"ثورة دون كيشوت": ثالوث المال والسياسة والإعلام.. وثنائية العقل والجنون

493 مشاهدة
"ثورة دون كيشوت" تنقد أصحاب المال والنفوذ والإعلاميين ممن انخرطوا في منظومة الفساد

المسرح باعتباره نظامًا نقديًا، يعرّي النظم السياسية والاجتماعية، يستمدّ منها تفاصيله ويحاكيها، يلتحم بها حتى يفكّكها ويعرضها في صورة مضحكة أو مبكية أو كليهما معًا.

ومسرحية " ثورة دون كيشوت"، للمخرج وليد الدغسني لم تحد عن هذا النهج، نقدت الواقع التونسي ببعديه السياسي والاجتماعي، فكّكت العلاقة بين ثالوث الإعلام والسياسة والمال، واستلهمت من رواية "دون كيشوت" حالة الجنون التي لازمت بطلها.

بين الولادة والموت حياة من العبث

القتامة توشّح المكان، وأنين متقطّع يخترق ثنايا الصمت، وأنفاس تتصاعد مسرعة والأنين يعلو حتى يصبح صراخًا، وفي قلب السواد امرأة فاجأها المخاض، تصرخ وتصرخ حتّى تتلاشى العتمة، وتظهر الأضواء في الأفق، معلنة نهاية المشهد الأول من المسرحية.

هي لحظات الولادة، نخرج فيها من بطون أمهاتنا لنتفحّص نور الكون من حولنا، ونضيء الركن المظلم في منزل آبائنا، لحظة مجيئنا إلى هذه الحياة فاصلة في حياتنا وفي حياة المحيطين بنا، نحن بعض من كم التغيّرات التي تملأ الكون، نغيّر ونتغيّر وتستمر رحلة الحياة.

بين الولادة والموت حياة من العبث يلتقي أبطال مسرحية "ثورة دون كيشوت" في نقاط كثيرة ويتنافرون في نقاط أخرى

والولادة يقابلها في الضفة الأخرى الموت، موت صوّرته المسرحية في شكل قبور تحمل في أحشائها أفرادًا مختلفين ولكنّها تتشابه كثيرا في مظهرها، المقبرة نهاية المطاف، نهايتنا التي تربك الكل حاكمًا ومحكومًا.

وبين الولادة والموت حياة من العبث، يلتقي أبطالها في نقاط كثيرة ويتنافرون في نقاط أخرى، العبث في المسرحية يتجسّد في تلك العربة المنتصبة في منتصف الركح، هي ليست مجرّد عربة قد تكون مسارًا أو ثورة، هي اختزال لحياة كاملة، في قلب تلك العربة امرأة ورجل، هما قطبا المجتمع.

التعب يعشّش في ثنايا وجهيهما وفي عيونهما سكن الجوع، هما يبحثان عن بقايا يسدّان بها رمقهما، تمامًا مثلما يبحث ناشدي الحرية والكرامة عن مرادهم في كومات الفساد التي أكلت الثورة.

مسرحية  "ثورة دون كيشوت" ترجمة لبيئة اجتماعية وسياسية متشعّبة ومتشابكة تملؤها التناقضات

لا معنى للأسماء إذا غاب الإنسان

وإن كانت مسرحية " ثورة دون كيشوت" حبلى بالدلالات والمقاصد، فإنّ الأسماء غابت عنها، رجال ونساء بلا أسماء، كائنات في مدينة يلفّها الغموض، تقتات النفايات وتمدّ أياديها الملطّخة بالأوساخ إلى وجه الدولة فتحدث فيه خطوطًا سوداء. هي ترجمة لبيئة اجتماعية وسياسية متشعّبة ومتشابكة تملأها التناقضات، هي هواجس وأفكار عميقة لا يمكن توصيفها ولا تسميتها فالأوصاف والأسماء تقتل أحيانًا معاني الأشياء وعمقها.

وربّما اختار المخرج أن يكون أبطال المسرحية بلا أسماء، دلالة على أنّ رحم الفساد يسع الكثير والكثير من الأفراد فلماذا نسميّهم إذًا، وقد يختفي اليوم أحدهم ليخلق آخر وتستمر دورة الإفساد في الوطن.

أماني بلعج ويحيى فايدي ومنى تلمودي وناجي قنواتي ومنير العماري، أسماء لممثلين مسرحييّن أدوا أدوار شخصيات بلا أسماء، ولكنّها شخصيات تنقلك من عالم المال إلى عالم السياسة فالإعلام، وتزج بك في أتون فوضى القيم والمبادئ.

المال والإعلام والسياسة.. الثالوث "المرعب"

العربة منتصبة في قلب ركح مسرح الجهات بمدينة الثقافة، حيث يحتفي بيت الرواية بتظاهرة "دون كيشوت في المدينة: ضرورة الحلم"، المقاومة مازالت قائمة، ولكن الأوساخ ورائحتها التي تزكم الأنوف وأثرها على الأجساد هنا أيضًا، تتمدّد وتنبت لها جذور في عمق الوطن، يغذّيها الإعلام والسياسة والمال، هذا الثالوث المرعب الذي يجعل الكل هائمًا إذا ما سٌير دونما ضوابط أو أخلاقيات.

