"العم أحمد".. قصة مقاوم وفارس يعشق الخيل

العم أحمد فارس أصيل وللخيل منزلة عظيمة في نفسه (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

 

يدني وجهه منها، يتعانق أنفاهما، تتماهى أنفاسهما، تضيع نظرته بين شهيقها وزفيرها، وتنظر هي إلى الأفق في سلام واستسلام وخيوط الشمس تغازل شعرها الذهبي المسدل على عنقها. هي ليست لحظة رومانسية يقتنصها عاشقان بعيدًا عن الأعين، هي لقاء والتقاء بين فارس وفرسه، حالة من التوحّد قد تعجز عن ترجمتها إلى كلمات، وتلك النظرة التي ترتسم في عيني الفرس قد تتطلب عمرًا من الترجمة للتعبير عنها.

 أحمد بن محمد الساكري مقاوم شارك في ثورة التحرير الوطني المسلّحة سنة 1952 وعاشق للخيل والفروسية

اقرأ/ي أيضًا: مهرجان سينما الريف بالمكناسي.. على "الهامش" ما يستحق الحياة

هو أحمد بن محمد الساكري، أصيل مدينة المكناسي التابعة لولاية سيدي بوزيد التونسية، مقاوم شارك في ثورة التحرير الوطني المسلّحة التي اندلعت في شهر جانفي/كانون الأول من سنة 1952، وعاشق للخيل والفروسية. حكايته مع الخيل قد تبدو للبعض غريبة، تيم دونه تيم الحبيب الصدوق، قلبه أسير حبيبته، هو فارس أصيل وللخيل منزلة عظيمة في نفسه، وهو ما يتجلّى في حنوّه على فرسه.

يمرر "العم أحمد" راحة يده على أعراف فرسه الأصيلة.. تشعر بحبّه فتبادله إياه بنظرة يفيض بها قلب الفارس حبًّا (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

 

يشدّ لجامها بلين ورفق، وينزع رباط الأكل عن فمها، يربّت بحب على عرفها وناصيتها كأنما يلاعب خصلات شعر حبيبته أو ابنته، ويهمس لها بين الفينة والأخرى بكلمات تفهمها ولا نفهمها. والعشق المكنون في فؤاد المقاوم الفارس للخيول، عشق عتيق توارثه عن والده الذي هام بالخيل والفروسية ومرّر عشقها لابنه الذي لا ينقطع عن تربية الخيل منذ ما يزيد عن نصف القرن.

وهو لا ينقطع عن مداعبة أديمها، والتربيت على ناصيتها، يحدّث الفارس "الترا تونس" عن قصّته مع الخيل، قصّة خطّ والده أولى كلماتها بتعويده على تربية الخيل، وأكملها هو بانطلاقه في رحلة امتلاك الخيل منذ عام 1957 أنّى كانت له أوّل فرس.

ومنذ ذلك التاريخ، لم ينقطع عن تربية الخيول، حتّى أن المنزل لا يخلو منها وكان كل ما فقد فرسًا عوّضها بأخرى ليملأ الفراغ الذي يخلّفه رحيلها، فهي ليست مجرّد فرس يشارك بها في السباقات والاحتفالات، بل هي جزء لا يتجزّأ من حياته يكرمها وينزلها منزله النفس والولد، وفق حديثه.

وهو يمرر راحة يده على أعرافها الأصيلة، تشعر بحبّه فتبادله إياه بنظرة يفيض بها قلب الفارس حبًّا فيقبّل جحفلتها، وهو لا يكفّ عن النظر إليها. يخبرنا العم أحمد عن شوقه لخيوله إذ غابت عن ناظريه، وعن لحظات الحظوة والرقي التي كتبت على ظهورها. ممسكًا بلجام فرسه، يحاول أن يخرجها من المربط وهو لا يكفّ عن مغازلتها بين الفينة والأخرى، يلبسها ثوب الإنسان وهو يتحدّث عن صهيلها إذ رأته مقبلًا، تحرّك رأسها وتمدّها إلى الأمام وكأنها تغريه بملامسة عرفها.

