تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. إشكالية الدين والدولة المدنية

تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.. إشكالية الدين والدولة المدنية

4565 مشاهدة
تسلم رئيس الجمهورية تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة نهاية الأسبوع الفارط

نشرت لجنة الحقوق والحريات الفردية والمساواة، الثلاثاء 12 جوان/ حزيران 2018، تقريرها النهائي بعد تقديمه لرئيس الجمهورية نهاية الأسبوع الفارط.

اقرأ/ي أيضًا: من بينها إلغاء تجريم المثلية: أهم ما جاء في تقرير لجنة الحريات الفردية

لجنة الحريات الفردية والمساواة التي أعلن عن تكوينها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي يوم 13 أوت/ آب 2017 وكلّفها بإعداد تقرير عن الإصلاحات التشريعية المتعلقة والمساواة وفقًا لدستور 2014 والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، توصلت بعد أشهر من أشغال متواصلة ولقاءات مع منظمات من المجتمع المدني ورجال دين من جامعة الزيتونة، إلى صيغة نهائية أثارت جدلًا واسعًا وحبرًا كثيرًا رغم مرور ساعات قليلة عن كشف فحوى التقرير.

الخطوة التي أعلن عنها قائد السبسي بمناسبة الذكرى الواحدة والستين لصدور مجلة الأحوال الشخصية، والتي دفعت بالكثيرين إلى الاعتقاد أن رئيس الدولة الحالي أراد أن يثبت من خلالها تمسكه بالمنهج البورقيبي والتقرب من الناخبات التونسيات اللواتي حمّلنه العديد منهنّ ذنب التحالف مع حليفه اللدود حركة النهضة خصوصًا مع اقتراب شبح استحقاق 2019 الانتخابي، جاءت في ظلّ ممارسات دائما ما تثير حفيظة الحقوقيين.

ولعلّ من أبرز هذه الممارسات الفحص الشرجي الذي يتعرّض له كلّ من يشتبه في كونه مثليًا جنسيًا بسبب لباسه أو طريقة حديثه أو تصرّفاته، ولعلّ ما يزيد من خطورة هذه الممارسات أنها مسنودة بنصوص قانونية تتضمنها المجلة الجزائية التي تمّ إصدارها عام 1913، أي منذ عقود خلت.

المجلة الجزائية تتضمن كذلك فصولًا عديدة من شأنها الاعتداء مباشرة على حقوق المواطنين وحرياتهم الفردية وتسمح للسلطات بمداهمة المنازل واعتقال حبيبين إذا لم يجمعهما عقد زواج رغم بلوغهما سن النضج، وتسمح بتكييف تبادل قبلة في مكان عام من قبيل التجاهر بما ينافي الحياء، وغيرها من الفصول التي تحمل أكثر من تأويل "محافظ" قد يعرّض "مرتكبه" لعقوبات زجرية تصل حدّ السجن.

رئيس الجمهورية ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اقترح المساواة التامة بين المرأة والرجل بما فيها المساواة في الميراث وقضية زواج المرأة التونسية من غير المسلم، وهما مسألتان أثارتا منذ طرحهما جدلًا هائلًا وصلت امتداداته إلى دول عربية وانتقدته الفئات المحافظة التي يتهمها خصومها بسعيها للظهور كـ"حماة المعبد"، سواء كان ذلك داخل تونس أو في دول عربية على غرار مصر.

وجدت لجنة الحريات الفردية والمساواة  نفسها أمام تحدّ صعب للتوصل إلى تقرير يتقبله المجتمع التونسي المحافظ في غالبيته

وفي ظلّ كلّ هذه الظروف، والتوافق السياسي بين الشيخين – رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي -، وجدت اللجنة نفسها أمام تحدّ صعب للتوصل إلى تقرير يتقبله المجتمع التونسي المحافظ في غالبيته ولكنه يرضي تطلعات وطموحات النخبة الحداثية التقدمية التي تطالب منذ سنوات بتفعيل المساواة التامة بين المرأة والرجل وتحمل لواء الدفاع عن الحريات الفردية.