مسرحية "ثورة دون كيشوت" تنقد أصحاب المال والنفوذ والإعلاميين ممن انخرطوا في منظومة الفساد واشتروا "الضلالة" بـ"الهدى"

والمسرحية تنقد أصحاب المال والنفوذ والإعلاميين ممن انخرطوا في منظومة الفساد واشتروا "الضلالة" بـ"الهدى"، فكانوا أياد عابثة بالواقع الجماعي، قتّلوا وشرّدوا وخرّبوا وتلاعبوا بالعقول وشغلوا الناس عن أمهات القضايا وأُفرغت العربة من محتواها.

الأزمة السياسة التي تأبى أن تنزاح من أفق تونس، منظومة القيم البالية، العدالة العرجاء، عناوين لمشاهد من المسرحية، التي أسقطت ورقة التوت عن عورة واقعنا، واقع يستغل فيه السياسي نفوذه ليغطي على جريمة اغتصابه لفتاة قاصر، نفس الواقع تستدرج فيه القاصر المغتصبة إلى صراع "البارونات" ويكون الإعلام أداة ابتزاز في يدها، نفس الواقع الذي تباع فيه الذمم بثمن بخس.

ثنائية العقل والجنون

"ثورة دون كيشوت" مسرحية حمالة تناقضات فبين النور والعتمة انتقلت الشخصيات وتأرجحت بين الخير والشر، وبين الصدق والكذب تمزّقت الخطابات، وتاهت القيم بين الزيف والحقيقة والجهل والعلم.

وفي المسرحية، أثار الممثلون العلاقة بين السلطة والشعب والعلاقة بين الأمن والإرهاب من ناحية، وتعاطي الإعلام والظاهرة الإرهابية من ناحية أخرى.

وتبقى الثنائية الطاغية على المسرحية ثنائية العقل والجنون، إذ لا يمكنك أن تحدّد إن كانت الشخوص عاقلة أو مجنونة، ذلك الانتقال بين الحالات النفسية والذهنية، تلك القفزات في الزمان والمكان كلّها مؤشرات على حالة من عدم الاستقرار التي ترجمها الممثلون إلى مشاهد نقلت الصراع بين شعب يحاول أن يحافظ على بصيص الأمل، وسلطة ابتلعت كل الأمل، وبينهما إعلام فقد عينيه في الطريق إلى "الحقيقة" التي ماتت على أيدي الساسة.

​ ​

"ثورة دون كيشوت"، كوميديا سوداء راوح فيها النص بين الجدّ والسخرية

بين الجدّ والسخرية.. ثورة تحتضر

"ثورة دون كيشوت"، كوميديا سوداء، راوح فيها النص بين الجدّ والسخرية، سخرية جعل من الواقع المرعب مدعاة للضحك، ضحك حدّ البكاء.

ولو لم تكن المسرحية ساخرة، لما كان بإمكان الجمهور أن يتحمّل كل ذلك الكم من المعاناة والصراع اليومي في رحلة بحث الإنسان عن نفسه وعن فضاء يمارس فيه إنسانيته بعيدًا عن الفساد والمفسدين.

مخرج مسرحية "ثورة دون كيشوت" لـ"الترا تونس": نحن نتساءل هل دون كيشوت في المسرحية هو الثورة أم أن الثورة التونسية هي الدونكيشوتية؟

وليس من السهل أن ترى وطنك ممزقًا إلى أشلاء، ولكنّه يبث فيك القوة لتنهض، لتقاوم من اجلك ومن أجله، كم هو عميق ذلك المشهد من المسرحية الذي يصور تونس برموزها ودلالاتها العميقة وهي تشحذ همم مقعد لينهض ويسير في سبيل الحياة في سبيلها، تونس اليوم تحتاج كل نفس حر فيها لتستعيد بريقها.

هل دونكيشوت هو الثورة أم أن الثورة هي الدونكيشوتية؟

وفي تصريح لـ"الترا تونس"، يقول وليد الدغسني مخرج مسرحية "ثورة دون كيشوت"، "عندما تقرأ رواية دون كيشوت تحس أن الكاتب الإسباني دي سرفنتاس كتبها اليوم، هي تتحدّث عمّن يحاربون طواحين الريح معتقدين أنها العدو".

ويضيف: "ومن هنا ندخل في حالة وهم فلا نعرف من هو العدو الحقيقي، ونحن نتساءل هل دون كيشوت في المسرحية هو الثورة أم أن الثورة التونسية هي الدونكيشوتية". ويتابع: "الدونكيشوتية هي أي فعل في العالم دون جدوى وربّما نحن أيضا حاولنا في تونس ولكن يبدو أننا نحارب طواحين الهواء، وفي المسرحية حاولنا أن نشتغل على هذه المفارقة بأسلوب بسيط جسده ممثلون ممتازون".

 

اقرأ/ي أيضًا:

ندوة "دون كيشوت في المدينة".. أحلام على أجنحة الكيخوتة

أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر.. العائلة التشكيلية تنهض من تحت الرماد