الخيول التي ربّاها العم أحمد وشارك بها في سباقات في كامل تراب الجمهورية تصهل إذا رأته وتضرب بحافرها الأرض وتشع السعادة في عينيها إذ دنا منها

اقرأ/ي أيضًا: من فسقية مهملة إلى مسرح أثري.. شرارة في ثورة المواطنة

وهو يتقدّم رفقة فرسه، يعرج العم أحمد، فحبّه للخيل والفروسية تسبب له في إصابة على مستوى الساق إثر اصطدام جسده بفرس، ولكن ذلك لم يؤثر قيد أنملة على عشقه لهذا المخلوق الذي يزين التناغم والانسجام علاقتهما، بل إنّه يعتبر أن الحوادث أمر محتوم ويتعرّض إليها كل الفرسان.

والخيول التي ربّاها العم أحمد وشارك بها في سباقات في كامل تراب الجمهورية، تصهل إذا رأته وتضرب بحافرها الأرض وتشع السعادة في عينيها إذ دنا منها، فتنتفي الفوارق بين الإنسان والحيوان ويعانق الفارس فرسه كما حبيبان أنهكهما الشوق، هكذا تحدّث الفارس العاشق عن الفرس التي اقتناها مؤخرًا وعن سابقاتها.

مرّت في حياة العم أحمد عشرون فرسًا (يسرى الشيخاوي/ الترا تونس)

 

ولأنّ العمر تقدّم به ماعاد محدّثنا يشارك في سباق ركوب الخيل ولكنّه مازال يحتفظ بزي الفارس وبندقيته، ومازال يربي الخيل ويقول إنّه سيظلّ يربيها مادام حيًّا. ومنذ أن خاض رحلة تربية الخيل، مرّت في حياة العم أحمد عشرون فرسًا خانته الذاكرة فلم يستحضر من أسمائها إلا "وهرة" و"زرارة" و"محبوبة" التي تربطه بها علاقة خاصة وذكريات خاصة فهي التي لازمته ولازمها ما يزيد عن العقد من الزمن.

وهو يجول في ريف الناصر من مدينة المكناسي رفقة حصانه الذي حدّثنا أنه يرقص إذ أتاه وقع الطبل، عرّج لنا الفارس عن مشاركته في الثورة المسلّحة عام 1953 أي سنة بعد اندلاعها.

كان العم أحمد يبلغ من العمر 18 سنة حينما التحق بالمقاومين في الجبال رفقة ابن خاله

كان يبلغ من العمر 18 سنة حينما التحق بالمقاومين في الجبال رفقة ابن خاله، بعد أن لبّى نداء القيادات في ذلك الوقت الذين كانوا يجوبون المناطق داعين الشباب للمشاركة في الثورة المسلّحة أو طلب المساعدة من الأهالي. ولم يلتحق محدّثنا بصفوف المقاومين ويشارك في المواجهات مع المستعمر إلا بعد 3 أشهر قضاها في الجبل قبل أن يفترق عن ابنه خاله في جبل بولحناش ويلتحق بمجموعة مقاومين يقودها محمد علي الساكري، وفق روايته.

سنة كاملة قضّاها في الجبل في مواجهات مع قوات المستعمر، قبل أن يسلّم سلاحه رفقة بقية المقاومين، سنة يقول إنه عاش فيها تجارب علّمته أنّه لا وقت للخوف في خضمّ المواجهات بين المقاومين والمستعمرين.

وعمّا علق بذهنه من حوادث عايشها في الجبل في تلك الفترة، يقول في حديثه لـ"الترا تونس" أنّه شارك في خمس مواجهات مع المستعمر مات فيها مقاومون وجرح آخرون وصم صوت الرصاص آذانهم ولكنّ كل واحد منهم يفكّر في حماية الآخر.

وفي ختام الحديث الذي جمعنا به، على هامش تظاهرة "سينما الريف" بالمكناسي، قال العم أحمد إنّ المقاومين حاربوا في الجبال من أجل الوطن واستقلاله ولا ينتظرون شيئًا من الدولة التي تبخسهم أبسط حقوقهم وهي العرفان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسرح قصر الجم.. من فضاء للموت إلى منبع للحياة

بـ"غاليري" قصر خير الدين.. عبد العزيز القرجي ينهض كطائر الفنيق مزهرًا ومبهجًا