ورغم أن مسألة الحريات الفردية والمساواة لم تكن من المواضيع المطروحة بقوة قبل الثورة التونسية، نظرًا لعدة ظروف أهمها الاستبداد الذي كان يعمّ البلاد والذي جعل مسألة الحريات العامة والديمقراطية من أولويات الأحزاب السياسية ومختلف المنظمات المدنية، إلا أنها برزت بعد الثورة خصوصًا خلال صياغة الدستور في المجلس الوطني التأسيسي وصعود صراع الهوية التونسية.

وقد شكلت هذه المسائل محلّ نقاشات طويلة وصراعات انتهت بصياغة دستور جانفي/ كانون الثاني 2014 الذي لا يمكن القول إنه دستور لائكي، ولكنه يتضمن فصولًا وموادًا يمكن اعتبارها قفزة هامة على مستوى الحقوق والحريات ومن بينها حرية الضمير وحرية المعتقد والمساواة.

ولئن لم يرد لفظ "الإسلام" في الدستور إلا مرتين، إلا أن الكثيرين يوجهون له سهام الانتقاد باعتباره يتضمن فصولًا تتحمّل أكثر من تأويل ويمكن استغلال بعض الفصول الواردة فيه للحدّ من حق أو حرية ما خاصة من خلال استعمال المس بالمقدسات، لمنع نشر عمل فني على سبيل المثال، وهو ما يطرح مسألة إشكالية الدين والدولة المدنية والعلاقة بينهما.

في المقابل، يُعتبر الفصل 49 منه فصلًا "ثوريًا"، ولا يوجد إلا في عدد قليل من الدساتير، ومن شأنه حماية الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور.

وينصّ هذا الفصل على أنه "يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أوالصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك. لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور".

وعلى الرغم من أهمية هذا الفصل، تبقى إشكالية الدين والدولة المدنية قائمة في ظلّ عدم تعديل التشريعات التونسية القديمة التي مازالت السلط تعمل وفقًا لمقتضياتها مع أنها تخالف بشكل واضح روح دستور 2014، وفق ما تشير الجمعيات الحقوقية.

ولا يعدّ ما جاء من نصوص مذكورة في المجلة الجزائية إلا مثالًا بسيطًا عمّا تتضمنه التشريعات التونسية من "تعاليم مخالفة للدستور"، ولا يقتصر وجود مثل هذه النصوص القانونية في المجلة الجزائية رغم "الشهرة" التي تحظى بها هذه الأخيرة، فمجلة الأحوال الشخصية التي كانت خطوة ثورية في خمسينيات القرن الماضي أصبحت اليوم تتضمن نصوصًا تحط من قيمة المرأة التونسية وتهينها في أحيان كثيرة وفق توصيف عديد الحقوقيين.

تعرّض أحد أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة إلى التكفير من قبل بعض مشايخ الزيتونة

اقرأ/ي أيضًا: الجورشي لـ"الترا تونس": يجب أن تتكامل الشريعة مع مبادئ حقوق الإنسان

كلّ هذه المواضيع حاولت لجنة الحريات الفردية والمساواة التطرّق إليها بعد جرد القوانين المخالفة لروح الدستور والخروج بمقترحات لا تستفز المحافظين وتجعلهم ينفرون منها ويرفضونها، وفق تصريحات أعضاء في اللجنة.

بل ذهبت اللجنة إلى أبعد من ذلك عندما حاولت مخاطبة هذه الفئة عندما تحدثت في مقدمة تقريرها عن مقاربة اجتماعية ودينية، وذلك في محاولة واضحة لخطب ودّ المحافظين الذين سيمثلون معارضة شرسة أمام هذا المشروع "الإصلاحي" خاصة أن حججهم تعتمد بشكل كبير على الشريعة الإسلامية ولها القدرة على استقطاب شرائح واسعة من المجتمع التونسي المحافظ بطبعه.

ورغم الجهود التي قامت بها اللجنة في هذا السياق، فقد واجهت معارضة ورفضًا من قبل مشايخ الزيتونة الذين وصل الأمر ببعضهم إلى تكفير أحد أعضاء اللجنة خلال اجتماع بين الطرفين وفق ما كشفته مصادر مطلعة لـ"الترا تونس".

