فيلم

فيلم "بنت القمرة".. عن نساء تحدين المرض وواجهن مجتمعًا لا يرحم

2 مشاهدة
العرض الأول للفيلم كان يوم 5 نوفمبر 2018 بالعاصمة تونس

"علاش أنا؟".. هو سؤال قد نطرحه على أنفسنا مرارًا وتكرارًا كلّما واجهنا صعوبة أو مشكلة عجزنا عن حلّها أو فهمها وإدراكها، ولكن بعضنا قد يطرح هذا السؤال على نفسه يوميًا وهو ينظر إلى وجهه في المرآة أو يراقب شقيقته وهي تغادر نهارًا دون الخوف من أشعة الشمس.

هذا السؤال طُرح أكثر من مرة في حوالي 60 دقيقة حاولت اختزال مسيرة ثلاث بطلات حقيقيات، يواجهن مرضًا يحرمهن الحياة تحت الشمس ويجبرهن على الاختباء من أشعتها ويتحكم في أوقات مغادرتهن منازلهن، ويحاربن نظرات مجتمع قاس لا يرحم من يبدو له مختلفًا عن السائد.

آية... طفلة تحلم أن تكون فراشة تحلق إلى أماكن لا تبزغ فيها الشمس

اقرأ/ي أيضًا: انتصرن على السرطان.. حديث عائدات من المرض "الخبيث"

آية، لمياء وسهام هن بطلات الفيلم الوثائقي الطويل "بنت القمرة" من إخراج هبة الذوادي وإنتاج ندى المازني حفيظ، وهو حلم راود الذوادي واستغرق تحقيقه 6 سنوات حاولت عبره المخرجة تسليط الضوء على "أطفال القمر"، وهم أطفال وشبان في عمر الزهور يعانون من مرض جفاف الجلد المصطبغ أو الـ"زيروديرما"، والذي يعرف بمرض أطفال القمر، وينتج عن فقدان حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين لخاصيته في معالجة الطفرات الناتجة من اختراق الأشعة فوق البنفسجية مما يتسبب في احتراق الجلد وتقرّحه التام ومن ثمة الإصابة الحتمية بالسرطان.

وقد نجحت هبة الذوادي في فيلمها "بنت القمرة"، الذي عرض يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، في قاعة الـ"abc" في العاصمة تونس، ضمن فعاليات الدورة 29 لأيام قرطاج السينمائية، في تعرية نظرة المجتمع القاسية لأطفال القمر عبر قصص 3 فتيات تابعتهن الكاميرا ونقلت للمشاهد زوايا مختلفة من حياتهن وأجبرته على البكاء لما أحزنهن والضحك أمام ابتساماتهن وقوتهن وقدرتهن على الصمود في وجه مرض قد يغيّر ملامح وجوههن ولكنه من دون أن يدري جعل من كلّ واحدة منهن قمرًا مضيئًا يطلّ في ليلة ظلماء.

آية، طفلة تحلم بالركض واللعب تحت أشعة الشمس، صحبة أصدقائها في مقاعد الدراسة، لها ابتسامة تربك من ينظر إليها وقلب ينصع بياضًا، فهي تقول إنها لا تكره الشمس ولكنها تقترب منها، عبارة لخّصت براءة فراشة تريد أن ترفرف بجناحيها نحو أماكن لا تبزغ فيها الشمس حتى تتحرّك كما يحلو لها، دون خوف من التعرّض لأشعة الشمس ودون ارتداء لباس خاص يقيها من الأشعة فوق البنفسجية.

آية طالما تساءلت عن سبب إصابتها هي بالمرض وأسباب اختلافها عن بقية الأطفال، كانت تشعر أنها ليست جميلة دون أن تدرك ربما أنها تشعّ جمالًا نادرًا، قبل أن تقدر على أن تسلم بالأمر الواقع وتتعايش مع مرضها الذي يمنعها من الركض في ساحات المدرسة مع أترابها، ويجبرها على الاختباء في الزوايا المظلمة للبيت خلال النهار.

لمياء.. أنثى تحلم بالحب وتتساءل "علاش أنا"

اقرأ/ي أيضًا: بحثًا عن لعب لابنه: تونسي يخترع ألعابًا تساعد أطفال التوحد

أما لمياء، فهي شابة جميلة وأنيقة، نجحت رغم كلّ التحديات في نيل رسالة ماجستير في علم الجينات النباتية بتفوق، وأنثى تتحدى النظرات الساخرة من اختلافها وتعاني، كبقية بنات جنسها، من لحظات انكسار وقوة.

لمياء، التي احتفلت بعيد ميلادها الـ25، متجاوزة بذلك معدل أعمار أطفال القمر الذي يتراوح بين 22 و23 عامًا، تعيش كلّ يوم بيومه دون أن تفكر في الغد وما سيحمله، وتشعر أنها عصفور في قفص لا يستطيع مغادرته إلا في ساعات محددة.

تحلم لمياء بالحب وتريد أن تكون حبيبة وزوجة وأمًا، ولكنها تعيش في مجتمع يبرع أفراده في زرع جراح يصعب اندمالها خصوصًا مع من يختلف عنهم، فهذه الأنثى التي تحمل قلبًا رقيقًا وثقت لمدة 4 سنوات بشخص لم يترك حين غادرها إلا عبارة "أنت جميلة وجذابة لكنك لا تصلحين للزواج"، ليعود مرة أخرى سؤال "علاش أنا" عبر ثغر لمياء التي حاولت مغالبة رغبتها في البكاء.

سهام.. فنانة تؤمن أنها لا تختلف عن الآخرين

ولئن تشابهت قصتا آية ولمياء، فحكاية سهام لا تختلف كثيرًا عنهما ولكن ما يميزها هو سهام نفسها، فهذه المرأة الجميلة لديها قدرة خارقة على نقل موجات من الطاقة الإيجابية لكلّ من يحيط بها وعينان تشعان تحديًا لكلّ الصعوبات التي قد تواجهها.

سهام لا ترى أنها مختلفة عن الآخرين ورغم ما تمثله الشمس من خطر بالنسبة إليها، فقد أمضت يومًا كاملًا في البحر تحت أشعتها لتثبت أنها غير مختلفة، كما أنها تحدت كلّ من قال إنها عاجزة عن الدراسة لأنها مريضة، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة وهي اليوم تعمل في وزارة الصحة.

سهام فنانة مبدعة اختارت الرسم لتعبّر عن كلّ ما يختلج صدرها من مشاعر وأحاسيس وتلجأ إلى لوحاتها وألوانها الزيتيىة كلّما شعرت بالغضب أو الحزن أو الفرح، وهي تشارك كمتطوعة في المعارض لتقدّم أعمالها الفنية، وهي كذلك أنثى قوية لا تعنيها بتاتًا النظرات التي تلاحقها في الشوارع من قبل أفراد تجرّعوا نبذ الاختلاف والسخرية منه منذ نعومة أظافرهم.

"بنت القمرة" فيلم أتقنت خلاله هبة الذوادي نقل مشاعر عجزت الكلمات عن وصفها، فبكى الجمهور أحيانًا وضحك في أحيان أخرى وتأثر في كثير من اللحظات، وفتحت الأعين على معاناة يعيشها حوالي 1000 طفل في تونس، وذلك رغم بعض الهنات التقنية على غرار وجود لحظات طويلة من الصمت لم تكن مبررة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حينما ننتصر إرادة التحدي.. قصة شاب يعاني "الديسلكسيا" يجتاز الباكالوريا بنجاح

من الكابتن ماجد إلى "الأيباد": كيف أصبح الطفل وحيدًا؟