25-فبراير-2016

تونس الباهية (Getty)

 

مع اندلاع الشرارة الأولى للثورة التونسية عاشت النخب التونسية لحظة ارتباك كبيرة لم تستعد لها، فقد استطاع الشعب التونسي على اختلاف فئاته وتلوناته أن يرسم ويحدد مرحلة جديدة من تاريخ تونس بمعزل عن النخب. فجّر المنسيون والمهمشون الثورة من مناطق الداخل المحرومة، وأطاحوا عرش النخب المثقفة والسياسية بمناطق الرفاه. يبدو الصراع في جوهره طبقيًا، حيث الحرمان مقابل الرفاه، هكذا أعلن الثوار شعاراتهم: "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"، أو الشعار الرمز: "شغل، حرية، كرامة وطنية".

استطاع الشعب التونسي أن يحمل عن نخبه مسؤولية القرار التاريخي الذي أنهى المرحلة السياسية السابقة

يمكننا أن نطلق صفة الاجتماعي على الصراع فقد حمل في جوهره مطالب اجتماعية حين اندلاعه، لينقلب إلى صراع سياسي وصراع من أجل الحرية قبيل حسم المرحلة السياسية آنذاك، حين رفضت الجماهير الثائرة الخطاب الأخير لـ"بن علي" وجملة الإجراءات التي تم رصدها من أجل النهوض بمناطق الداخل المهمشة.

استطاع الشعب التونسي أن يحمل عن نخبه مسؤولية القرار التاريخي الذي أنهى المرحلة السياسية السابقة، ويحمّلها أيضًا مسؤولية الدخول إلى مرحلة جديدة قطعت مع الماضي وأنهت التزاماتها معه، فالشعب التونسي في بداية الحراك الثوري لعب دور النخب، أو جزءًا من أدوارها.

بعد سنوات من الثورة التونسية، عادت النخب إلى القطيعة التامة مع الشعب التونسي الذي يعود الفضل له للحديث والخوض في كلّ المسائل بحرية وشجاعة، فاختلط اليساري بالإسلامي والسلفي والليبرالي والأناركي لينتج خطابًا هجينًا ومشتتًا غير قادر على استيعاب الشعب وهمومه، كما كان الشعب قادرًا على استيعاب مفهوم النخبة والقيام بأدوارها في المرحلة السابقة، والإطاحة برأس النظام السابق، فكانت النخب التونسية معزولة عن الشعب تتعالى عنه ولا تلتصق به، وتضخم الخطاب النخبوي في حين تقلص الفعل بل اندثر وانعدم.

شهدنا حربًا كلامية بين نخبنا التونسية: حرب شعارات مفرغة واختلفت النخب بعد اتفاقها على المطلب الرئيسي للثورة التونسية "شغل حرية، كرامة وطنية"، ليصبح فيما بعد هل الإسلام هو الحلّ أم العلمانية؟ وتفرقت اهتمامات النخب إثر الانفجار الهوياتي المصطنع لتنقسم بين نخب تحاول أن تعود إلى مرحلة ما قبل 14 قرنًا، وأخرى تحاول أن تتجاوز الوعي الشعبي وتستورد وتسقط المفاهيم الغربية في الفكر والوعي، دون أن تعمل أساسًا على النهوض بوعي شعوبها الأصلية، فأصبحت تنتمي إلى شعوب ما وراء البحار أكثر من الشعب الذي تشاركه الأرض والسماء.

ما زال الشعب التونسي يقدّم الدروس للنخب التونسية في محاولات حثيثة لاستعادة اللحظة التاريخية

التصورات الاجتماعية لهذه الأطراف لم تكن محلية في يوم من الأيام، ولم تنبع من شعبها، فما الحلّ للخروج من أزمة ما بعد الثورة وإنتاج بدائل جديدة لواقع جديد لا يمكن حسمه بقراءة واحدة؟ سؤال لم تطرحه النخب التونسية ولا تحاول أن تطرحه ليقتصر دورها على إشعال الحرب الهوياتية المصطنعة، التي لم تعد رائجة اليوم بعد التحالف الذي ضمّ بين النداء والنهضة، ليجهز على بعض المقتاتين من هذا الصراع بين شق محافظ وآخر أكثر محافظة.
 
في المقابل ما زال الشعب التونسي يقدّم الدروس للنخب التونسية في محاولات حثيثة لاستعادة اللحظة التاريخية، وإعادة كتابة التاريخ بعيدًا عن فزاعة داعش وخلايا الإرهاب النائمة ومحاولات الطعن في وعيه ومسؤوليته. فهل يستعيد زمام المبادرة خاصةً وأنّ تشكلات النظام القديم بدأت تظهر وتطغى على المشهد السياسي والإعلامي والأمني؟ وهل يطلق موجة ثورية ثانية تطيح بهذا المشهد الهجين، وهذه الطبقة السياسية المترهلة، وتصلح الأخطاء التي وقعت فيها الموجة الثورية الأولى؟