وفي المقابل، وجدت لجنة الحريات الفردية والمساواة نفسها أمام انتقادات ونيران صديقة من عدد من المدافعين عن مبادئ وقيم الحداثة والتقدمية، والذين رأوا في هذا التقرير "مهادنة وتطبيعًا مع قبول الدين كعامل فاعل في دولة يفترض أن قوانينها مدنية" وتكريسًا لسياسة التوافق التي تعيش على وقعها البلاد منذ انتخابات 2014.

وبالنسبة لهذه الفئة، جاء التقرير مخيبًا للآمال في بعض نقاطه، عندما ترك على سبيل المثال المجال لصاحب التركة في تقسيم ثروته على أبنائه (أي للذكر مثل حظ الأنثيين) كما هو القانون الحالي، أو تعويض قوانين التجاهر بما ينافي الحياء بتجريم كشف العورة أو تجريم الزواج المبرم خلافًا للصيغ القانونية. ولكن لا يمكن الإنكار أن هذا التقرير يمثل لبنة أولى في طريق الألف ميل نحو دولة مدنية يتمتع جميع أفرادها بحقوقهم وحرياتهم كاملة وإنجازًا يستحق التنويه والافتخار إذ من الوارد أن تصبح تونس أول بلد عربي يضع مجلة للحريات الفردية.

وتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة تضمن عديد النقاط الإيجابية والمتقدمة على صعيدي الحريات الفردية والمساواة، فقد اقترح مثلًا إلغاء عقوبة الإعدام وحماية الحرمة الجسدية وتأكيد الحق في الكرامة لكلّ شخص بغض النظر عن ميولاته الجنسية، وحاول توفير الحماية القضائية للحقوق والحريات.

اقترحت لجنة الحريات الفردية والمساواة رفع القيود الدينية على الحرية التعاقدية

كما اقترح التقرير إلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية والمتعلق بتجريم اللواط والمساحقة وحصر الأعمال المجرّمة في إتيان عمل جنسي أو كشف للأماكن الحميمية من الجسد قصد إيذاء الغير، فضلًا عن تعويض العقوبات السالبة للحرية بعقوبات مالية.

واقترحت اللجنة رفع القيود الدينية على الحرية التعاقدية بهدف تدعيم حرية الضمير التي ينصّ عليها دستور 2014 والتي لا تزال غير مفعلة.

وفي ما يتعلّق بالمساواة، اقترحت اللجنة تمكين الأجانب المتزوجين من تونسيات من الحصول على الجنسية التونسية بمقتضى الزواج كما هو الحال بالنسبة للأجنبية التي تتزوج تونسيًا وهو ما يعدّ تمييزًا في قانون الجنسية.

وجاء في التقرير مقترحات لتحقيق المساواة في العلاقات الأسرية إذ اقترحت لجنة الحريات الفردية والمساواة جعل المهر اختياريًا بين الزوجين وتقاسم رئاسة العائلة والولاية على الأبناء بين الأم والأب وتمكين الأشخاص الذين بلغوا سن الرشد من حمل لقب الأم إلى جانب لقب الأب وذلك بطلب منهم.

كما اقترحت اللجنة المساواة في الإرث بين الأنثى والذكر إلا إذا ارتأى صاحب التركة غير ذلك وترك وصية قبل وفاته يختار توزيع ثورته وفقًا لمبدإ للذكر مثل حظ الأنثيين.

هذه النقطة من شأنها أن تحدث لغطًا كبيرًا وقد لا تؤدي إلى النتيجة المراد الوصول إليها بالنسبة لعديد الحقوقين المطالبين بالمساواة التامة وبصفة صارمة خاصة أنها تفتح الباب وفق وجهة نظرهم أمام من يرفض مبدأ المساواة أن يعطي لأبنائه الذكور من تركته أكثر من الإناث. وبالتالي يجد المقترح المدني الذي ينصّ على المساواة نفسه في مواجهة مع فصل ثان مناقض له.

