن بضغط قوي من الناشطين في الحركة النسوية أو مؤيديها.

وهكذا نفهم أو هكذا أفهمنا التاريخ أن الحركة النسوية في تونس كانت السلطة هي سندها الأساسي بالرغم من أنّ لكل واحد منهما حساباته داخل المجتمع، فالسلطة السياسية وبعيدًا عن قناعات الأفراد من السياسيين فإنها تعتبر قضايا المرأة وخاصة تلك المتعلقة بالحريات والتي تتماس وتتقاطع مع الدين والأخلاق الشرقية، من أوراقها الأساسية في الملعب السياسي التونسي والعربي والدولي، وفترة حكم بن علي كانت مثالًا على هذا التبني اللامشروط لقضايا المرأة لكنه في حقيقة الامر تبنّ سياسي مليء بالزيف.

 وفي الجهة المقابلة يدرك نشطاء الحركة النسوية هذه المسألة فيحاولون الاستفادة قدر الإمكان من هذه الحضوة وهذا التبني فيبدو المشهد منسجمًا وبديعًا لكن تسكنه هشاشة ما ويتجلى ذلك في ترجمة تلك الانتصارات القانونية والتشريعية في الواقع فنلاحظ أن قهر المرأة في مجتمع ذكوري بامتياز مازال حضوره قويًا ولافتًا وخاصة العنف المسلط ضد المرأة وعدم فسح المجال لها لتولي المناصب القيادية في الدولة.

فترة حكم بن علي كانت مثالًا على التبني اللامشروط لقضايا المرأة لكنه في حقيقة الأمر تبنّ سياسي مليء بالزيف

الآن ونحن في زمن الثورة وبعد غياب تلك "السلطة الداعمة" للحراك النسوي نلاحظ أن هناك خوفًا ما على المكاسب التي تحققت للمرأة على امتداد الحقب الفارطة، ومن ملامح هذا الخوف من العودة إلى الوراء النقاش الشديد الذي رافق قانون تجريم العنف ضدّ المرأة والذي صادق عليه مجلس نواب الشعب خلال السنة الفارطة وأيضًا الجدل الحاصل بخصوص بعض نقاط المقترحة من قبل لجنة الحريات الفردية والمساواة و المتعلقة بحرية المرأة.

فهل قدر "الحركة النسوية " في تونس أن تبحث لها عن أبوّة سياسية؟ أم حان الوقت لكي تتحرّر من هذه الروابط وأن تسند نفسها بنفسها من داخل فعلها؟ إذ يبدو أن حرب التأصيل للحركة النسوية طويلة الأمد في ظل مجتمع مازال مشدودًا بحبال الماضي ولا يريد لنفسه التحليق في سماء الحرية الواسع.

فقط التاريخ هو من سيجيب عن هذه الأسئلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النساء في الانتخابات البلدية.. "ما هي إلا امرأة"؟

يسرا فراوس: يجب تحرير الجسد بتونس وهذا موقفنا من أحكام الشريعة الخاصة بالنساء

الكلمات المفتاحية

القضاة المعفيون بلعيد.jpg

أين استقلال القضاء في تونس؟

لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام


المعارضة التونسية رابطة حقوق الإنسان

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟

"منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة.."


التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

مذكرات العمل التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية، والتي أقرّت منع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون.. قد خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد


مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

كان الصراع داخل اتحاد الشغل منذ ماي 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة

عمال شركة سانوفي يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس
مجتمع

عمال شركة "Sanofi" يقرّون إضرابًا إثر اعتزام الشركة إيقاف نشاطها بتونس

الاتحاد الجهوي للشغل بتونس يمدّد بقرار شركة "سانوفي أفانتيس تونس" (Sanofi) إيقاف نشاطها في تونس، وهو القرار الذي وصفته الهياكل النقابية بالتعسفي وغير المبرر اقتصاديًا

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس
مجتمع

هل تدق أمطار 2026 صفارة الإنذار؟ مختصّون يفكّكون أزمة التخطيط في تونس

رئيس غرفة الباعثين العقاريين لـ"الترا تونس": المشكل الأساسي يكمن في تفشي البناء العشوائي، الذي تمثّل نسبته 54% من البنايات المنجزة دون رخصة بناء.. وأصغر مثال تهيئة في تونس عمره 16 سنة


قصر صقانس المنستير متحف الحبيب بورقيبة
منوعات

قصر صقانس بالمنستير.. ذاكرة التحديث في تونس البورقيبية

قصر صقانس بالمنستير جاء تشييده في سياق الرؤية التحديثيّة التي كانت تسكن العقل السياسي للزعيم الحبيب بورقيبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من مكان. وقد حازت مدينة المنستير مسقط رأس الزعيم النصيب الأوفر من إنجازات المهندس المعماري "كاكوب".

تلوث البحر في تونس
مجتمع

حماية الشريط الساحلي: 1000 اعتداء على السواحل سنويًا و"الكوكو بيتش" غير قانونية

يشهد الشريط الساحلي في تونس "تصاعدًا في وتيرة التعديات، ما يهدد توازنه البيئي ويقوّض حق المواطنين في الولوج الحر إلى الشواطئ"، وفق وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي وقد تم "تسجل المصالح الرقابية نحو 1000 مخالفة سنويًا"، بحسب ما أفاد به مدير إدارة الملك العمومي البحري بالوكالة، محمد الأسعد الدوفاني

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

حوار | مستشار جبائي: المواطن يميل للاحتفاظ بـ"الكاش" والدفع الإلكتروني محدود


2
سیاسة

محاكمة أحمد صواب.. دعوات متجددة للإفراج عنه تزامنًا مع أولى جلسات الاستئناف


3
اقتصاد

البنك المركزي يُبقي على نسبة الفائدة دون تغيير.. ما التداعيات الممكنة؟


4
سیاسة

نقابيون معارضون: نسبة نجاح المؤتمر القادم لاتحاد الشغل ضعيفة جدًا


5
منوعات

صبري اللموشي: فخور بتدريب منتخب تونس وهذا أكبر تحدٍ لي