عندما يفنى كل شيء تبقى المدرسة..

عندما يفنى كل شيء تبقى المدرسة..

368 مشاهدة
هل يدرك التونسي ما يحيط بمدرسته من مخاطر؟ (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

في مفتتح العام الدّراسي ولكي يجلس تلميذ وحيد على مقعده بالمدرسة لابدّ للمجتمع بأسره أن يتحرّك، وهذه الحركة ليست فيزيائيّة بقدر ما هي قيميّة ورمزية تدل على أهمية التّمدرس في العقل المجتمعيّ وأهمية المعنى الذي تقدمه المدرسة للإنسان.

هذه الأيام ونحن على عتبات عودة مدرسية يبدو أنّ المجتمع التونسي قد تخفّف من أعباء الصيف وبدأ رحلة أخرى لا تخلو من جهد وضنى. إنها رحلة التربية والتعليم التي يقطعها الشعب التونسي منذ عشرات السنين بلا هوادة ودونما كلل أو ملل، رحلة تلقّي العلم والمعرفة، ورحلة صناعة العقول وكذا رحلة التحضر والرقيّ.

 يبدو أن الاعتقاد في رمزية المدرسة ودورها في نحت الكيان قد اهترأ وتآكل من دون أن ننتبه ومن دون أن نحرك ساكنًا ومن دون أدنى درجات الوعي

تولّد هذا السلوك المجتمعي إبان انبعاث الدولة الحديثة أو دولة الاستقلال حينما كانت المدرسة كمفهوم وكقيمة وكصنو للتّحضر والرّقي رهانًا استراتيجيًا، وهو ما بقي متوارثًا الى حدّ هذه اللّحظة على اعتبار أنّ المدرسة هي مصدر القيم المجتمعية. والقيم هي ليست من طينة المعارف والعلوم التي تكتسب من خلال الدروس التي توفرها المدرسة، وإنما هي تلك المعاني والأفكار المستخلصة من الدروس والمحاور المدرجة في برامج المواد التعليمية. أيضًا وإلى حد قريب، يعتبر التونسيون المدرسة هي المصعد الاجتماعي الأوحد، عبرها يحلم الفرد ليغير من مستواه وطبقته الاجتماعية ويحقق أحيانًا ما لم تستطعه أجيال من عائلته.

هذا الاعتقاد في رمزية المدرسة ودورها في نحت الكيان يبدو أنه اهترأ وتآكل من دون أن ننتبه ومن دون أن نحرك ساكنًا ومن دون أدنى درجات الوعي بأنّ تغيرات ما قد حصلت داخل المجتمع سببها الأساسي هو "العولمة الناعمة" والدعوة لنمذجة الحياة وحرمان الإنسان من خصوصياته وتفاصيله الثقافية وتصوراته المخصوصة لمجتمعه. ومن علامات هذه التغيرات، نجد أن التربية والتعليم لم تعد من أولويات السياسيين كما في بدايات الاستقلال بل باتت معادلة صعبة يتدخل فيها المانح الأجنبي سواء أكان دولًا صديقة وشقيقة أو مؤسسات بنكية دولية تأتمر بإمرة المتنفذين الدوليين والدول العظمى.

اقرأ/ي أيضًا: الإصلاح التربوي.. أولوية قصوى مؤجلة

ومن تجليات تلك التغيرات، نجد أنّ العنف بات يهدّد المدرسة والفاعلين التربويين فيها، وتوصف الأرقام المسجلة في تونس بخصوص هذا النوع من العنف المستجد بأنها مفزعة وتهدد السلم المدرسي. كما أصبح أيضًا عدم تكافؤ الفرص بين المتمدرسين جليّا للعيان، فمدارس الجهات والأرياف لا تشبه مدارس المدن في كل شيء. كما نجد أن فائض الذكاء المكتسب من التّعلم قد تراجع وهو ما أدّى إلى تقهقر ترتيب تونس العالمي في مجال التربية والتعليم وهذ التقهقر له تأثيرات على كل المجالات وخاصة الاقتصادية منها.

تغيّر تقريبًا المشهد تمامًا، ولم تعد المدرسة لوحدها تجيب على أسئلة المجتمع وأسئلة الفرد. لقد أصبح هناك فاعلون آخرون ينافسون المدرسة على تصدير معني الحياة إلى المجتمع على غرار شبكة الأنترنت التي يشبهها عالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل كاستلز بـ"المدرسة الافتراضية " التي تنتج مجموعة من القيم تختلف عن قيم المدرسة الكلاسيكية.

صلاح منظومة التربية والتعليم في تونس بات ضرورة ملحّة لا محيد عنها أكثر من أي وقت مضى حتى تبقى المدرسة مصعدًا اجتماعيًا

وبالتالي، فإن إصلاح منظومة التربية والتعليم في تونس بات ضرورة ملحّة لا محيد عنها أكثر من أي وقت مضى حتى تبقى المدرسة مصعدًا اجتماعيًا يغير من خلالها التونسي واقعه وظروفه. لكن هذا الإصلاح لا بدّ من النأي به عن التجاذب السياسي وتشريك أكثر قدر ممكن من الخبراء والمختصين والاستئناس بتجارب الدول المتقدمة في هذا المجال حتى تحافظ المدرسة على مكانتها العلية كمصدر للقيم المجتمعية.

وختامًا السؤال الذي يطرح نفسه هنا وبإلحاح هو: هل أن التونسي المنشغل هذه الأيام بالعودة المدرسية يدرك ما يحيط بمدرسته من مخاطر وتغيرات ومؤامرات؟ لا أعتقد ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ذكريات مفخّخة.. عن الجامعة وصديقي الذي فجّر نفسه

صخب انتحار الأطفال في تونس..