تقرير لجنة الحريات الفردية اقترح كذلك إقرار المساواة بين الأبناء المولودين خارج إطار الزواج والمعترف بهم مع الأبناء في إطار الزواج خصوصًا في ما يتعلق بالميراث.

يعد هذا التقرير رغم النقائص التي تكتسيه وفق عديد الحقوقيين، مكسبًا هامًا وخطوة كبيرة نحو التأصيل للحريات الفردية والمساواة في مجتمع لم يعش بعد ثورة ثقافية كتلك التي شهدتها فرنسا والتي فصلت بين الكنيسة والدولة. إذ لازالت الانتقادات في الأثناء لبعض التشريعات في تونس التي توصف بأنها "محافظة" والتي تُعتبر تهديدًا للحريات الفردية في دولة مدنية ديمقراطية.

مما لا شك فيه أن الطريق نحو بناء الدولة التي تضمن حقوق جميع مواطنيها وأفرادها بمختلف هوياتهم الجندرية وميولاتهم الجنسية لا يزال طويلًا وصعبًا، ولكن تقرير لجنة الحقوق والحريات الفردية والمساواة وضع لمسة هامة باعتباره سيفتح باب النقاش المجتمعي، ولكن أيضًا النقاش السياسي من خلال البرلمان الذي يتضمن أحزابًا ذات إيديولوجيات متنوعة.

فعمل اللجنة هو استشاري بالأساس وتقريرها تضمن مشروع مجلة الحريات الفردية ومشروع قانون أساسي يتعلّق بالقضاء على التمييز ضد المرأة وبين الأطفال.

ومن المرجّح أن يحيل رئيس الجمهورية هذين المشروعين على مجلس نواب الشعب إذا نالا موافقته، مما يطرح عديد التساؤلات حول مصيرهما في برلمان تختلف فيه التوجهات والرؤى. وحتى بعض الأحزاب التقدمية قد ترفض التصويت لفائدتهما بتعلّة وجود أولويات اقتصادية واجتماعية.

ويبقى موقف حركة النهضة هو الأكثر ترقبًا خاصة أنه سيكون حاسمًا باعتبار أن كتلة النهضة النيابية هي الأكبر حاليًا في البرلمان ونظرًا كذلك إلى طبيعة العلاقة بين الشيخين التي يحكمها توافق قد لا تحرّكه دومًا المصلحة الوطنية بقدر ما تؤثر فيه الحسابات السياسية الضيقة.

وفي انتظار إحالة مشروعي القانونين المذكورين إلى ممثلي الشعب، تبقى تونس في حاجة إلى مزيد من الجرأة في تناول هذه القضايا التي يمكن أن تطال كلّ فرد من المجتمع، بل وإلى مقاربة أشمل وأوسع كي لا يكون الإصلاح فوقيًا يعتمد على قوانين تبقى في الدرج دون أن تتقبلها مختلف الشرائح الاجتماعية.

فباب الحريات الفردية والمساواة مجال واسع جدًا ويحتاج إلى تنسيق وتفاعل بين مختلف أجهزة الدولة كي يكتسب الأفراد ثقافة الحريات الفردية، من ذلك ضرورة إصلاح المنظومة التربوية وتضمين كلّ ما يتعلّق بهذه القضايا الحارقة بطريقة تناسب عمر الطفل المتلقي، علاوة على الإصلاح الديني والمراجعات الضرورية في الشريعة الإسلامية وتغليب العقل والمنطق وفلسفة النقد، أو على الإقل قولبة الشريعة حتى تتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان.

ويبقى التقرير النهائي للجنة الحريات الفردية والمساواة نواة أولى ضرورية ستفتح الباب على مصراعيه أمام تغيّر اجتماعي وثقافي يسير بخطى بطيئة ولكنها تزداد ثقة مع كلّ خطوة من شأنها تدعيم منظومة حقوق الإنسان وتكريسها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

يسرا فراوس: يجب تحرير الجسد بتونس وهذا موقفنا من أحكام الشريعة الخاصة بالنساء

حرية الضمير في تونس.. حبر على ورق الدستور؟