"بدون تونس".. محرومون من المشاركة في الانتخابات

968 مشاهدة
لا معنى للانتخابات بالنسبة لهم ولا تأثير لها على واقعهم (مريم الناصري/الترا تونس)

على الحدود مع الجزائر سواء في محافظة جندوبة أو الكاف أو قبلي، يعيش الآلاف من السكان التونسيين على سفوح الجبال بالشمال الغربي أو في الصحراء الممتدة مع الجزائر بالجنوب الغربي. ورثوا العيش في تلك البيئة عن الآباء والأجداد، في رقعة جغرافية قد لا يميزون انتماءها لتونس عن الجزائر، لولا خط الحدود الذي تحدّده الدول. لهجة تونسية جزائرية تختلط فيها العربية والأمازيغية، عيشهم بدائي، خبزهم من الأرض وزادهم من الرّيف.

يعيش آلاف من التونسيين على سفوح الجبال أو في الصحراء على الحدود مع الجزائر خارج دائرة حسابات الدولة ودون أوراق مدنية تثبت انتماءهم لتونس

الآلاف من هؤلاء السكان على الحدود دون هوية أو أوراق مدنية تثبت انتماءهم للدّولة التونسية. لا يعرفون ما تعنيه مفاهيم المدنية أو المواطنة. ولم يقفوا في صف انتخابات، أو صبغت أصابعهم بحبر التصويت لاختيار ممثّل عنهم في برلمان أو في جهة رسمية. يعيشون خارج دائرة حسابات الدولة وإحصائياتها.

يعيشون على سفوح الجبال الحدودية بين تونس والجزائر عيشًا بدائيًا تقريبًا (مريم الناصري/الترا تونس)

يعيشون على سفوح الجبال الحدودية بين تونس والجزائر عيشًا بدائيًا تقريبًا (مريم الناصري/الترا تونس)

رابح بن صالح، هو من الذين لا يعرفون ما يعنيه كلّ ذلك، فمنذ أن ولد، ذاك الرجل المسن الذي ترسم ملامحه تجاعيد ما يقارب السبعين سنة، لم يحمل وثيقة هوية تثبت انتماءه لهذا الوطن. ولا التحق بمقاعد دراسة ولا اعترف بإدارة أو مؤسسة حكومية، عاش حياته في ريف بمحافظة الكاف، شمال البلاد التونسية دون بطاقة هوية شخصية. ولم يدرج في أي أرقام أو إحصاءات للدولة ولا في سجلاتها الرسمية، بعيدًا عن أي تنظّم مدني أو سجال سياسي وصراع انتخابي.

من جهتها لا تعرف سالمة ما تعنيه أوراق ثبوتية، فحتى زواجها لم يعقد لدى عدل إشهاد مثلما هو الحال اليوم في معظم مدن تونس، بل لدى شيخ حسب ما كانت تتم به عقود الزواج في الماضي. ولم تخرج من قريتها إلا للعمل في بعض الضيعات الفلاحية القريبة من هناك. لا تعرف إدارات أو مؤسسات ولا مستشفيات. تعيش بطرق بدائية حتى أنّها لم تقم بتسجيل أبنائها الأربعة بعد الولادة. ولا التحقوا بمقاعد الدراسة لعدم امتلاكهم لأوراق رسمية.

اقرأ/ي أيضًا:  الانتخابات البلدية في تونس.. اختبار صعب لديمقراطية ناشئة

عاين "الترا تونس" كيف أن مئات العائلات في الأرياف على الحدود التونسية الجزائرية خاصة بجندوبة في مناطق حليمة، عين الزانة، فرنانة، أولاد مفدة لا يملكون هوية. وتعداد هؤلاء وإن لم يكن دقيقًا نظرًا لصعوبة الوصول إليهم، إلا أنّ عددهم بلغ وفق تصريحات سابقة لشفيق صرصار، الرئيس السابق للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، حوالي 500 ألف شخص. لم يملكوا في حياتهم هوية رسمية ولم تدرج أسماؤهم في أيّ سجلات مدنية. وهو ما جعلهم غير قادرين على المشاركة في انتخابات ما قبل الثورة التونسية وما بعدها، نتيجة سياسة التهميش خلال النظام السابق وتواصل التهميش في حقهم لاحقًا. مؤكدًا أنّ الهيئة اكتشفت وجود أعداد كبيرة من التونسيين بلا بطاقات هوية خلال فترة تسجيل الناخبين سنة 2014، أثناء الإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية حينها.

