24-مايو-2017

احتجاجات تونسية ضد "المصالحة مع الفاسدين" (سفيان حمداوي/ أ.ف.ب)

مقال رأي 

 

حينما عرضت هيئة الحقيقة والكرامة في تونس مؤخرًا، شهادة صهر الرئيس المخلوع بن علي، وأحد أكثر رجال الأعمال فسادًا زمن الاستبداد، عماد الطرابلسي، ضمن جلسة استماع علنية مخصّصة لموضوع الفساد المالي، لم يكتشف التونسيون فقط مدى استفحال أخطبوط الفساد في مجال الأعمال، بل تعرفوا على كيفية عمل منظومة الفساد نفسها.

تفكيك منظومة الفساد أحد أهم أهداف العدالة الانتقالية في تونس، وشرط لإخراج البلاد من أزمتها

ولذلك يمثل تفكيك هذه المنظومة أحد أهداف العدالة الانتقالية، وشرطًا لتوفير مناخ اقتصادي صحّي وجاذب للاستثمار، يُخرج البلاد من أزمتها، وهي أزمة منبتها الأساسي تركة فساد عقود أنهك الاقتصاد ونهب مقدرات التونسيين.

لقد كشفت شهادة عماد الطرابلسي كيفية عمل منظومة الفساد، بخاصة في جهاز الجمارك، الذي يمثل أكبر بؤر الفساد في تونس، إذ يُسيطر هذا الجهاز على المنافذ البحرية والبرية للتجارة. وبين كيف تورط موظفي الدولة في مافيا الفساد، لتمثل الشهادة ضربة لمشروع قانون المصالحة الذي قدمه رئيس الجمهورية، والهادف للعفو عن موظفي الدولة المتورطين في الفساد المالي.

أكد عماد الطرابلسي ما هو معلوم اليوم بخصوص استمرار تغلغل منظومة الفساد في مختلف القطاعات، وبنفس الأدوات القديمة، وذلك مع تواصل تحالف المال الفاسد مع السلطة السياسية في انتقال ديمقراطي هشّ. حيث تعمل حاليًا منظومة الفساد على حماية نفسها ومقاومة أي محاولات لكشفها وتفكيكها ومساءلة المتورطين فيها.

الكرة الآن في ملعب الحكومة، وأن تصدق التزامها بمكافحة الفساد من خلال الدخول الفعلي في معركة الحسم، والتي بقدر ما هي مكلفة وموجعة، فإنها لازمة ولا غنى عنها، فإن ما كان جديًا "إعلان الحرب ضد الفساد"، فيجب أن تخوض الدولة حربها من منطلق انخراطها في مسار العدالة الانتقالية الذي يمثل فرصة جوهرية لها تساعدها على مكافحة الفساد، وهي فرصة لا يعني تفويتها إلا تفويت فرصة تاريخية على التونسيين للإجهاز على هذا السرطان.

تؤكد جميع المؤشرات أن لا إرادة سياسية حقيقية للقضاء على الفساد، ودليل ذلك قانون المصالحة الاقتصادية

غير أن جميع المؤشرات تؤكد أنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية للقضاء على الفساد، ذلك أن المنظومة السرطانية تتمتع اليوم بنفوذ واسع داخل السلطة. فما مشروع المصالحة الاقتصادية المقدّم من رئيس الجمهورية إلا مثالًا لمدى انخراط رأس السلطة نفسها في حماية الفاسدين وتكريس الإفلات من العقاب.

إن تفكيك منظومة الفساد هي أم المعارك التي يجب أن يخوضها التونسيون صفًا واحدًا من أجل إنقاذ البلاد من هذا الوحش الذي نهب مقدرات التونسيين لعقود. ويظل النصر في معركة مكافحة الفساد رهين تفكيك هذه المنظومة، وكشف الشبكات المافيوزية المتخفيّة والمرتبطة بها.

في النهاية، ما لم يقع تفكيك منظومة الفساد في تونس، فإن الانتعاشة الاقتصادية ستظل مُؤجلة، كما ستظل الديمقراطية الناشئة مهددة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"