وفق تصريحات للرئيس السابق للهيئة العليا للانتخابات حوالي 500 ألف شخص لا يملكون وثائق ثبوتية في تونس

ونظرًا للأوضاع السياسية خلال تلك الفترة وللظروف التي نظمت فيها الانتخابات في 2014، لم يفسح ضيق الوقت المجال أمام الهيئة لحلّ المشكل وتسوية وضعيات هؤلاء وتمكينهم من حقهم الانتخابي. فقد "كان الوقت محدودًا، وموعد التسجيل على وشك الانتهاء، ولم يكن من المستطاع إيقاف العملية لحل تلك المشكلة"، وفق قول شفيق صرصار. لكنّه في المقابل وعد في مناسبات عدّة ببذل الجهد والتنسيق مع مختلف الوزارات المعنية كالداخلية ووزارة المرأة ووزارة الشؤون الاجتماعية للتثبت في هويات هؤلاء المواطنين وإحصاء عددهم بدقة وتسليمهم هويات، لا سيما للنساء الريفيات لأنهنّ يتصدرن نسبة الأشخاص من دون هوية، والبالغ عددهن 300 ألف امرأة.

مساكنهم قرب الحدود التونسية الجزائرية (مريم الناصري/الترا تونس)

مساكنهم قرب الحدود التونسية الجزائرية (مريم الناصري/الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: ائتلاف النهضة ونداء تونس.. توافق كامل أم تحالف هشّ؟

ورغم مرور قرابة الأربع سنوات على الانتخابات السابقة، وعلى تلك الوعود إلا أنّ المشكل لم يحلّ إلى اليوم، خاصة وأنّ الهيئة وهي تستعد للانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في آيار/ مايو المقبل، انشغلت بتغيير تركيبة الهيئة الجديدة وتحضير دليل الانتخابات والحملة الانتخابية وفق ما أشار إليه أنيس الجربوعي، عضو مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لـ"الترا تونس".

يحرم "بدون تونس" من حقوق أساسية عديدة وبتواصل عدم إدراجهم في أي سجلات حكومية سيحرمون من الانتخاب في مايو القادم

كما أضاف محدّثنا أنّ "الهيئة الجديدة اهتمت بتحيين السجلات القديمة إلى حدود تاريخ 6 كانون الثاني/ يناير الماضي. ولم يقع التطرق إلى هذا الوقت للذين لا هوية لهم". مشيرًا إلى أنّ الهيئة ستعمل بعد إكمال المسار الانتخابي، الذي سينتهي في 6 آيار/ مايو المقبل، على التحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع إعدادها السنة المقبلة وستأخذ بعين الاعتبار مسألة الأشخاص دون هوية، ولما لا التعاون مع وزارة الداخلية لتسوية هذه الوضعيات". وأكد الجربوعي أنّه "لم يتم عقد أيّ اجتماع مع وزارة الداخلية لحل الموضوع. ولكنّه سيكون من أولويات مجلس الهيئة قريبًا".

يذكر أنّ تونس لم تنظّم انتخابات بلدية منذ ثورة 2011. واليوم تتهيأ إلى انتخابات تأخرت سنتين، منذ الانتخابات الرئاسية في عام 2014، بعد أن تمّ تأجيلها بسبب تغييرات في تركيبة الهيئة المشرفة على إجرائها، تعطّل تعديل القانون الانتخابي ولاعتبارات سياسية أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تأجيل الانتخابات البلدية في تونس.. ارتداد آخر عن مسار التحول الديمقراطي

نتيجة الانتخابات التونسية بدائرة ألمانيا.. مقعد وحيد كفيل بقلب الأوراق